تل لخيش: إحدى أهم مدن إسرائيل القديمة

تمّ التعرّف لأول مرة على تل لخيش سنة 1838م على يد العالِم الكتابي والمستكشف الأمريكي إدوارد روبنسون (Edward Robinson)، الذي ربط الموقع بالمدينة الكتابية "لخيش" بالاستناد إلى دلائل جغرافية من الكتاب المقدس والسجلات القديمة.

أُجريت أولى الحفريات الأثرية الكبرى بين عامي 1932 و1938م تحت إشراف عالم الآثار البريطاني جيمس ليسلي ستاركي (James Leslie Starkey). وقد كشفت بعثته عن البوابة الضخمة للمدينة، والقصر-الحصن، ورسائل لخيش الشهيرة (ostraca) التي كُتبت في الأيام الأخيرة قبل الغزو البابلي.

غير أن مسيرة ستاركي توقفت على نحو مأساوي باغتياله سنة 1938م، إلا أن ما أنجزه من اكتشافات وضع الأساس المتين الذي انطلقت منه جميع الأبحاث اللاحقة في تل لخيش.

في العصور الكتابية، كانت لخيش ثاني أهم مدينة بعد أورشليم من حيث الأهمية الاستراتيجية والسياسية. تقع إلى الجنوب الغربي من أورشليم في منطقة الشفيلة الخصبة fertile Shephelah region ، ويُذكر اسمها مرارًا في الكتاب المقدس، ولا سيما في سياقات الحملات العسكرية والإنذارات النبوية.

كان مدخل المدينة عبارة عن بوابة مهيبة تتألف من مدخل خارجي وآخر داخلي يفصل بينهما ساحة مرصوفة مفتوحة. وقد شكّل هذا المكان قلب المدينة النابض، حيث كان مركزًا مزدحمًا بالتجارة، ومقرًا لإقامة العدالة، ومسرحًا للنشاط الديني. كان التجار يعرضون بضائعهم هنا، والشيوخ والقضاة يجتمعون للفصل في القضايا، والأنبياء يعلنون رسائلهم، فيما كان الملوك يجلسون عند البوابة ليخاطبوا شعبهم ويتلقوا التقارير من أنحاء المملكة.

كما كان هذا المدخل يُعد حصنًا عسكريًا محصّنًا، إذ كان على جانبيه برجا مراقبة يشرف منهما الحراس على الأفق لرصد القادمين أو الأعداء المتقدمين. وفي أوقات الخطر، كانت الأبواب الضخمة تُغلق وتُحكم كل مساء، لتأمين المدينة وسكانها.

لقد أثبتت تحصينات لخيش قوتها خلال فترات الحرب، وكان أبرز اختبار لها في حصار الآشوريين بقيادة الملك سنحاريب في أواخر القرن الثامن ق.م—وهو حدث موثَّق بوضوح في كلٍّ من الكتاب المقدس والنقوش البارزة في القصور الآشورية. ومع ذلك، سقطت المدينة في يد الآشوريين، ثم لاحقًا في يد البابليين.

واليوم، يُعد تل لخيش واحدًا من أهم المواقع الأثرية في إسرائيل، إذ يقدّم نافذة حيّة على الحياة الحضرية، والاستراتيجيات العسكرية، والتراث الروحي في إسرائيل القديمة ، مما يعزز المصداقية التاريخية للأحداث والشخصيات المذكورة في الكتاب المقدس، ويؤكد أن الروايات التوراتية تستند إلى حقائق أثرية ملموسة.

ليكون للبركة

Patricia Michael