من آسيا الصغرى الرومانية إلى تركيا الحديثة: التحولات التاريخية للأناضول من زمن بولس الرسول إلى العصر العثماني

بحث ودراسة : Patricia Michael

مقدمة

تُعدّ آسيا الصغرى، المعروفة اليوم باسم الأناضول، واحدة من أكثر المناطق أهمية في تاريخ العالم القديم، فهي تقع في موقع جغرافي فريد يصل بين قارة آسيا وأوروبا، وتطل على طرق التجارة القديمة التي ربطت الشرق بالغرب. ولذلك كانت عبر التاريخ موضع صراع بين إمبراطوريات كبرى مثل الحيثيين والفرس واليونان والرومان والبيزنطيين والعثمانيين. إن دراسة تاريخ هذه المنطقة تكشف كيف يمكن لأرض واحدة أن تتغير هويتها السياسية والثقافية والدينية عبر قرون طويلة.

فالأناضول التي تُعرف اليوم بأنها قلب الجمهورية التركية لم تكن دائمًا ذات هوية تركية؛ ففي القرن الأول الميلادي، زمن الرسول بولس، كانت آسيا الصغرى جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، وكانت من أهم مراكز الحضارة اليونانية الرومانية، كما كانت منطلقًا رئيسيًا لانتشار المسيحية الأولى. وبعد قرون أصبحت قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي عُرفت لاحقًا بالإمبراطورية البيزنطية، ثم دخلت في مرحلة جديدة بعد وصول الأتراك السلاجقة ثم قيام الدولة العثمانية، حتى ظهرت الدولة التركية الحديثة في القرن العشرين.

آسيا الصغرى في العصر الروماني وزمن الرسول بولس

في القرن الأول الميلادي، زمن الرسول بولس وانتشار المسيحية الأولى، لم تكن هناك دولة تُعرف باسم تركيا، ولم يكن الأتراك قد وصلوا بعد إلى منطقة الأناضول. كانت المنطقة تُعرف في المصادر القديمة باسم آسيا الصغرى ، وكانت جزءًا أساسيًا من الإمبراطورية الرومانية التي أصبحت القوة السياسية والعسكرية الأكبر في العالم القديم. وقد مثّلت هذه المنطقة نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين الحضارات القديمة المختلفة، ولذلك لعبت دورًا مهمًا في التاريخ الديني والثقافي للقرن الأول الميلادي.

بدأ النفوذ الروماني في آسيا الصغرى بشكل تدريجي. كان الحدث الحاسم هو انتقال مملكة برغامس إلى روما سنة 133 ق.م بعد وفاة الملك أتالوس الثالث، الذي أوصى بمملكته للرومان. ومن هذه المنطقة بدأت روما في توسيع سيطرتها السياسية والإدارية، حتى تحولت معظم أراضي آسيا الصغرى إلى ولايات رومانية مثل ولاية آسيا الرومانية، وبنثس، وغلاطية، وكيليكيا وغيرها. ومع حلول القرن الأول الميلادي كانت روما تفرض نظامها السياسي والقانوني على المنطقة، وتتحكم في طرق التجارة والموانئ والجيش والإدارة.

لكن السيطرة الرومانية لم تعنِ اختفاء الحضارات السابقة، لأن آسيا الصغرى كانت قد تأثرت قبل ذلك بقرون طويلة بالحضارة اليونانية. فمنذ فتوحات الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، انتشرت اللغة والثقافة اليونانية في مدن كثيرة من الشرق، وأصبحت المدن الكبرى في الأناضول تحمل طابعًا يونانيًا واضحًا من حيث اللغة والتعليم والفلسفة والفنون. لذلك كانت المنطقة في زمن بولس تحمل مزيجًا فريدًا: نظام سياسي روماني، وثقافة يونانية، وتقاليد دينية محلية قديمة.

ولهذا كانت مدن مثل أفسس وسميرنا وبرغامس وميليتس من أعظم مدن العالم القديم. فقد كانت أفسس مثلًا مدينة ضخمة ذات أهمية تجارية كبيرة، تقع بالقرب من الساحل الغربي لآسيا الصغرى، وتمتلك ميناءً نشطًا جعلها مركزًا للتجارة بين الشرق والغرب. كما اشتهرت بوجود معبد أرتميس، أحد عجائب العالم القديم، مما جعلها مركزًا دينيًا وثقافيًا بارزًا.

