"كَيْفَ تَقُولُونَ: نَحْنُ حُكَمَاءُ وَشَرِيعَةُ الرَّبِّ مَعَنَا؟ حَقًّا إِنَّهُ إِلَى الْكَذِبِ حَوَّلَهَا قَلَمُ الْكَتَبَةِ الْكَاذِبُ." (إر 8: 8 ).
شاهد إرميا النبي الجموع المحتشدة في أورشليم قادمة لتمارس ليتورجيات التسبيح وللمساهمة في تكاليف إصلاح الهيكل وتقديم ذبائح، قادمين في تشامخ وفرح من أجل الهيكل الذي أصلحوه حديثًا، يلتمسون صلوات الأنبياء والكهنة الأمر الذي احزنه جدا لأن عبادتهم حملت الشكل دون الروح ، اهتموا بالشكلية في حفظ الشريعة دون ان يعملوا بها . هنا يركز ارميا النبي على موضوع "كتاب الشريعة" الذي وُجد أثناء إصلاح الهيكل وقُدم للملك. تهلل الكل بوجود السفر دون الاهتمام بالاستماع العملي لما ورد فيه. ظنوا أن مجرد حفظ كتاب الشريعة في الهيكل فيه كل الحماية، حتى وإن احتفظوا بعبادتهم الوثنية ومارسوا رجاساتها.
أدرك النبي إرميا ما وصل إليه الشعب في علاقتهم بالشريعة، إنهم يحفظونها دون توقف عن العبادة الوثنية، فيخلطون الحق بالباطل ، يقرأونها دون تقديم توبة واشتياق نحو الرجوع إلى الله يعتزون بها دون أن يحملوا ثمر الروح فامتلأ قلبه مرارة، وبدأ يتساءل: ما هو الحل؟ أما من دواء لهذا الشعب؟ أما من طبيب يهتم بهم؟
تهلل الكل بوجود سفر الشريعة التي يعتزون بها حرفيًا بغير روح، يهتمون بنسخها بكل دقة، ويغسلون القلم لتطهيره قبل كتابة اسم "يهوه"، ويحسبون عدد الحروف حتى لا يخطئوا في كلمة، ويضعون الشريعة في الهيكل، ولا يلمسها من كان دنسًا. ومع هذا كله كانوا يعبدون الأوثان ليس تحت ضغط العدو، ولا عن جهالة، لكنهم أحبوها وعبدوها وساروا وراءها واستشاروها وسجدوا لها. شعروا أنها مشبعة ومفرحة ومرشدة لهم تستحق كل عبادة وسجود! والعجيب في الأمر أنه لم يكن ذلك عن احتياج مادي أو لطلب الكرامة، فقد عبدها الملوك والعظماء والكهنة إلخ. الذين لا ينقصهم شيء ما، كان ينقصهم التوبة .
يعاتب الله شعبه بحقيقة هي أن كل من يسقط في الطريق، أو في أي شيء خاطئ عليه أن يعود ويرجع إلى الصواب، وهذا هو التصرف المنطقي. فلماذا إذن يتمادون في خطاياهم ويثبتون في الشر اعتمادًا على الكلام الماكر والمخادع للأنبياء الكذبة الذي عوض أن يحثوهم على التوبة سلموهم إلى التهاون، إذ قيل: "برؤيا كاذبة وعرافة وباطلٍ ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم" (إر 14: 14).
لقد فقد الشعب اتزانه ليمارس كل منهم هواه كفرسٍ ثائرٍ في وسط المعركة دون ضابط له ؛ فكانوا كُلُّ وَاحِدٍ.. كَفَرَسٍ، يشبه تماديهم في الشر بفرس يتقدم في الحرب ولا يريد أن يرجع عن طريقه، فهذا هو نظام الحرب؛ الجهاد للنهاية حتى الموت، هكذا هم أيضًا تقدموا في الشر، ومصرين عليه حتى الموت، ولا يريدون الرجوع والتوبة. بدلاً من أن يقف الإنسان مع نفسه ليراجع نفسه، وجد الله أن كل واحد رجع لخطيته كحصان يجري في معركة بلا خوف وبإندفاع، مبتعداً عن الله لاهثاً وراء شهوته، وربما لو هدأ الإنسان مع نفسه وجلس يفكر في طريقه لترك طريق الشر حين يكتشف أن هذا الشر لا يصاحبه سلام القلب. ومما ضاعف من خطيتهم أن الطيور تفهم العلامات خير منهم فهي تغيِّر مكانها إذا جاء الشتاء وتغير الطقس .
وها هي العلامات تشير لاقتراب كارثة عظيمة على شعب يهوذا ولا أحد يفهم. بينما نجد الطيور بغريزتها الطبيعية، تستعد للهجرة في مواسم الشتاء ذاهبة للأماكن الدافئة. لكن الشعب اليهودي كان قد فقد الحس، فلم يقدم توبة، مع أن العلامات تشير بقرب حدوث مصيبة كبيرة، إلا أنهم لا يعودوا ويرجعوا عن طرقهم الشريرة راجعين لله.
