قراءة في كتاب(?Is Christianity Logical) للكاتب ديف ميلير/ Dave Mille

Patricia Michael

يُثار كثيرًا التساؤل عمّا إذا كان الإيمان المسيحي قائمًا على المنطق والعقل، أم أنه مجرد استسلام لعاطفة دينية . وفي هذا السياق، يقدم الكاتب الأمريكي ديف ميلر (Dave Miller)، في كتابه (? Is Christianity Logical )، طرحًا دفاعيًا يهدف إلى إظهار أن المسيحية ليست فقط منسجمة مع العقل، بل هي في جوهرها عقلانية ومنطقية. يؤكد ميلر أن الله خلق الإنسان على صورته، بما في ذلك العقل، وأنه بالتالي يتوقع منه أن يستخدم هذا العقل في المسائل الروحية والأخلاقية. ومن هذا المنطلق، يعالج الكاتب علاقة الخلاص المسيحي بالمنطق والعدالة الإلهية.

يرى ميلر أن "المنطق" يعني التفكير السليم، بينما "اللاعقلانية" تعني الانخراط في استدلال خاطئ. وبما أن الله روح وقد خلق الإنسان على صورته، فقد صُمم العقل البشري ليعمل بطريقة عقلانية. لهذا، يؤكد أن الله كائن منطقي لا تحكمه الانفعالات، بل يتصرف وفق العدل والحق. حتى الغضب الإلهي يُفهم عنده باعتباره قضائيًا لا عاطفيًا. ومن ثمّ، فإن الخلاص المسيحي لا يقوم على مشاعر الله، بل على منطقه وعدله. أما مجيء المسيح، فعلى الرغم من كونه فعل محبة ورحمة، إلا أن هذه المحبة (أغابي) ليست عاطفة وجدانية، بل فعل إرادي، وكان في الوقت ذاته النتيجة المنطقية التي اقتضاها عدل الله.

"يقول ديف ميلير Dave Mille في كتابه: يشير مصطلح "المنطق" إلى التفكير السليم لا أكثر. فالإنسان يكون منطقيًا عندما يستعمل عقله على نحو صحيح، بينما يكون "غير منطقي" عندما ينخرط في استدلال خاطئ. وبما أن الله روح (يوحنا 4 : 24)، وقد خلق العقل البشري على صورته (تكوين 1 : 26)، فقد صُمِّم الإنسان ليعمل بطريقة عقلانية. والحق أن الله يتصرف ككائن منطقي لا ككائن تحكمه الانفعالات. (حتى غضبه هو قضائي ، وليس عاطفي ). إن خلاصنا لا يقوم على مشاعر الله أو يتوقف عليها، بل على منطقه وعدله. صحيح أن مجيء المسيح كان فعل محبة ورحمة (إذ إن المحبة الإلهية ليست شعورًا وجدانيًا، بل فعل إرادة)، لكنه كان في جوهره النتيجة المنطقية المترتبة على عدله".

ويواصل ميلير مؤكداً : إن جميع الأديان والفلسفات والأيديولوجيات الباطلة متجذّرة في العاطفة، وتحمل في بنيتها مغالطات منطقية. ويقرّر "قانون العقلانية" الآتي: لا تستخلص سوى الاستنتاجات التي يبرّرها الدليل. وقد صاغ المُفكّر ليونيل روبي (Lionel Ruby) هذا المبدأ بقوله: «ينبغي لنا أن نبرّر استنتاجاتنا بأدلة كافية». وبما أن الله كائن عقلاني في جوهره، فإنه يتوقّع من جميع الناس، متى بلغوا النضج العقلي، أن يسلكوا بطريقة عقلانية في القضايا المتعلقة بمصيرهم الأبدي، أي في الأمور الدينية والروحية والأخلاقية.

