الفريسي والعشار: أين تكمن خطورة صلاة الفريسيّ؟ ملاحظتان تفسيريتان لتجنب القراءة الخاطئة للمثل
قبل كل شيء ، دعونا نفهم معنى هاتين الكلمتين بوضوح ـ الفريسي والعشار.
الفريسي: كان عضواً في فئة دينية التي كانت تدرب أعضاءها على التشدد في مفهوم ناموس الله. ولكن اهتمام هؤلاء الفريسيين ينصب بالأكثر على التفاصيل الصغيرة بينما أهملوا اعظم واجبات الحياة. ولأنهم لم يعملوا بما علّموه، اصبحوا معروفين بالمرائين دينياً.
العشّار: كان الرجل الذي يجبي الضرائب للحكومة الرومانية. والعشّار المذكور في الكتاب كان يهودياً، ولان هؤلاء اليهود عملوا لحساب المحتلين الرومان، فكانوا محتقرين من اليهود الآخرين كالخونة. وكان أيضاً معروفاً عنهم انهم يجبون مالاً أكثر مما يحق لهم ليأخذوه لأنفسهم. لهذا كانوا محرومين من النشاطات الدينية كلياً.
على أي حال ، صعد كل من الفريسي والعشار إلى الهيكل ليصليا. ولربما وقف الفريسي في مكان بارز جداً وصلى بصوت عال نسبياً ليسمع الجميع. وما قاله كان كما يلي: "يا الله، أنني فخور لأنني لست مثل كثير من الناس الذين اعرفهم ـ مثل هذا الذليل جابي الضرائب الواقف هناك. أنا لا اسلب الآخرين. أنا لا اعمل لحساب العدو. أنا لا اقترف الزنى. أنا أصوم مرتين في الأسبوع واضع المال بانتظام في صندوق التبرعات. واعرف إنني على ما يرام مع الله".
وجد العشّار مكانا منزوياً لكي لا يُرى من الناس. وشعر بالاستياء من نفسه لدرجه انه لم يجرؤ على النظر فوق إلى الله. بدل ذلك قرع على صدره، لائما نفسه، وصلى، :ارحمني يا الله لأنني إنسان خاطئ".
لقد أوضح يسوع معنى القصة، وقال أن العشّار كان الشخص الذي حصل على الموقف الصحيح أمام الله لأنه تواضع. أما الفريسي فذهب إلى بيته مذنبا كما كان من قبل، لأنه نفخ ذاته أمام الله.
طريقتان للمثول أمام الله
كانت صلاة الفريسي كلها عن نفسه. ولقد استعمل الصيغة الشخصية "أنا" خمس مرات. حقاً كان أنانياً متخصصاً في ال "أنا". لقد تبجح بخصوص ما عمله وما لم يعمله. لقد صام مرتين في الأسبوع مع أن الناموس طلب الصيام مرة في السنة (لاويين 29:16، لاويين 27:23، لاويين 29:23؛ سفر العدد 7:29). لقد اعطى العُشر من كل مدخولاته، مع أن الناموس طلب فقط عشر المحصول الزراعي، النبيذ، الزيت والماشية (سفر التثنية 22:14-23).
صلاة العشّار كانت متواضعة. لقد وقف من بعيد كما لو كان نجساً وبالتالي ليس أهلاً للاقتراب إلى الله. وبضربه على صدره كان يُرى انه يذلل نفسه، لم يرى نفسه وكأنه على ما يرام مع الله.
لقد قارن الفريسي نفسه مع الآخرين: "لست كالناس الآخرين ... أو حتى هذا العشّار." عندما نفعل ذلك ننجح دائما في إيجاد من هم أسوأ منا حالاً.
العشّار قارن نفسه مع معيار الله، أي الناموس، وأدرك كم كان مذنباً وغير صالح. الوصايا العشر مثل الخط المستقيم. وفقط عندما نضع أنفسنا بجانب الخط المستقيم ندرك كم نحن معوجّون.
دعونا ننظر إلى هذين الرجلين وصلاتيهما لنرى أياً منهما نحن نشبه.
يعد مثل الفريسي والعشار في لوقا ٩:١٨-١٤ أحد أكثر أمثال السيد المسيح استخدامًا لشرح خطورة البر الذاتي. ولكون المثل شائع الاستخدام في اجتماعاتنا الكنسية، مصحوبًا بشروحات وأمثلة من واقع الحياة، بل وآيات كتابية مقتبسة من أسفار كتابية أخرى، لاسيما رسالة رومية باعتبارها رسالة التبرير بامتياز.
لذلك، فإن الأمر يتطلب من جانبنا التدقيق، حتى لا نحمل المثل ما لا يحتمل. خاصةً في توصيفنا لخطورة “البر الذاتي”، تلك العبارة التي توضح سبب استخدام الرب لهذا المثل بحسب لوقا في قوله عن السيد المسيح: “وَقَالَ لِقَوْمٍ وَٱثِقِينَ بِأَنـْفُسِهِمْ أَنـَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ ٱلْآخَرِينَ هَذَا ٱلْمَثَلَ” (لوقا٩:١٨).
أما في ختام المثل، فقد عاد الرب نفسه وأوضح كيف عكست صلاة الفريسي كبرياءه: “أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ.” (لوقا١٤:١٨).
إذًا، مدخل المثل ببساطة يوضح موضوعه: “البر الذاتي”، قصة المثل ذاتها تكشف ما في قلب “الفريسي” وهو يقترب إلى الله مصليًا على النقيض من صلاة العشار. أما خاتمة المثل فتوضح النتيجة المرعبة لصلاة كليهما: العشار نزل إلى بيته مبررًا دون الفريسي (المُدان).