أما برغامس فكانت مركزًا فكريًا مهمًا، واشتهرت بمكتبتها الكبيرة التي نافست مكتبة الإسكندرية، كما كانت مقرًا إداريًا وسياسيًا مهمًا في العصر الروماني. وفي هذه المدن لم يكن الناس يعيشون داخل بيئة يهودية فقط، بل في عالم متعدد الثقافات والأديان، يضم آلهة يونانية ورومانية وديانات شرقية مختلفة، بالإضافة إلى وجود جماعات يهودية منتشرة في عدد من المدن الكبرى.

هذا التنوع الثقافي والديني يفسر نجاح انتشار المسيحية في آسيا الصغرى. فقد كانت هناك شبكة واسعة من الطرق الرومانية التي ربطت المدن ببعضها، وكانت السفن التجارية تتحرك باستمرار بين الموانئ، مما سمح بانتقال الأشخاص والأفكار بسرعة. وعندما وصل الرسول بولس إلى هذه المناطق، لم يدخل إلى مجتمعات معزولة، بل إلى عالم حضري مفتوح تتداخل فيه الشعوب واللغات والأفكار.

ومن أهم العوامل التي ساعدت على انتشار رسالة بولس أن اللغة اليونانية كانت اللغة المشتركة في شرق الإمبراطورية الرومانية. فرغم أن روما كانت القوة الحاكمة، فإن اللاتينية لم تكن اللغة اليومية الأساسية في معظم مدن الشرق. كانت اليونانية لغة الإدارة المحلية، والتعليم، والتجارة، والنقاش الفكري. لذلك كُتبت أسفار العهد الجديد باللغة اليونانية، واستطاع بولس أن يخاطب جمهورًا واسعًا من اليهود واليونانيين والرومان والأمم بلغتهم الثقافية المشتركة.

كما أن النظام الروماني نفسه، رغم صراعاته مع المسيحية لاحقًا، ساهم في تسهيل انتشارها في بداياتها. فقد وفّرت الإمبراطورية قدرًا من الاستقرار الأمني، وأقامت شبكة طرق جعلت السفر أكثر سهولة، وهذا ما استفاد منه بولس في رحلاته التبشيرية بين المدن. فكان ينتقل من أنطاكية إلى غلاطية ثم إلى أفسس وترواس وغيرها، مؤسسًا جماعات مسيحية مرتبطة ببعضها.

وكانت آسيا الصغرى منطقة مهمة أيضًا بسبب وجود تجمعات يهودية في المدن الكبرى. فقد كان بولس غالبًا يبدأ تبشيره من المجامع اليهودية، حيث يناقش النصوص المقدسة مع اليهود، ثم ينتقل برسالته إلى الأمم الذين كانوا يترددون على هذه المجامع أو يتأثرون بالرسالة التي كان يعلنها بولس الرسول عن السيد المسيح. ومن هنا نشأت الجماعات المسيحية الأولى التي جمعت بين خلفيات يهودية وأممية.

لذلك فإن فهم انتشار المسيحية في آسيا الصغرى يحتاج إلى فهم طبيعة المنطقة نفسها: فهي لم تكن أرضًا فارغة، بل كانت ملتقى حضارات؛ رومانية من الناحية السياسية، يونانية من الناحية الثقافية، ومتنوعة دينيًا واجتماعيًا. وهذا هو السبب الذي جعل الأناضول القديمة تصبح واحدة من أهم المراحل في انتقال المسيحية من حركة صغيرة في فلسطين إلى حركة دينية انتشرت في أنحاء العالم الروماني.

بولس الرسول وانتشار المسيحية في آسيا الصغرى

احتلت آسيا الصغرى (الأناضول القديمة) مكانة مركزية في تاريخ انتشار المسيحية الأولى، فلم تكن مجرد منطقة مرّ بها الرسول بولس في رحلاته التبشيرية، بل أصبحت واحدة من أهم المراكز التي انتقلت من خلالها المسيحية من نطاقها الأول في فلسطين إلى العالم الروماني الأوسع. فقد تميزت المنطقة بموقع جغرافي استراتيجي يربط بين الشرق والغرب، وكانت تضم مدنًا كبرى مزدهرة اقتصاديًا وثقافيًا، وتخترقها طرق التجارة الرئيسية، مما جعلها بيئة مناسبة لانتشار الأفكار الدينية والفكرية الجديدة.