هم لا يدركون العلامات ومع هذا يدَّعون الحكمة لأن شريعة الرب معهم. ولكن لا يكفي معرفة الكتاب معرفة عقلية جامدة بل أن نحيا به لنعرف قضاء الرب. بل أن كتبتهم حرفوا أقوال الله (إِلَى الْكَذِبِ حَوَّلَهَا قَلَمُ الْكَتَبَةِ الْكَاذِبُ) بمعنى طوَّعوها لرغباتهم الشريرة
. نسمع لأول مرة في الكتاب المقدس عن الكتبة كمفسرين للشريعة ولكننا نراهم يفسرون أقوال الله بما يناسب رغباتهم، وربما هم علّموا أن تقديم الذبائح بدون توبة يغفر الخطايا. هنا أول إشارة للكتبة كفئة خاصة مسئولة عن تفسير الشريعة. يظهر من (1 أي 2: 55) أن الكتبة كانوا منظمين على أساس عشائر أو أسر معينة، وفي (2 أي 34: 13) كان لهم دورهم الحيوي في أيام يوشيا. على أي الأحوال كان لهم نشاطهم في وقتٍ مبكرٍ عن هذا، يقومون بكتابة السجلات الرسمية لملوك إسرائيل ويهوذا، ويمسكون حساباتهم، كما كان بعضهم ينسخون التوراة، وكان لهم عملهم التعليمي. خلال تعاليمهم الخاطئة يحولون الحق الكتابي إلى الكذب، يهتمون بالتوراة ككتاب دون الاهتمام بالله نفسه.
استلموا الشريعة، ووجدت بين أيديهم، لكن طمعهم أعمى عيون قلوبهم، فصاروا في ظلمة الجهل التي حلَّت على كل الطبقات وكل الأعمار: الصغير والكبير، الكاهن والنبي والشعب.
بجانب عبادتهم للأصنام وكسرهم للوصية يلجأون إلى خداع أنفسهم بنبوات كاذبة. فعوض التوبة يطلبون من الأنبياء والكهنة سلامًا كاذبًا وخداعًا، لهذا ظهر أنبياء يتنبأون ليس حسب أمر الله إنما حسبما يُرضى أهواء الناس، وبادت الشريعة عن الكاهن والمشورة عن الشيوخ. هؤلاء يقولون "سلام سلام ولا سلام بينما كان الأنبياء الكذبة يتكلمون بالناعمات (إش 30: 10)، لكي يهدئوا مخاوف الشعب، ويكسبوا القيادات لصفهم على حساب الحق، كان الأنبياء الحقيقيون ينطقون بالحق ولو كان جارحًا.
كلمات الأنبياء الكذبة أعطتهم طمأنينة خادعة إلى حين، فحسبها الكل دواءً لجراحاتهم. ومن جانب آخر نزعت عنهم روح الحياء والخجل حتى إن ارتكبوا رجاسة.
بل صاروا يناقضون الطبيعة ذاتها. فالطيور تعرف بالطبيعة موعد رجوعها إلى وطنها، أما هم فيهجرون الله ولا يعرفون للتوبة والرجوع موعدًا. أفقدتهم الخطية "المعرفة" و"الحكمة" و"الحق"، فسلكوا في الكذب .من أسباب عدم توبتهم هو عدم معالجة خطاياهم، بل التمسك بالشر داخلهم وتصديقهم كلام الأنبياء الكذبة أن لهم سلام والله راضى عنهم، مع أن خطاياهم أفسدتهم، ويحتاجون للشفاء منها بالتوبة.
يؤكد لهم إصرارهم على خداع أنفسهم بكلام الكتبة الكذبة، ظانين أنهم حكماء باقتنائهم لكتاب الشريعة، ووجود الهيكل في مدينتهم أورشليم، ولكن كل هذا لا يكفى إن لم يتوبوا. يبين الله ايضا انه من الاسباب لعدم توبتهم وهو تعلقهم بالمال والماديات، وقد سقط في هذه الخطية الشعب كله، حتى قياداته، مثل الكهنة والأنبياء الكذبة، والنتيجة هو سقوطهم تحت الهجوم البابلي واذلالهم وأخذ نسائهم وحقولهم منهم، أي تجردهم من كل الماديات والشهوات التي عاشوا لها؛ كل هذا لعلهم في النهاية يرجعون إلى الله .
اذ قبلوا الشريعة الإلهية بدون التمتع بالتوبة صارت كلمة الله بالنسبة لهم عقيمة وبلا ثمر. صاروا أشبه بكرم بلا عنب وشجرة تين بلا ثمر، فاستحقوا اللعنة واقتلاعهم من حقل الرب:
"نزعًا أنزعهم يقول الرب.
لا عنب في الجفنة،
ولا تين في التينة،
والورق ذبل،
وأعطيهم ما يزول عنهم" [13].