الثالوث ليس عدداً والله لا يُعدّا

Patricia Michael

لا ينبغي لنا أن نفهم الثالوث القدوس بمنطق الأعداد أو العمليات الحسابية. فنحن لا نعدّ الأقانيم ونقول: واحد، اثنان، ثلاثة، ولا ننظر إلى الثالوث باعتباره ثلاثة آلهة مستقلة تجمعها عملية رياضية. بل إن الثالوث الإلهي هو سرّ غير قابل للإحصاء أو التجزئة.

يقول القديس باسيليوس:

["عندما علمنا الرب عقيدة الآب والابن والروح القدس، لم يجعل الحساب جزءًا من هذه الموهبة."]

* هذه الفكرة جوهرية في اللاهوت المسيحي، حيث يُفهم الثالوث القدوس ليس كعدد يُقاس أو يُحصى، بل كعلاقة وجودية متمايزة وغير قابلة للتقسيم. الإيمان بالثالوث يقوم على وحدة الجوهر الإلهي وتمايز الأقانيم، مع التأكيد على أن الله ليس موضوعًا للإحصاء أو التجزئة الحسابية.

القديس باسيليوس الكبير يعبر عن هذه الفكرة بوضوح، حيث يرفض إدخال العمليات الحسابية في الحديث عن الثالوث. فهو يرى أن الثالوث لا يُدرك من خلال المنطق الرياضي والحسابي، بل بالإيمان والرؤية اللاهوتية. فالعلاقة بين الآب والابن والروح القدس هي علاقة جوهرية فريدة في الذات الالهية لا تخضع لقوانين الأرقام. الثالوث يُفهم كوحدة متكاملة حيث الأقانيم الثلاثة متمايزون ولكنهم واحد في الجوهر والإرادة. إن الله كيان غير محدود، لا يمكن اختزاله أو تفسيره عبر مفاهيمنا البشرية مثل القسمة أو الجمع.

هذا يُظهر تفوق العقيدة المسيحية على التصورات البشرية المحدودة، حيث تُقدم الله ككيان غير محدود وغير خاضع للمفاهيم التي تحكم عالمنا المادي. وبالتالي، الحديث عن الثالوث هو في جوهره حديث عن سر إلهي عميق يتجاوز حدود الفهم البشري المباشر.

ويقول القديس فلكسينيوس المنبجي:

["في وضعية الكينونة الإلهية يُعرف الوحدانية والتثليث: وحدانية الكينونة وتثليث الأقانيم، لكن ليس إحصائيًا. هكذا يجب أن لا نقول واحد واثنان وثلاثة، بل فقط الثالوث، أي ثلاثة أقانيم. لأنه لا يمكن ضبط وإمساك الأول حتى يدخل بعده الآخر حسب نظام الإحصاء، ولا يمكن الاقتراب من ميلاد الثاني حتى يُضاف بعد ذلك رقم ثلاثة."]

الكلام عن "وحدانية الكينونة وتثليث الأقانيم" يشير إلى وحدة الله في جوهره، مع التمايز في الأقانيم الثلاثة (الآب، الابن، الروح القدس). ومع ذلك، فإن هذا التثليث لا يعني تعدداً أو تفريقاً. فالثالوث القدوس هو تعبير عن العلاقة السرمدية في الذات الإلهية، حيث تظهر وحدانية الجوهر الإلهي وتمايز الأقانيم كما كشفها الوحي الإلهي وفهمها اللاهوت المسيحي.

القديس فلكسينيوس يعمق الفكرة بأن الثالوث ليس تسلسلاً عدديًا أو زمنيًا. فالأقانيم الثلاثة يشتركون في الجوهر الإلهي دون أن يكون هناك أول أو ثانٍ أو ثالث بمعنى الترتيب أو التفوق. الأقانيم متمايزون، ولكن لا يخضع أي أقنوم لنظام زمني أو ترتيب هرمي. إننا لا نقول إن الآب هو الأول زمنياً، ثم يأتي بعده الابن، ثم الروح القدس، بل نفهم أن الأقانيم الثلاثة أزليون ومتساوون في الجوهر.

هذا المفهوم يبرز في قوله:["لا يمكن ضبط وإمساك الأول حتى يدخل بعده الآخر حسب نظام الإحصاء، ولا يمكن الاقتراب من ميلاد الثاني حتى يُضاف بعد ذلك رقم ثلاثة."]

وبما أن الثالوث القدوس ليس مجسمًا أو منقسمًا أو مجزأً، فإنه لا يخضع لقوانين الإحصاء والعدد. فالكائن غير المنقسم لا يمكن إخضاعه لمنطق العدّ، إذ لا توجد أجزاء أو عناصر منفصلة يمكن عدّها.

هذا التمايز في الأقانيم الثلاثة لا يعني تعددًا في الجوهر الإلهي، بل يُظهر وحدة الذات الإلهية في كمالها. فالعدد هنا ليس عدداً بالمعنى الحسابي، بل لغة بشرية أو تعبير بشري يعكس حقيقة سرّية تفوق الإدراك العقلي. وهذا ما يعبر عنه اللاهوت المسيحي حينما يؤكد أن التثليث هو تعبير عن الكينونة الإلهية الواحدة، حيث التمايز بين الأقانيم هو تمايز في العلاقة والأدوار، وليس في الجوهر أو الطبيعة.

بهذا الشكل، يبقى مفهوم الثالوث تعبيرًا عن سرّ إلهي عميق يتجاوز كل المفاهيم البشرية المادية، حيث تُظهر العقيدة المسيحية أن الله واحد في الجوهر، وثالوث في الأقانيم، دون تعدد أو تقسيم أو تجزئة.

ليكون للبركة

Patricia Michael