اعتمد بولس الرسول في نشاطه التبشيري على الوصول إلى المدن الكبرى، حيث كانت هذه المدن مراكز للتجارة والإدارة والثقافة، ومن خلالها يمكن أن تنتقل الرسالة إلى المناطق المحيطة. لذلك نجد أن رحلاته في آسيا الصغرى لم تكن عشوائية، بل ركزت على مدن لها تأثير واسع، فكان يؤسس جماعات مسيحية محلية، ويقيم قادة مسؤولين عنها، ثم يحافظ على التواصل معها من خلال الرسائل والتعليم.

بدأ ارتباط بولس بآسيا الصغرى خلال رحلته التبشيرية الأولى، حيث زار مدنًا مهمة مثل أنطاكية بيسيدية وإيقونية ولسترة ودربة. ففي أنطاكية بيسيدية أعلن بولس رسالته داخل المجمع اليهودي، ثم امتد تبشيره إلى عدد كبير من الأمم، مما أدى إلى ظهور جماعات مسيحية جديدة. أما في إيقونية فقد استمر في التعليم وتأسيس جماعة مؤمنة رغم المعارضة التي واجهها. وفي لسترة ارتبط اسمه بتيموثاوس الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز معاونيه، مما يدل على أن هذه المدن لم تكن مجرد محطات مؤقتة، بل أصبحت مراكز خرج منها قادة وشخصيات مؤثرة في الكنيسة الأولى.

وكانت منطقة غلاطية من أهم المناطق التي ارتبطت بخدمة بولس. فقد تأسست فيها عدة جماعات مسيحية، ثم أصبحت محورًا لأحد أهم النقاشات اللاهوتية في القرن الأول: هل يجب على الأمم الذين يؤمنون بالمسيح أن يلتزموا بكل متطلبات الشريعة اليهودية، أم أن الإيمان بالمسيح هو أساس الانضمام إلى جماعة المؤمنين؟ وقد انعكس هذا الصراع في رسالة بولس إلى أهل غلاطية، التي تكشف جانبًا مهمًا من تطور الفكر المسيحي المبكر، وعلاقة الكنيسة الناشئة بخلفيتها اليهودية.

أما مدينة أفسس فكانت المحطة الأهم في نشاط بولس داخل آسيا الصغرى. فقد كانت أفسس واحدة من أعظم مدن الإمبراطورية الرومانية في الشرق، ومركزًا تجاريًا وثقافيًا ودينيًا بارزًا، واشتهرت بوجود معبد أرتميس، أحد عجائب العالم القديم. أقام بولس فيها فترة طويلة، ويذكر سفر أعمال الرسل أن تعاليمه انتشرت بقوة في المدينة والمناطق المحيطة بها. ولم يكن انتشار المسيحية في أفسس مجرد تحول ديني، بل كان له تأثير اجتماعي واقتصادي، إذ أثار قلق بعض أصحاب المصالح المرتبطة بعبادة أرتميس وصناعة التماثيل الدينية.

ومن أفسس امتد تأثير المسيحية إلى مناطق واسعة من آسيا الصغرى، وأصبحت الكنيسة هناك من أهم الكنائس في التاريخ المسيحي المبكر. وترتبط هذه المنطقة أيضًا بعدد من الرسائل التي أصبحت جزءًا من العهد الجديد، مثل رسالة غلاطية ورسالة أفسس ورسالة كولوسي، والتي تعكس قضايا الإيمان والهوية المسيحية ووحدة الكنيسة وانتشارها بين اليهود والأمم.

كما لعبت مدينة ترواس دورًا مهمًا في توسع الحركة المسيحية، لأنها كانت نقطة عبور بين آسيا الصغرى وأوروبا. ومن خلالها انتقلت رسالة بولس إلى مقدونيا واليونان، مما جعل آسيا الصغرى حلقة وصل أساسية في انتقال المسيحية من الشرق إلى الغرب.

وبعد عصر بولس استمرت أهمية آسيا الصغرى في التاريخ المسيحي، فأصبحت موطنًا لكنائس قوية ومراكز لاهوتية مؤثرة، وظهرت فيها كنائس الرسائل السبع المذكورة في سفر الرؤيا: أفسس وسميرنا وبرغامس وثياتيرا وساردس وفيلادلفيا ولاودكية. ولهذا يمكن القول إن الأناضول القديمة لم تكن مجرد منطقة من مناطق تبشير بولس، بل كانت أحد الميادين الرئيسية التي تشكلت فيها هوية المسيحية الأولى وانتقلت منها من حركة محلية إلى ديانة عالمية داخل الإمبراطورية الرومانية.

