كيف يمكن لأسفار العهد القديم أن تقود إلى الإيمان بالمسيح؟
دراسة في النص "2 تيموثاوس 3: 15"
"وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (2 تي 3: 15).
كيف ربط بولس الرسول بين العهد القديم والإيمان بالمسيح في 2 تيموثاوس 3: 15؟ دراسة في واحدة من أعظم النصوص التي تكشف وحدة العهدين.
مقدمة
كثيرون يقرأون العهد القديم والعهد الجديد وكأنهما كتابان منفصلان، أو مرحلتان لا رابط بينهما إلا التاريخ. لكن عندما نتأمل كلمات السيد المسيح والرسل، نكتشف أن الكتاب المقدس يقدم نفسه كإعلان إلهي واحد متكامل، يبدأ في العهد القديم ويبلغ كماله في شخص يسوع المسيح. فالعهد القديم ليس مجرد سجل لأحداث شعب إسرائيل، بل هو تمهيد وإعداد وإعلان مسبق عن المسيح وعمله الخلاصي، بينما يأتي العهد الجديد ليكشف تحقيق تلك الوعود والنبوات.
ومن أروع النصوص التي تُظهر هذه الوحدة العجيبة ما كتبه القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: «وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (2 تيموثاوس 3: 15). ففي هذه الآية يربط الرسول بولس بين أسفار العهد القديم التي عرفها تيموثاوس منذ طفولته وبين الإيمان بالمسيح الذي أُعلن في العهد الجديد، مؤكداً أن الكتاب المقدس كله يشهد لخطة الخلاص الإلهية.
أولاً: الكتب المقدسة التي عرفها تيموثاوس
عندما كتب بولس هذه الكلمات، لم يكن قانون العهد الجديد قد اكتمل بعد، ولذلك فإن عبارة "الكتب المقدسة" تشير أساساً إلى أسفار العهد القديم التي تعلمها تيموثاوس من أمه وجدته (2 تي 1: 5).
لكن المدهش أن بولس لا ينظر إلى هذه الأسفار باعتبارها مجرد تاريخ أو أدب ديني، بل يصفها بأنها "قادرة أن تحكمك للخلاص". أي أنها تحمل في داخلها الإعلان الإلهي الذي يقود الإنسان إلى فهم عمل الله الخلاصي.
غير أن هذا الخلاص لا يُفهم بمعزل عن المسيح، لذلك يضيف بولس مباشرة: «بالإيمان الذي في المسيح يسوع». فالكتب المقدسة تقود إلى المسيح، والمسيح هو مفتاح فهم الكتب المقدسة.
ثانياً: المسيح هو محور العهد القديم
أكد السيد المسيح نفسه هذه الحقيقة مراراً. فعندما خاطب اليهود قال:
«فَتِّشُوا الْكُتُبَ، لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5: 39).
لم يقل إن الكتب تحتوي على إشارات متفرقة إليه فحسب، بل أعلن أنها تشهد له. أي أن شهادتها الأساسية تنتهي عند شخصه ورسالة خلاصه.
ثم أضاف:
«لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي» (يوحنا 5: 46).
وهنا يربط المسيح مباشرة بين كتابات موسى وبين الإيمان به. فالذي يفهم موسى فهماً صحيحاً يصل إلى المسيح، لأن الناموس والرموز والذبائح والنبوات كانت تمهد لمجيئه.
ثالثاً: تفسير المسيح للعهد القديم بعد القيامة
بعد القيامة قدم الرب يسوع أعظم درس كتابي في التاريخ لتلميذي عمواس، إذ يقول الإنجيل:
«ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ» (لوقا 24: 27).
إن هذه العبارة تكشف أن المسيح رأى نفسه موضوعاً رئيسياً في جميع أقسام العهد القديم. فهو لم يقتصر على نص واحد أو نبوءة واحدة، بل شرح ما يتعلق به في "جميع الكتب".
ولاحقاً قال للرسل:
«لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ» (لوقا 24: 44).
وهذه العبارة تشمل التقسيم اليهودي الكامل للعهد القديم:
ناموس موسى.
الأنبياء.
المزامير (وتمثل قسم الكتب).
وبذلك شهد المسيح لكل أسفار العهد القديم باعتبارها تحمل إعلاناً إلهياً عنه.
رابعاً: من الرمز إلى الحقيقة
العهد القديم مليء بالرموز التي تجد تحقيقها في المسيح وهذه بعض منها:
آدم الأول يشير إلى المسيح آدم الأخير.
حمل الفصح يشير إلى ذبيحة المسيح.
المن في البرية يشير إلى خبز الحياة النازل من السماء.
صخرة البرية تشير إلى المسيح مصدر الماء الحي.
الكهنوت والذبائح تشير إلى كهنوت المسيح وذبيحته الكاملة.
الهيكل يشير إلى حضور الله الكامل في المسيح.
لهذا لم يكن العهد القديم كتاباً منفصلاً عن الإنجيل، بل كان الإنجيل مُعلناً بصورة رمزية ونبوية قبل مجيء المسيح.
خامساً: وحدة الإعلان الإلهي
يرفض الكتاب المقدس فكرة وجود انفصال بين العهدين. فالله الذي تكلم بالأنبياء هو نفسه الذي أعلن ذاته في الابن. والوعود التي بدأت مع الآباء والأنبياء وجدت تحقيقها في شخص المسيح.
ولهذا رأى الآباء أن:
"العهد الجديد مستتر في القديم، والعهد القديم مُعلن في الجديد."
فما كان رمزاً صار حقيقة، وما كان وعداً صار تحقيقاً، وما كان ظلاً صار جسداً في المسيح.
الخاتمة
تكشف كلمات بولس الرسول في (2 تيموثاوس 3: 15) عن حقيقة جوهرية في الإيمان المسيحي، وهي أن العهد القديم والعهد الجديد ليسا كتابين متعارضين، بل شهادتين متكاملتين لخطة الله الواحدة للخلاص. فالكتب المقدسة التي عرفها تيموثاوس منذ طفولته كانت قادرة أن تقوده إلى الإيمان بالمسيح، لأن المسيح نفسه هو محور الناموس والأنبياء والمزامير.
لقد شهد موسى للمسيح، وتنبأ عنه الأنبياء، ورنم له المزامير، ثم جاء هو ليتمم كل ما كُتب عنه. لذلك فإن قراءة العهد القديم بمعزل عن المسيح تترك القصة غير مكتملة، أما قراءته في ضوء المسيح فتجعل القارئ يرى وحدة الإعلان الإلهي وروعة التدبير الخلاصي الذي أعده الله منذ البدء وأعلنه كاملاً في ابنه يسوع المسيح.
Mounce, William D. Pastoral Epistles. Word Biblical Commentary 46. Nashville, TN: Thomas Nelson, 2000.
Towner, Philip H. The Letters to Timothy and Titus. New International Commentary on the New Testament. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 2006.
Knight, George W., III. The Pastoral Epistles: A Commentary on the Greek Text. New International Greek Testament Commentary. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 1992.
Marshall, I. Howard. The Pastoral Epistles. International Critical Commentary. Edinburgh: T&T Clark, 1999.
ليكون للبركة