لفائف كتف هنوم (Ketef Hinnom Scrolls) شاهد أثري على قِدَم البركة الكهنوتية من سفر العدد
Patricia Michael
كتف هنوم (Ketef Hinnom) هو اسم يُطلق على منطقة أثرية تقع إلى الجنوب الغربي من البلدة القديمة في القدس، وتحديدًا بالقرب من وادي هنوم، وهو وادٍ مشهور في التاريخ القديم والدراسات الكتابية. وكلمة "كتف" هنا تعني "المنحدر" أو "الجرف"، أي أن التسمية تعني حرفيًا "منحدر وادي هنوم" أو "جرف هنوم".
الخلفية الجغرافية والتاريخية:
وادي هنوم (Gehenna) كان معروفًا في العصور القديمة كموقع خارج أسوار أورشليم، ارتبط بعبادات كنعانية منحرفة تضمنت تقديم الأطفال ذبائح للإله مولك، كما تشير بعض النصوص الكتابية (مثل إرميا 7 : 31 ).
"وَبَنَوْا مُرْتَفَعَاتِ تُوفَةَ الَّتِي فِي وَادِي ابْنِ هِنُّومَ لِيُحْرِقُوا بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ بِالنَّارِ، الَّذِي لَمْ آمُرْ بِهِ وَلاَ صَعِدَ عَلَى قَلْبِي." (إر 7: 31).
ولهذا السبب، أصبح لاحقًا رمزًا للدينونة والعقاب الأبدي في المصادر اليهودية والمسيحية.
أما كتف هنوم فهو جزء مرتفع أو مائل من ذلك الوادي، وقد وُجدت فيه مقابر صخرية تعود للعصر الحديدي (القرن السابع قبل الميلاد تقريبًا)، وهو الموقع الذي عثر فيه فريق غبريال بركاي Gabriel Barkay على اللفائف الفضية التي تحتوي على أقدم نصوص كتابية مكتوبة بالعبرية، بما في ذلك البركة الكهنوتية من سفر العدد.
"يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا." (عد 6: 24-26).
هذا نص البركة الذي أعطاه الله لموسى ليعلّمه لهارون وبنيه، لكي يباركوا بها بني إسرائيل. وردت هذه البركة في سفر العدد 6: 24–26، وهي من أقدم وأشهر النصوص الليتورجية في الكتاب المقدس.
أهمية الموقع:
يُعَدّ كتف هنوم من أهم المواقع الأثرية المرتبطة مباشرة بالكتاب المقدس، لأنه يقدم دليلًا ماديًا على أن نصوصًا كتابية كانت معروفة ومستخدمة قبل السبي البابلي، مما يدعم تاريخية بعض أجزاء الكتاب المقدس من الناحية النقدية والتاريخية.
كما أن الموقع يُظهر ممارسات الدفن في مملكة يهوذا في تلك الفترة، مما يعزز فهمنا للعادات الاجتماعية والدينية في العالم التوراتي القديم.
باختصار، كتف هنوم هو موقع أثري على منحدر من وادي هنوم في القدس، يُشتهر بالاكتشافات الأثرية المهمة المرتبطة بالعهد القديم، خصوصًا اللفائف التي تحتوي على نص البركة الكهنوتية.
لفائف كتف هنوم
في عام 1979، كان عالم الآثار الإسرائيلي غابرييل بركاي Gabriel Barkay يُجري حفريات في كهف دفن في منطقة كتف هنوم، الواقعة إلى الجنوب الغربي من أورشليم (القدس). كان القبر نموذجًا تقليديًا لاساليب الدفن في أواخر العصر الحديدي (حوالي أواخر القرن السابع قبل الميلاد). كانت عادة الدفن في مملكة يهوذا في ذلك الوقت تتم داخل كهوف منحوتة في الصخر. فعندما يموت الإنسان، كان يُوضَع على مصطبة حجرية داخل القبر، إلى جانب مقتنيات شخصية مثل الأواني أو المجوهرات أو الحلي. وبعد أن يتحلل الجسد، كانت تُجمَع العظام وتُوضَع في صندوق تحت المصطبة.
عندما بدأ الفريق في تنقيب هذا الصندوق، عثروا على لفافتين صغيرتين مصنوعتين من الفضة. ونظرًا لأن اللفافتين كانتا معدنيتين، واجه علماء الآثار صعوبة كبيرة في فتحهما وقراءة ما كُتب عليهما.
بدأوا أولًا باللفافة الأكبر، واستغرق تفكيك لفّها وحده ثلاث سنوات. وعندما تم فتحها بالكامل، بلغ طولها حوالي ثلاث بوصات (7.6 سنتيمترات). وعند اكتمال فتحها، لاحظ الفريق أن سطحها كان مغطى بنقوش دقيقة للغاية. وكانت أول كلمة تمكّنوا من قراءتها هي اسم "يهوه". وبعد جهد كبير، تمكنوا من قراءة نص اللفافة بالكامل، ووجدوا أنها تحتوي على البركة الكهنوتية المذكورة في سفر العدد 6: 24–26 . أما اللفافة الأصغر، فقد احتوت هي الأخرى على نفس البركة الكهنوتية. وقد استغرق فتح وتفكيك رموز اللفافتين وقتًا طويلًا، ولم يتم نشر المادة العلمية المتعلقة بهما حتى عام 1989.
