قطعة ويلد-بلوندل: ملوك ما قبل الطوفان
(الفترة البابلية القديمة، حوالي 2000–1600 قبل الميلاد)
"وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ." (مت 24: 37)
في عام 1922، وأثناء عمليات التنقيب في لارسا، إحدى المدن-الدول المهمة في سومر (جنوب العراق حالياً)، اكتشف عالم الآثار البريطاني هربرت ويلد بلوندل Herbert Weld Blundell قطعة أثرية على شكل منشور رباعي الأوجه، منقوشة بالخط المسماري السومري.
الـ Weld Blundell Prism هي قطعة أثرية فعلية، على شكل منشور رباعي الأوجه، منحوت عليها نص مسماري سومري يتضمن سجلًا تاريخيًا لملوك سومر.
يُعد النص المنقوش على هذه القطعة أقدم وأكمل سجل معروف لقائمة الملوك السومريين القدامى الذين حَكموا قبل الطوفان العظيم. ورغم وجود مصادر أخرى غير مكتملة — مثل "قائمة الأبوكولو" (The Apkullu-list)، "لوح كيش" (Kish Tablet UCBC 9-1819)، و"شظايا نيبور" (Nippur Fragment Ni3195)، وغيرها — إلا أن النص الوارد على منشور ويلد-بلوندل هو الأكثر شمولاً وتماسكًا.
اللافت للنظر أن هذه القائمة تشمل ملوكًا حكموا قبل الطوفان العظيم، حيث تمتد فترة حكم هؤلاء الملوك لما يُقارب آلاف السنين. حسب ترجمة عالِم الآشوريات الراحل Thorkild Jacobsen للنص المنقوش على هذه القطعة الأثرية:
العبارة الافتتاحية للنص المنقوش
النص الأصلي:(nam]-lugal an-ta en-dè-a- ba
وترجمته:"حِينَ أُنزِلَ المُلْكُ مِنَ السَّمَاءِ"(أي: السُّلطان أو الحُكم الملكي)
تفسير مفردات العبارة (الكلمات السومرية):
nam: تعني "السلطة" أو "القَدَر" أو "الاسم"، وهنا تُفهم كـ "السلطان" أو "القوة المَلكيّة" التي تُمنح من العلى.
lugal: تعني "الملك" أو "الحاكم"، وهي كلمة سومرية تُستخدم للدلالة على مَن يمارس الحكم باسم الإله.
an-ta: مركّبة من كلمتين:
an أي "السَّماء"
ta أي "من"→ أي: "مِنَ السَّماءِ"
en-dè-a: عبارة مركّبة تُستخدم عادةً في السياقات الدينية أو الرسمية.
en تعني "السيد" أو "الإله"
dè-a قد تكون لاحقة تُشير إلى المكانة أو السلطة
ba: لاحقة فعلية سومرية تدل على صيغة المبني للمجهول، ومعناها هنا "أُنزِل" أو "نُقل".
الترجمة الكاملة:"حينَ أُنزِلَ المُلكُ مِنَ السَّماءِ."
وهذه العبارة الافتتاحية تُعد ذات دلالة لاهوتية مهمة في الأدب السومري، حيث تُظهر أن الشرعية الملكية لا تنبع من الأرض، بل من السماء، أي من قوة إلهية سامية، وهو ما يتقاطع بوضوح مع المفهوم الكتابي بأن السلطان الحقيقي يُمنح من الله العلي.
تسلسل السلالات قبل الطوفان
بعد الافتتاحية، يسرد االنص المنقوش السلالات الملكية التي سبقت الطوفان وفق ترتيب مدن سومرية مهمة وهي:
إريدو، باد-تيبيرا، لاراك، سيبار، شوروباك.
إريدو (Eridu): أقدم مدينة سومرية، وتُعتبر بداية السلالة الملكية الأولى.
باد-تيبيرا (Bad-tibira): مركز ديني وصناعي في جنوب بلاد الرافدين.
لاراك (Larak): مدينة صغيرة مذكورة في النصوص القديمة، لم تُحدد موقعها بدقة.
سيبار (Sippar): مركز هام لعبادة الإله شمش، تقع شمال بابل.
شوروباك (Shuruppak): مدينة معروفة بأنها موطن أحد أبطال الطوفان في الأدب السومري.
هذا "الترتيب" يشير إلى التسلسل الزمني لحكم هذه المدن أو السلالات قبل وقوع الطوفان، حيث يُعتبر كل موقع مركزًا لسلالة ملكية حكمت في فترة معينة، وفقًا للاعتقاد السومري القديم.
العبارة الختامية للنص المنقوش
النص السومري:
a-ma-ru ba-ur RA TAll egir a-ma-ru ba-ùr-ra-ta
وترجمته:"اجتاحَ الطُّوفان، وبعدَ أنِ اجتاحَ الطُّوفان..."