ملاحظتان تفسيريتان لتجنب القراءة الخاطئة للمثل
القصة غير مكتملة. ما نقرأه في المثل ليس القصة الكاملة، وليس شرحًا عقائديًا وافيًا لعقيدة التبرير في المُطلق…لا حديث مثلًا عن أساس تبريرنا أمام الله (القبول أمام الله) بنعمته وعلى أساس الفداء الذي قدمه بحياته البارة وموته الكفاري وقيامته المُحيية.”مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِـٱلْفِدَاءِ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي قَدَّمَهُ ٱللّٰهُ كَفَّارَةً بِـٱلإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ ٱلصَّفْحِ عَنِ ٱلْخَطَايَا ٱلسَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ ٱللّٰهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي ٱلزَّمَانِ ٱلْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلْإِيمَانِ بِيَسُوعَ.” (رومية ٢٤:٣-٢٦).
المثل يتحدث عن “ لقَوْمٍ وَٱثِقِينَ بِأَنـْفُسِهِمْ أَنـَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ ٱلْآخَرِينَ” (لوقا٩:١٨) ليحدد مصدر ثقتنا أمام الله كمؤمنين واقفين أمامه في الصلاة. لاحظ كيف يأتي المثل مباشرة بعد مثل الأرملة وقاضي الظلم عن ضرورة الصلاة كل حين دون ملل. فعلينا:
– أن نقرأ المثل ضمن رسالة الإنجيل كله. كأي قصة شفاء أو تعليم في أي إنجيل.
– لا نضع تفاصيل لم يكملها المثل، كالكيفية التي أكمل العشار بها حياته مثلًا.
أما عن طبيعة البر الذاتي للفريسي. فمن الضرورة بمكان مراعاة ما يلي:
بكلمات السيد المسيح: كان الفريسي: أولًا “يثق في نفسه أنه بار.” وثانيًا: “يحتقر الآخرين.”
الطريق الصحيح والطريق الخاطئ
طبيعة بر الفريسي
كان بره دينيًا. بر طقسي. فهو يصوم مرتين في الأسبوع ويعشر كل ما يقتنيه.
وكان بره أخلاقيًا أيضًا: ليس مثل الخاطفين الظالمين الزناة. الحقيقة أنه لا يوجد أدني إشارة في حديثه الذاتي تشير لحياة مزدوجة كما يحلو للبعض أن يتصوره باعتباره مدعي للفضيلة في العلن، وفاجر في السر.
والأهم من كل ذلك، فقد كان مقتنعاً تماماً أن بره هذا هو بشكل ما هبة من الله! نعم، ما قرأته للتو صحيح أيها القارئ. يتضح ذلك من أولى كلمات ترج فيها المثل لسان حاله: “اللهم أنا أشكرك…” (ع١١) لا يشكر الإنسان الله عادةً إلا على شيء تقبله منه بالكامل أو مكنه الله منه بقوته، حتى وإن اجتهد هو بقوته ليستثمره وينميه. بعبارة أخرى، ليس الفريسي شخصًا يعتقد أنه يستطيع جعل نفسه صالحًا بدون مساعدة الله. هو يعرف أنه يحتاج معونة من الله، لذلك يشكره.
مرة أخرى، أين تكمن المشكلة؟
لا تكمن المشكلة فيما إذا كان الإنسان قد أنتج البر الذي لديه أم أن الله قد أنتجه. المشكلة هي أنه يثق في قدرته على استثمار هذا البر، والذي منحه الله إياه، على عكس الآخرين الذين احتقرهم كالخاطفين الظالمين والزناة، وكالعشار (ع١١).
لكن الإشكالية الكبرى هي في ثقته في ذاته باعتباره قادر على استثمار نعمة الله والاجتهاد في أعمال صالحة. يتضح ذلك تمامًا من مركز صلاته. اللهم أشكرك “أني.” كان صلاحه وبره هو موضوع صلاته، حتى وهو يشكر الله على منحه هذا الصلاح أو مساعدته على تحقيقه. لذلك كان محتقرًا للآخرين: “وقال لقَوْمٍ وَٱثِقِينَ بِأَنـْفُسِهِمْ أَنـَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ ٱلْآخَرِينَ” (لوقا٩:١٨).
في النهاية اهتم ببره هو، تطلع إلى بره هو – ليس لأنه مصدره بقوته البشرية، لكن لأنه في أخلاقياته وأعماله رأى نفسه أفضل من الآخرين فاحتقرهم. وانتهى به الأمر مدانًا من الله، حتى وهو يصلي!
المؤمن الحقيقي المتكل على الله كونه مصدر البر ومُكمله لا يمكن أن يرى الأفضلية في ذاته ويركز صلاته حولها.
مثل العشار هذا النوع من البشر. لم يتطرق العشار للأخرين مقارنًا ذاته بهم. عينه كانت مرتكزةً بالكامل على الله ورحمته، فنزل بيته مبررًا.
في النهاية نقول
الإيمان الذي يتبرر به الإنسان ويحيا وينمو في النعمة، هو إيمان دائمًا ما ينظر لله باتضاع في الصلاة – لا الذات وقدرتها على استثمار نعم الله. الإيمان الخلاصي لا ينظر للذات باعتبارها المركز أو مصدر الثقة والاقتراب لله، حتى لو كان ما بداخلنا هبة من الله. الإيمان الحقيقي إيمان متضع لا يقارن نفسه بالآخرين ليحكم من هو الأفضل ومن الأسوأ. بدلًا من ذلك، فإن الإيمان هو التطلع نحو الله والثقة فيه ورؤية الذات في عيونه، الأمر الذي يقود حتمًا لقرع الصدر طلبًا للرحمة ليخرج المؤمن من محضر الله مبررًا.