الإمبراطورية الرومانية وتحول مركز القوة إلى الشرق

كانت الإمبراطورية الرومانية في القرون الأولى للميلاد دولة واسعة جدًا امتدت من بريطانيا غربًا إلى بلاد الرافدين شرقًا، ومن شمال أفريقيا جنوبًا إلى أوروبا الشمالية. هذا الاتساع جعل إدارة الإمبراطورية أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا مع اختلاف الشعوب واللغات داخلها.

مع مرور الوقت بدأ الشرق يزداد أهمية بسبب موقعه الاقتصادي والعسكري. ولذلك أسس الإمبراطور قسطنطين الكبير مدينة القسطنطينية سنة 330م على موقع مدينة بيزنطة القديمة، وجعلها عاصمة جديدة للإمبراطورية. كان اختيار الموقع مهمًا جدًا لأنها تقع بالقرب من آسيا الصغرى وتشرف على طرق بحرية وتجارية رئيسية.

في سنة 395م، بعد وفاة الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، حدث الانقسام النهائي للإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: الإمبراطورية الرومانية الغربية وعاصمتها روما، والإمبراطورية الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية.

سقط القسم الغربي سنة 476م نتيجة الغزوات والاضطرابات الداخلية، بينما استمرت الإمبراطورية الشرقية قرابة ألف عام أخرى.

الإمبراطورية البيزنطية: استمرار روما في الشرق

الإمبراطورية التي نسميها اليوم "البيزنطية" لم تكن في نظر سكانها دولة جديدة، بل كانوا يعتبرون أنفسهم استمرارًا للإمبراطورية الرومانية. كانوا يطلقون على أنفسهم اسم "الرومان"، ولم يستخدموا اسم "البيزنطيين". تسمية "بيزنطة" ظهرت لاحقًا عند المؤرخين للتمييز بين الإمبراطورية الشرقية وروما القديمة.

لكن مع مرور القرون تغيرت طبيعة هذه الإمبراطورية. فقد أصبحت اللغة اليونانية اللغة الأساسية، وتراجعت اللاتينية تدريجيًا. كما أصبحت المسيحية العنصر الأساسي في هوية الدولة والمجتمع.

ولهذا أصبحت الإمبراطورية البيزنطية مزيجًا فريدًا: فهي رومانية من حيث الأصل السياسي والقانوني، يونانية من حيث اللغة والثقافة، ومسيحية من حيث الهوية الدينية.

آسيا الصغرى كمركز للمسيحية الشرقية

خلال العصر البيزنطي أصبحت آسيا الصغرى قلب العالم المسيحي الشرقي. كانت مدنها موطنًا للكنائس والمدارس اللاهوتية، وحدثت فيها تطورات مهمة في تاريخ العقيدة المسيحية.

انعقدت في هذه المنطقة مجامع كنسية كبرى، مثل مجمع نيقية سنة 325م الذي ناقش قضايا عقائدية أساسية، ومجمع خلقيدونية سنة 451م الذي كان له تأثير كبير على تاريخ الكنائس الشرقية.

كما أصبحت القسطنطينية مركزًا دينيًا ينافس روما، وظهر ما عُرف لاحقًا بالتراث المسيحي الأرثوذكسي الشرقي.

وصول الأتراك السلاجقة (القرن 11م) الى الاناضول

ظل الأناضول مركزًا بيزنطيًا مسيحيًا حتى القرن الحادي عشر، عندما بدأت مرحلة جديدة مع توسع الأتراك السلاجقة.

في سنة 1071م وقعت معركة ملاذكرد بين الإمبراطورية البيزنطية والسلاجقة الأتراك، وانتهت بهزيمة البيزنطيين. لم تؤدِّ هذه المعركة إلى سقوط الأناضول فورًا، لكنها فتحت الطريق أمام استقرار القبائل التركية في المنطقة.

خلال القرنين التاليين بدأت طبيعة الأناضول تتغير تدريجيًا. انتشرت اللغة التركية، وازداد الحضور الإسلامي، وظهرت كيانات تركية مثل سلطنة سلاجقة الروم.

وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان تحولًا حضاريًا طويل المدى.

الدولة العثمانية وسقوط بيزنطة

في أواخر القرن 13م ظهرت الدولة العثمانية في الأناضول، ثم توسعت، وفي سنة 1453م سقطت القسطنطينية بيد العثمانيين وأصبحت عاصمة لهم.