هاتان اللفافتان غير معروفتين نسبيًا، لكن يمكن مشاهدتهما اليوم في متحف إسرائيل في القدس. وهما أقدم الاقتباسات المعروفة لنصوص كتابية بالعبرية، إذ تسبقان أقدم مخطوطات البحر الميت بأكثر من أربعمائة عام، وبالتالي تُعدّ ذات قيمة كبيرة في مجال النقد النصي.
لقد جادل العديد من الباحثين بأن البركة الكهنوتية كُتبت بعد السبي البابلي، وحددوا تاريخها الأقدم في القرن الرابع قبل الميلاد. أما الآن، فقد أصبح لدينا دليل مادي على وجود هذه البركة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد. علاوة على ذلك، فإن اكتشاف لوحتين تحتويان على نفس البركة داخل موقع دفن يؤكد على المكانة البارزة التي كانت تحظى بها البركة الكهنوتية في العبادة اليهودية في مرحلة ما قبل السبي.
الاكتشاف
تم العثور على اللفائف في عام 1979 في الغرفة رقم 25 من الكهف رقم 24 في موقع كتف هنوم، خلال حفريات أشرف عليها عالم الآثار غابرييل بركاي، الذي كان آنذاك أستاذًا في جامعة تل أبيب. بدا الموقع خاليًا من الآثار، إذ كان القبر قد استُخدم آخر مرة لتخزين البنادق في العهد العثماني، لكن اكتشافًا عرضيًا من قبل متطوع يبلغ من العمر 13 عامًا كشف أن انهيارًا جزئيًا للسقف منذ زمن بعيد حافظ على محتويات الغرفة 25.
تشير إعادة بناء الموقع إلى وجود خمس غرف وقاعة مركزية في الكهف 24. كان الكهف يتسع لنحو 22 جثمانًا موضعين على مقاعد، كل منها مزود بمسند رأس من الحجر. تحت ثلاث غرف في الكهف كانت هناك مستودعات، وهي تستخدم للدفن الثانوي، أي أن العظام وبقايا الجثث القديمة تُنقل إلى هذه المستودعات لتوفير مكان لجثة جديدة على المقعد.
كانت الغرف منحوته بدقة بأسطح ملساء باستخدام الكوع الملكي الكوع الملكي (Royal Cubit) كوحدة قياس. أما المستودعات، مثل تلك تحت الغرفة 25، فكانت ذات أسطح خشنة وشكل يشبه الكيس، ولم تكن معدة لتُرى. يشابه كهف كتف هنوم 24 من حيث التصميم والسعة كهف ماميلا 1 و2، إلا أن كهف ماميلا يحتوي على غرف أكثر. لاستيعاب عدد أكبر من الجثث، استخدم كهف كتف هنوم 24 غرفة كبيرة على اليمين تتسع لحوالي 10 أشخاص، في حين أن هذه الغرفة في كهف ماميلا (Mamilla cave ) لم تكن تحتوي على مقاعد، وربما كانت تُستخدم لمعالجة كيميائية للجثث.
أهم المعلومات عن كهف ماميلا Mamilla cave:
يقع في منطقة ماميلا، وهي منطقة غرب البلدة القديمة في القدس، بالقرب من بوابة يافا.
كان الكهف عبارة عن مجموعة من الكهوف التي استخدمت كمقابر جماعية أو عائلية، حيث كانت الجثث توضع داخل الكهوف على مقاعد حجرية، وعندما تتحلل الأجساد، تُجمع العظام في صناديق أو أماكن مخصصة لإفساح المجال لجثث جديدة.
يتكون كهف ماميلا (Mamilla cave ) من عدة كهوف (مثل كهف 1 وكهف 2) وكل كهف يحتوي على غرف متعددة مخصصة للدفن. تتميز الكهوف بأسطح داخلية منحوتة بدقة، مع مقاعد حجرية ومسندات للرأس، وقد عُثر فيها على الكثير من القطع الأثرية مثل الفخار، المجوهرات، الأدوات المعدنية، مما يعكس الحياة الاجتماعية والدينية في القدس القديمة.
الأهمية الأثرية:
كهف ماميلا يقدم دليلاً على ممارسات الدفن في مملكة يهوذا في فترة الهيكل الأول، كما أنه يساعد الباحثين في فهم عادات وطقوس الدفن، بالإضافة إلى التعرف على ظروف الحياة في القدس القديمة من خلال المواد المكتشفة داخل الكهوف.