تفصيل الكلمات السومرية:
a-ma-ru: تعني "الماء" أو "الطوفان"، تُستخدم للإشارة إلى تدفّق المياه بشكل هائل، وغالبًا ما تدلّ على فيضان كارثي.
ba-ur: فعل يعني "اجتاح" أو "غمر" أو "سحب بعنف"، يدل على حركة مائية مدمّرة.
RA: غالبًا تشير إلى "الشمس" في نصوص أخرى، لكن هنا يُحتمل أنها أُدرجت لأغراض صوتية أو تركيب لغوي ضمني.
TAll: قد تعني "ارتفاع" أو "علوّ"، وفي هذا السياق تشير إلى "موجة" أو "تدفق مرتفع".
egir: تعني "وراء" أو "بعد"، وتُستخدم زمنيًّا.
a-ma-ru (مرة أخرى): تعني "الطوفان" أو "الماء المتدفّق".
ba-ùr-ra-ta: فعل مركّب من ba-ur مع لاحقة تدل على الماضي التام: "قد اجتاح".
الترجمة الدقيقة:
"اجتاح الطوفان، وبعد أن اجتاح الطوفان..."أو بشكل أوضح:"اجتاح الطوفان الأرض، وبعد ذلك اجتاح الطوفان مرة أخرى."
الخلاصة التاريخية
ذكر النقش أيضًا أحد الملوك الذين ثبت وجودهم بالأدلة النقشية، وهو:إن-مي-باراجي-سي (En-me-barage-si)، ويُقال إنه حكم لمدة 900 عام.
وتُعرض هذه القطعة الاثرية حاليًا في متحف أشمولين بجامعة أكسفورد، ويُعد شاهدًا فريدًا على وجود تقليد سومري قديم يتحدث عن:
الطوفان العظيم
فترات حكم طويلة جدًا لما قبل الطوفان
نزول السلطة الملكية من السماء
وهذا يُشير إلى تداوُل عالمي مبكر لفكرة الطوفان، ويمنح خلفية تاريخية غير توراتية تدعم صدق الرواية الكتابية.
الخاتمة: أبعاد لاهوتية ودفاعية
يمثّل النص المنقوش شهادة أثرية نادرة من العالم القديم تُشير إلى حدث طوفاني عالمي، وتُحافظ على تسلسل ملوكي يمتد إلى ما قبل هذا الحدث الكارثي.
رغم أن المصدر سومري الأصل، إلا أن توافقه اللافت مع العناصر الجوهرية لقصة الطوفان كما وردت في سفر التكوين (الإصحاحات 6–9) ليس مجرد تشابه رمزي أو سردي، بل يعكس وجود تقليد مشترك قديم ومتجذّر في ذاكرة البشرية عن دينونة إلهية للطغيان والفساد البشري.
وفق الرؤية المسيحية، لا يُعد هذا الطوفان مجرد حادثة تاريخية فقط، بل حدثًا يُشير إلى عدالة الله ورحمته، وإلى دعوته للبشر للتوبة.وقد أكّد الرب يسوع بنفسه على حقيقة الطوفان حين قال:"وكما كانت في أيام نوح، كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان" (متى 24:37)، رابطًا بين أحداث الماضي والدينونة الآتية.
من هنا، فإن منشورًا مثل هذا يعزّز ثلاثة أمور دفاعية محورية:
تأييد تاريخية الطوفان
وجود هذا السجل المسماري منقوشًا قبل آلاف السنين، يتحدث عن "الملوكية التي نزلت من السماء"، و"الطوفان الذي اجتاح"، يؤكد أن الطوفان لم يكن اختراعًا توراتيا، بل ذاكرة إنسانية قديمة، وهو ما يعضد صدق رواية الكتاب المقدس.
دلالة على وحدة الأصل البشري
التقاليد القديمة المختلفة التي تتحدث عن الطوفان تشير إلى مصدر مشترك، وهي إشارة إلى وحدة الجنس البشري في بدايته ونهايته، الأمر الذي تنادي به العقيدة المسيحية، بأن البشرية خُلقت من أصل واحد وسقطت، ولكنها تُدعى الآن للفداء من خلال شخص المسيح.
دليل أثري هام
في زمن يسعى فيه الناس لإثبات الإيمان من خلال الأدلة التاريخية، يشكّل هذا النوع من الاكتشافات مدخلًا للحوار مع المشكّكين، ويُظهر أن الإيمان المسيحي ليس قائمًا على الأسطورة، بل على أحداث تاريخية حقيقية يعضدها التراث البشري العام.
WELD BLUNDELL PRISM: PRE-FLOOD KINGS
(Old Babylonian Period, ca. 2000–1600 B.C.)
ليكون للبركة
Patricia Michael