من بركات التجسد : جعل الانسان شبيها بالمسيح وكريما في عيني الله ... بحسب القديس ايريناؤس اسقف ليون
اظهر القديس ايريناؤس فكره المتوازن بين خلق الإنسان وسقوطه واستعادته من خلال المسيح. كما أن فكره يضع أساسًا لفهم أن التجسد ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو عمل إلهي يغير طبيعة الإنسان ويعيده إلى غايته الأصلية اذا يقول :
"كلمة الله صار انسانا وشابه الانسان لكي يصبح الانسان كريما في عيني الله من خلال هذه المشابهة . ففي القديم قيل : "لقد صنع الانسان على صورة الله ومثاله"، ولكن ذلك لم يكن ظاهرا لان الكلمة نفسه لم يكن ظاهرا، ومن اجل هذا السبب لم يكن التشابه واضحا، او بالاحرى قد فُقد. ولكن عندما تجسد كلمة الله اكد على التشابهين معا : فلقد اظهر الصورة في كل حقيقتها وحقق التشابه بطريقة ثابتة اذ جعل الانسان مشابها للآب غير المنظور بواسطة الكلمة الذي اصبح منظورا".
يعبر هذا القول عن فكر القديس إيريناوس اللاهوتي العميق والمتماسك، حيث يعكس فيه مفهوم التجسد وعلاقته بالإنسانية من جهة، وبالله من جهة أخرى
في هذه الفقرة من كتابات القديس إيريناؤس، نرى رؤية لاهوتية عميقة تُبرز أهمية التجسد الإلهي ودوره في استعادة كرامة الإنسان وعلاقته بالله. يبدأ النص بتأكيد أن كلمة الله صار إنسانًا وشابه الطبيعة البشرية (بكل شيء ما عدا الخطية ) لكي يُعيد للإنسان كرامته الأصلية التي فُقدت بسبب السقوط. التجسد، بهذا المعنى، ليس فقط حدثًا تاريخيًا بل هو عمل إلهي يهدف إلى إعادة الإنسان إلى حالته الأولى بل وأفضل، من خلال هذا الاتحاد بين اللاهوت والناسوت.
يشير إيريناؤس إلى الحقيقة التأسيسية في سفر التكوين، حيث خُلق الإنسان على صورة الله ومثاله. ومع ذلك، يوضح أن هذه الصورة لم تكن واضحة تمامًا، لأن الكلمة الإلهي ذاته لم يكن ظاهرًا. في رأيه، الخلق في البداية كان يعكس قصد الله، لكن هذا القصد لم يتحقق بشكل كامل بسبب السقوط الذي شوّه الصورة وأضعف التشابه بين الإنسان والله. وهكذا، يشير إيريناؤس إلى أن الخطيئة ليست مجرد انفصال عن الله، بل هي فقدان التشابه مع الله، الذي كان يجب أن يُحافظ عليه الإنسان.
التجسد هنا يُفهم كعمل مزدوج، حيث يُعيد المسيح كصورة الله الحقيقية (الكلمة المتجسد) الصورة الأصلية للإنسان ويُحقق التشابه الذي فُقد. من خلال اتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح، تظهر صورة الله الكاملة، ليس فقط كإعلان إلهي بل كدعوة للإنسان إلى استعادة العلاقة مع الله. المسيح، بكونه الكلمة المتجسد، أظهر الله الآب غير المنظور بشكل منظور، وجعل التشابه بين الإنسان والله ليس فقط حقيقة نظرية، بل واقعًا محققًا من خلال العلاقة بالمسيح.
إيريناؤس يربط بين التجسد وتحقيق الغاية النهائية للإنسان. فالإنسان خُلق ليعكس صورة الله وليحيا في تشابه معه، لكن السقوط أدى إلى إضعاف هذه العلاقة. لذلك، كان لابد من التجسد كخطوة ضرورية لتجديد الطبيعة البشرية وإعادتها إلى ما كانت عليه في قصد الله الأصلي. المسيح، الذي صار منظورًا في التجسد، أصبح الجسر الذي يربط بين الله غير المنظور والإنسان الساقط، محققًا بذلك التشابه الثابت بين الإنسان والله.
في سياق لاهوت إيريناؤس، تظهر هذه الفكرة بوضوح كجزء من خطته اللاهوتية الشاملة التي تربط بين الخلق والخلاص. التجسد ليس مجرد استجابة طارئة للسقوط، بل هو جزء من تدبير إلهي أزلي يعيد الإنسان إلى الغاية التي خُلق من أجلها، ألا وهي الحياة في تشابه كامل مع الله من خلال الكلمة. بهذه الطريقة، يُعيد إيريناوس بناء مفهوم الكرامة الإنسانية، حيث يصبح التجسد الأساس الذي من خلاله يتم رفع الطبيعة البشرية إلى حالة الاتحاد مع الإلهي.
ليكون للبركة
Patricia Michael