كيف يقول المسيح إن الكهنة في الهيكل يوم السبت «يُدنِّسون السبت وهم أبرياء» (مت 12: 5)، وهل كان يقرّ بوجود استثناءات في وصية السبت أم كان يوضح المعنى الحقيقي للوصية؟

Patricia Michael

كان السبت يحتل مكانة مركزية في الفكر اليهودي، لكن كثيرين في زمن المسيح تعاملوا معه بمنظور حرفي صارم ابتعد عن المقصد الإلهي الأصلي. لذلك سعى السيد المسيح إلى تصحيح هذا الفهم، مبيّنًا أن السبت لم يُعطَ ليكون عبئًا على الإنسان أو قيدًا يعطّل عمل الرحمة والخير، بل لخدمته وخلاصه. ومن خلال طرح أمثلة متعددة، أوضح أن الشريعة نفسها كانت تتضمن حالات يُسمح فيها بأعمال تبدو، بحسب القراءة الحرفية، مخالفة للسبت، ومع ذلك لم تُعدّ تعديًا على وصية الله. وهكذا أراد أن ينقل سامعيه من التمسك بحرف الوصية إلى إدراك غايتها الحقيقية وروحها، كاشفًا أن الرحمة واحتياجات الإنسان وعبادة الله تأتي في صميم قصد السبت، لا في تعارض معه.

ولإثبات ذلك قدّم لهم #ثلاثة أمثلة:

أولًا: مثال #داود ورجاله عندما أكلوا خبز التقدمة(مت 12: 3-4)

"فَقَالَ لَهُمْ: «أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ؟ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلَا لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ." (مت 12: 3-4).

كان خبز التقدمة بحسب الشريعة مخصصًا للكهنة وحدهم (لا 24: 5-9)، ولذلك فإن تصرّف داود ورجاله قد يبدو، من منظور حرفي صارم، تجاوزًا للنص الشرعي (1 صم 21: 1-6). غير أن المسيح استشهد بهذه الحادثة ليُظهر أن المقصد الإلهي لا يُفهم من خلال الحرف المجرد وحده، بل من خلال الغاية التي وُضعت الوصية لأجلها. فلم يكن داود مستهينًا بالشريعة أو متعمدًا مخالفتها، بل كان هو ورجاله في حالة ضرورة وحاجة. لذلك لم يُنظر إلى هذا التصرف على أنه تمرد على وصية الله، لأن حفظ حياة الإنسان وسدّ حاجته في تلك الظروف كان منسجمًا مع روح الشريعة ومقصدها. ومن خلال هذا المثال، أراد المسيح أن يبيّن أن الفريسيين أخطأوا حين جعلوا التفسير الحرفي للوصية غاية في ذاته، متجاهلين الرحمة والغاية التي أرادها الله من الشريعة.

ثانيًا: مثال #الكهنة في الهيكل

"أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟" (مت 12: 5).

إن كان الكهنة في العهد القديم لم يتوقّفوا عن العمل يوم السبت، بل كان العمل يتزايد، إذ تكثر التقدمات والذبائح في ذلك اليوم ويكثر المتعبّدون، كانوا يقومون بأعمال لو قام بها إنسان خارج الهيكل لحُسبت تدنيسًا للسبت، فمن أجل كرامة الهيكل وتحقيق رسالته لم يتوقّف هؤلاء عن العمل، بل يُحسب توقّفهم إهمالًا في حق الهيكل. هذا بخصوص الهيكل القديم فماذا إن كان السيّد نفسه الساكن في الهيكل قد حلّ على الأرض، ألا يصير سبتنا الحقيقي هو العمل الدائم لحساب رب الهيكل؟ إذن فالسبت ليس راحة جسديّة تنبع عن توقُّف عن العمل، إنّما هو راحة تصدر عن عملنا المستمر بالمسيح يسوع ربّنا رب الهيكل وسرّ راحتنا.

فالمشكلة لم تكن في الوصية ذاتها، بل في تفسيرها الخاطئ الذي جعلها غاية مستقلة عن مقاصد الله.

ومن هنا يوضح المسيح أن السبت لم يُعطَ لمجرد الامتناع عن العمل الجسدي، بل لقيادة الإنسان إلى الشركة مع الله والتمتع براحة الله الحقيقية. لذلك فإن العمل الذي يتمم مشيئة الله ويخدم الإنسان لا يتعارض مع روح السبت، بل ينسجم مع المقصد الذي أُعطيت الوصية من أجله.

ثالثًا: مثال #الرحمة في نبوة #هوشع (هو 6: 6)

" فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا". متى 12 [7-8].

بعد أن استشهد المسيح بمثال داود ومثال الكهنة، انتقل إلى المبدأ الذي يكشف روح الشريعة كلها، مقتبسًا من النبي هوشع: «إني أريد رحمة لا ذبيحة» (هو 6: 6). فالله، مع أنه أمر بالذبائح والطقوس، لم يقصد أن تتحول إلى غاية في ذاتها، بل أراد ما تعبّر عنه من محبة ورحمة وطاعة صادقة. لذلك فإن التمسك بالشكل الخارجي للعبادة مع إهمال الرحمة يُفرغ الوصية من معناها الحقيقي.

ومن هذا المنطلق وبّخ المسيح الفريسيين لأنهم تمسكوا بالحرف وأهملوا المقصد الإلهي، فاتهموا تلاميذه بما لم يكن خطية، وحكموا على الأبرياء بسبب فهم ضيق للسبت. وهكذا أوضح لهم أن جوهر وصية السبت لا ينفصل عن الرحمة والمحبة وفعل الخير، وأن الله لا يريد من الإنسان أن يضحّي بالرحمة من أجل المحافظة على تفسير حرفي للوصية.

ثم ختم المسيح حجته بإعلانه: «فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا». فبصفته رب السبت وصاحب السلطان على الشريعة، لم يأتِ لينقض الوصية أو يكسرها، بل ليكشف معناها الحقيقي ويصحح ما علق بها من تفسيرات بشرية. لذلك لم يكن المسيح في صراع مع وصية السبت نفسها، بل مع الفهم الذي حوّلها من عطية إلهية لخدمة الإنسان إلى عبء ثقيل يُستخدم للحكم على الناس وإدانتهم. ومن خلال إعلانه أنه «رب السبت»، كشف أن السبت يجد معناه الكامل فيه، وأن المقصد الإلهي منه هو راحة الإنسان في الله، المعبَّر عنها بالرحمة والمحبة والطاعة الحقيقية.

الخاتمة:

ومن خلال هذه الامثلة يبيّن السيد المسيح أن وصية السبت لم تُعطَ لإهمال احتياجات الإنسان أو لمنع الرحمة، بل لخيره. فالرحمة وحفظ الحياة وخدمة الله ليست استثناءات طارئة على الوصية، بل تنسجم مع مقصدها الأصلي.

لذلك يمكن القول إن المسيح كان:

يعترف بأن الشريعة نفسها تتضمن حالات يُسمح فيها بالعمل يوم السبت دون إثم.وفي الوقت نفسه لم يلغ او يكسر السبت بل يصحّح الفهم الضيق والحرفي للسبت، مظهرًا أن جوهر الوصية لا يتعارض مع الرحمة أو مع خدمة الله.تفسيرات الكتاب المقدس

ليكون للبركة

Patricia Michael