باختصار، مجمّع كهوف ماميلا هو أحد أبرز مواقع الدفن في القدس القديمة، يعكس تقاليد وممارسات الدفن في العصور القديمة، ويسهم في الربط بين الشواهد الكتابية والمعطيات الأثرية
محتويات المستودع
احتوى المستودع تحت الغرفة 25 على حوالي 60 سم من التراب، وتضمّن أكثر من ألف قطعة: أواني فخارية صغيرة، أدوات من الحديد والبرونز (مثل رؤوس السهام)، إبر ودبابيس، أدوات من العظم والعاج، زجاجات صغيرة، ومجوهرات بما في ذلك أقراط من الذهب والفضة. بالإضافة إلى ذلك، عثر الباحثون على لفافتين فضيتين صغيرتين، يُشار إليهما لاحقًا بـ KH1 وKH2. استخدم القبر لعدة أجيال بدءًا من حوالي 650 قبل الميلاد، أي نحو نهاية فترة الهيكل الأول، واستمر في الاستخدام بعد تدمير القدس في 587/6 قبل الميلاد.
وُجد KH1 في المربع D، وسط المستودع، على ارتفاع 7 سم فوق الأرض، بينما وُجد KH2 أثناء غربلة التراب من النصف السفلي للترسبات في المربع A، وهو الجزء الأعمق في المستودع. كانت كل من اللفافتين معزولة عن القطع الهلنستية بمسافة 3 أمتار من الطول و25 سم من العمق، ومدفونة بين الفخار ومواد أخرى تعود إلى القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.
تأريخ النقوش
حدد بركاي في البداية تاريخ النقوش بين أواخر القرن السابع وبداية القرن السادس قبل الميلاد، ثم عدّل هذا التاريخ إلى أوائل القرن السادس اعتمادًا على تحليل الخطوط المنقوشة بدقة بالخط العبري القديم، بالإضافة إلى الأدلة على الفخار الموجود في محيط الاكتشاف. لكن هذا التأريخ تعرض للنقد من قبل يوهانس رينز وولفغانغ روليج Johannes Renz and Wolfgang Rollig ، اللذين قالا إن حالة الخط متدهورة جدًا ولا تسمح بتأريخ مؤكد، وأن احتمال أن تكون من القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد لا يمكن استبعاده، خصوصًا وأن المستودع كان يُستخدم كنوع من "سلة النفايات" على مدى قرون، واحتوى على مواد تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد.
إعادة الفحص الحديثة
بسبب هذا الجدل، أُجريت دراسة جديدة شاملة على اللفائف بواسطة مشروع بحوث لغات سامية غربية بجامعة جنوب كاليفورنيا، باستخدام تقنيات تصوير متقدمة وبرمجيات لتحسين الصور مكنتهم من قراءة النصوص بسهولة أكبر وتحديد تأريخ الخط بدقة أكبر. أكدت النتائج أن تاريخ النقوش يعود مباشرة إلى ما قبل تدمير القدس على يد البابليين في 586/7 قبل الميلاد.
قال كايل ماكارتر Kyle McCarter ، المتخصص في الخطوط السامية القديمة بجامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins University ، إن هذه الدراسة "يجب أن تحسم الجدل حول تاريخ هذه النقوش".
الأهمية الكبرى لتلك اللفائف
وصف فريق عام 2004 اللفائف بأنها "واحدة من أهم الاكتشافات التي أُجريت على الإطلاق" للدراسات الكتابية. إلى جانب أهميتها لفهم تطور الأبجدية العبرية، فإن هذه اللفائف "تحفظ أقدم الاقتباسات المعروفة لنصوص موجودة أيضًا في الكتاب المقدس العبري ...
وفقًا للفريق الذي قاد إعادة الفحص الأكثر حسمًا لللفائف:
"استنادًا إلى تحليلنا وقراءة جديدة لهذه النصوص، يمكننا أن نؤكد بثقة أن الفترة الزمنية المناسبة لهذه القطع الأثرية هي أواخر فترة ما قبل السبي. ويمكننا كذلك إعادة التأكيد على الاستنتاج الذي توصل إليه معظم العلماء: أن النقوش الموجودة على هذه اللفائف تحوي أقدم الاقتباسات المعروفة لنصوص موجودة في الكتاب المقدس العبري، وأنها تزودنا بأقدم الأمثلة على الشهادات الايمانية المتعلقة بيهوه."
ليكون للبركة
Patricia Michael
Barkay, Gabriel. "The Ketef Hinnom Silver Scrolls: A New Edition and Evaluation." Israel Exploration Journal, 2003.
Davila, James R. "The Provenance of the Ketef Hinnom Scrolls and the Reassessment of the Textual Evidence." Journal of Biblical Literature, 2000.
Pitard, Wayne. Ancient Near Eastern Texts Relating to the Old Testament. 2007.
McCarter, Kyle. "Paleo-Hebrew and the Ketef Hinnom Scrolls." Biblical Archaeology Review, 2005.
Tov, Emanuel. Textual Criticism of the Hebrew Bible. 2001.
"Discovery Confirms Early Existence of Priestly Blessing." Haaretz Newspaper, 2004.