ظهرت الدولة العثمانية في شمال غرب الأناضول في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي بقيادة عثمان بن أرطغرل. بدأت كإمارة صغيرة، لكنها توسعت بسرعة وأصبحت واحدة من أكبر الإمبراطوريات في التاريخ.

كان الحدث الأبرز هو سقوط القسطنطينية سنة 1453م على يد السلطان محمد الثاني. أدى ذلك إلى نهاية الإمبراطورية البيزنطية كدولة مستقلة، وأصبحت القسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية.

استمر الحكم العثماني في الأناضول قرابة ستة قرون، وأصبحت المنطقة مركز الإمبراطورية التي حكمت أجزاء واسعة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

من الدولة العثمانية إلى تركيا الحديثة

بعد الحرب العالمية الأولى انهارت الدولة العثمانية، وحاولت القوى المنتصرة تقسيم أراضيها. جاءت معاهدة سيفر سنة 1920 بمقترحات لتقليص الدولة التركية، لكن الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال رفضت ذلك وخاضت حرب الاستقلال التركية.

بعد انتصار الحركة القومية التركية، وُقعت معاهدة لوزان سنة 1923، وتم الاعتراف بالدولة التركية الحديثة. أصبحت الأناضول المركز الأساسي لهذه الدولة الجديدة.

تأثير المسيحية على آسيا الصغرى واستمرار تأثيرها على تركيا اليوم

لم تكن آسيا الصغرى (الأناضول) مجرد منطقة جغرافية في تاريخ المسيحية، بل كانت أحد أهم المراكز التي تشكلت فيها الهوية المسيحية الأولى. فمنذ القرن الأول الميلادي أصبحت مدن الأناضول مثل أفسس وأنطاكية القديمة وقيصرية كابادوكيا ونيقية مراكز رئيسية لانتشار المسيحية والتعليم اللاهوتي.

كان الرسول بولس الرسول من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بآسيا الصغرى؛ فقد قام برحلات تبشيرية داخل مدنها، وأسّس أو دعم جماعات مسيحية أصبحت لاحقًا من أهم الكنائس في العالم القديم. وقد ساعد الموقع الجغرافي للأناضول، باعتبارها جسرًا بين الشرق والغرب، على انتقال الأفكار المسيحية منها إلى مناطق واسعة من الإمبراطورية الرومانية.

ومع مرور القرون، أصبحت آسيا الصغرى مركزًا للحياة الفكرية واللاهوتية المسيحية. ففيها انعقدت مجامع كبرى مثل مجمع نيقية الأول الذي ناقش قضايا جوهرية حول العقيدة المسيحية، كما خرج منها عدد من الآباء اللاهوتيين المعروفين مثل باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس النيصي الذين كان لهم دور كبير في صياغة الفكر المسيحي الشرقي.

كما ارتبطت الأناضول بتراث الكنائس السريانية واليونانية والأرمنية، حيث انتشرت الأديرة ومراكز التعليم والنسخ والترجمة. وظلت مدن كثيرة تحمل آثار هذا الحضور المسيحي القديم، من خلال الكنائس التاريخية والمخطوطات والأديرة المنتشرة في مناطق مختلفة.

لكن ابتداءً من القرن السابع ثم بصورة أكبر بعد دخول السلاجقة الأتراك إلى الأناضول في القرن الحادي عشر، بدأت الخريطة الدينية والسياسية للمنطقة تتغير تدريجيًا. وبعد قيام الدولة العثمانية أصبحت الأناضول ذات أغلبية مسلمة، إلا أن الجماعات المسيحية لم تختفِ تمامًا، بل بقيت حاضرة لقرون طويلة.

أما في تركيا الحديثة، فما زال أثر المسيحية ظاهرًا بعدة أشكال، ليس بمعنى أنها دين الأغلبية، بل من خلال التراث التاريخي والثقافي. فالمدن والآثار القديمة، ومواقع الكنائس الأولى، والطرق المرتبطة بتاريخ الرسل، كلها تشهد على أن الأناضول كانت قلبًا مهمًا في نشأة المسيحية وانتشارها. كما أن وجود جماعات مسيحية صغيرة اليوم، مثل بطريركية القسطنطينية المسكونية وكنائس أرمنية وسريانية وكاثوليكية، يمثل استمرارًا جزئيًا لهذا الإرث التاريخي.