ويضيف ان خلال خدمته على الأرض، أظهر يسوع منطقًا راسخًا وفكرًا ثاقبًا في تعامله مع البشر.، وهو يطالب أتباعه بأن يسلكوا النهج ذاته. وفي جوهر الأمر، لخّص الرسول بولس هذا القانون في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي بقوله: "امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ." (1 تس 5: 21).

وعليه، يُطرح السؤال: هل يعكس الكتاب المقدس انسجامًا مع قوانين الفكر والمنطق؟ وهل استخدم يسوع وبولس، وغيرهما من المتكلّمين والكتّاب الملهمين، منهج الاثبات والاستدلال المنطقي وإثبات الأطروحات والانخراط في خطاب عقلاني رصين؟ إن الواقع يبرهن أن الذين اختارهم الله (من أنبياء ورسُل وكتّاب للوحي) لنقل مشيئته إلى العالم، قد قدّموا إعلانهم الإلهي دومًا بدقّة منطقية. لم يقعوا في أي خطأ منطقي، بل قدّموا قضية المسيحية بدقة وبمنهج عقلاني—وهو ما يُتوقَّع تمامًا ممن استُرشدوا بالعقل الإلهي الكامل. بل إن يسوع نفسه كان التجسيد الأسمى لذلك العقل الإلهي.

في هذه الفقرة، يريد الكاتب أن يضع أساسًا لطرح دفاعي، مفاده أن:

1- المنطق = التفكير السليم، وبالتالي ليس شيئًا معقدًا أو فلسفيًا بعيدًا، بل ببساطة استخدام العقل على نحوٍ صحيح.

2- بما أن الله روح، وخلق الإنسان على صورته، فهذا يعني أن العقل البشري صُمّم ليعمل بطريقة عقلانية. أي أن التفكير المنطقي ليس مجرد أداة بشرية، بل هو انعكاس لصورة الله في الإنسان.

3- الله نفسه يُقدَّم هنا كـ كائن منطقي لا تحكمه العاطفة. حتى الغضب الإلهي – الذي قد يُفهم عادة في اطار عاطفي انفعالي – يراه الكاتب كغضب قضائي قائم على عدل الله، لا على انفعال.

4- لذلك، الخلاص المسيحي ليس وليد مشاعر الله أو انفعالاته، بل هو ثمرة منطقه وعدله.

5- مجيء المسيح يُوصف من ناحية بأنه فعل محبة ورحمة (لكن ليس بمعنى عاطفة وجدانية)، بل كـ فعل إرادي واعٍ، وفي الوقت نفسه هو النتيجة المنطقية التي يقتضيها عدل الله .

بمعنى آخر:

من المهم أن نلاحظ أن ربط الخلاص المسيحي بالمنطق والعدل الإلهي لا يلغي البعد الروحي والوجداني للإيمان بل يضعه في اطاره الصحيح ويعيد ترتيب الأولويات: فالعاطفة تنبع من إدراك الحقائق العقلية التي يعلنها الله، لا العكس. أي أن المسيحية لا تطلب من الإنسان إلغاء عقله من أجل أن يؤمن، بل تحثّه أن يستخدم عقله استخدامًا صحيحًا سليماً ، فيصل من خلاله إلى الإيمان الحق.

وبهذا الطرح، يريد ميلر أن يبيّن أن الإيمان المسيحي لا يقف على النقيض من الفلسفة أو العقل، بل يقدّم النموذج الأسمى للتفكير المنطقي المتسق. فبينما تنهار الفلسفات والديانات الباطلة لأنها متجذّرة في الانفعال وتحمل مغالطات منطقية، يبقى الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس متماسكًا، لأنه صادر عن عقل الله الكامل. وهنا تكمن قوة الدفاع المسيحي: فهو ليس مجرد استناد إلى تقليد أو تراث ديني، بل على برهنة عقلانية تُظهر أن الإيمان بالمسيح هو الاستجابة الأكثر منطقية وواقعية لحقيقة الله والوجود.

ليكون للبركة

Patricia Michael