وبذلك يمكن القول إن تركيا الحالية تقوم فوق أرض كانت لقرون طويلة إحدى أهم مناطق العالم المسيحي، وأن تاريخ الأناضول لا يمكن فهمه دون دراسة التفاعل بين الحضارات الرومانية والبيزنطية والمسيحية والإسلامية التي تعاقبت عليها.

الخاتمة

إن تاريخ آسيا الصغرى يوضح أن المنطقة لم تكن ذات هوية واحدة ثابتة، بل تغيرت عبر الزمن. ففي عصر بولس الرسول كانت جزءًا من الإمبراطورية الرومانية وكانت مركزًا مهمًا للمسيحية الأولى. وكانت من أهم المراكز التي ساهمت في انتشار المسيحية الأولى، حيث تأسست فيها جماعات مسيحية مبكرة، وظهرت فيها مراكز لاهوتية وكنسية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ المسيحية.

ثم أصبحت آسيا الصغرى قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية)، التي حافظت على التراث الروماني وطورت حضارة مسيحية شرقية امتدت قرونًا طويلة. وكانت مدنها وكنائسها ومجامعها جزءًا أساسيًا من تطور الفكر والعقيدة المسيحية.

ومع وصول الأتراك السلاجقة ثم قيام الدولة العثمانية، حدث تحول سياسي وثقافي وديني كبير في المنطقة، حيث أصبحت اللغة التركية والإسلام عنصرين أساسيين في هوية الأناضول الجديدة. إلا أن هذا التحول لم يُلغِ التاريخ السابق للمنطقة، فآثار المدن المسيحية القديمة، والكنائس، والمراكز التي شهدت بدايات المسيحية، بقيت شاهدة على المرحلة الرومانية والبيزنطية.

لذلك فإن وجود تركيا الحديثة في الأناضول هو نتيجة سلسلة طويلة من التحولات العسكرية والسياسية والحضارية امتدت ما يقارب ألفي عام، دون أن يعني ذلك اختفاء الطبقات التاريخية السابقة؛ فالأناضول الحديثة تحمل في داخلها آثار الحيثيين واليونان والرومان والبيزنطيين والسلاجقة والعثمانيين، وهي مثال واضح على تداخل الحضارات عبر الزمن.

 

Boatwright, Mary T., Daniel J. Gargola, Noel Lenski, and Richard J. A. Talbert. The Romans: From Village to Empire. 2nd ed. Oxford: Oxford University Press, 2012.

Brown, Raymond E. An Introduction to the New Testament. New Haven: Yale University Press, 1997.

Bruce, F. F. Paul: Apostle of the Heart Set Free. Grand Rapids: Eerdmans, 1977.

Findley, Carter V. The Turks in World History. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Finkel, Caroline. Osman’s Dream: The Story of the Ottoman Empire, 1300–1923. New York: Basic Books, 2005.

Greatrex, Geoffrey. The Roman Eastern Frontier and the Persian Wars. London: Routledge, 2005.

Haldon, John. The Empire That Would Not Die: The Paradox of Eastern Roman Survival, 640–740. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2016.

Herrin, Judith. The Formation of Christendom. Princeton: Princeton University Press, 1987.

İnalcık, Halil. The Ottoman Empire: The Classical Age 1300–1600. London: Phoenix Press, 2000.

Johnson, Luke Timothy. The Writings of the New Testament: An Interpretation. Minneapolis: Fortress Press, 2010.

Jones, A. H. M. The Later Roman Empire, 284–602: A Social, Economic, and Administrative Survey. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1986.

Meeks, Wayne A. The First Urban Christians: The Social World of the Apostle Paul. New Haven: Yale University Press, 1983.

Millar, Fergus. The Roman Near East, 31 BC–AD 337. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1993.

Mitchell, Stephen. Anatolia: Land, Men, and Gods in Asia Minor. Vols. 1–2. Oxford: Oxford University Press, 1993.

Norwich, John Julius. A Short History of Byzantium. New York: Vintage Books, 1997.

Peacock, A. C. S. Early Seljuks: Studies in the History of the Great Seljuk Empire. London: Routledge, 2010.

Shaw, Stanford J., and Ezel Kural Shaw. History of the Ottoman Empire and Modern Turkey. Vol. 1: Empire of the Gazis: The Rise and Decline of the Ottoman Empire, 1280–1808. Cambridge: Cambridge University Press, 1976.

Yapp, M. H. The Near East Since the First World War: A History to 1995. London: Longman, 1996.

ليكون للبركة

patricia Michael