لماذا تم الإعلان الإلهي عن الثالوث تدريجيًا حتى تبلور وضوحه الكامل في العهد الجديد؟
Dr. D. Blair Smith
ترجمة ودراسة:
يُعدّ تأخر الإعلان الإلهي عن الثالوث من القضايا اللاهوتية المحورية التي شغلت أذهان المفكرين المسيحيين عبر القرون لما تحمله من أبعاد عميقة تمسّ طريقة الله في كشف ذاته ضمن تاريخ الوحي والخلاص. إذ يبدو للوهلة الأولى أن الكشف الواضح عن طبيعة الله المثلث الاقانيم لم يتم بصورة واضحة إلا في العهد الجديد، ولا سيّما في الإنجيل بحسب متى (28 : 19 )، حيث يأمر المسيح تلاميذه قائلًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ." (مت 28: 19). وهنا يُشار إلى الاسم بالمفرد للدلالة على وحدة الجوهر الإلهي، بينما يُذكر الآب والابن والروح القدس للدلالة على تمايز الأقانيم في ذات الله الواحدة.
ومن ثمّ، يمكن القول إن هذا الإعلان الكامل عن الثالوث لم يظهر بجلاء إلا في العهد الجديد ، رغم أن إشارات متفرقة يمكن تلمّسها في أسفار العهد القديم منذ سفر التكوين، ولا سيّما في النبوات المسيانية والإشارات إلى عمل الروح القدس. غير أن تلك الإشارات لم تبلغ الوضوح اللاهوتي الذي يتّسم به العهد الجديد. وهنا يبرز السؤال المحوري: لماذا انتظر الله حتى هذا الزمن أي زمن العهد الجديد ليُعلن ذاته بوضوح كثالوث؟ وهل كان هذا التأخّر تعبيرًا عن حكمةٍ تربويةٍ إلهيةٍ تُعدّ الإنسان تدريجيًا لقبول النور الكامل، أم مرتبطًا بسياق تاريخ الخلاص الذي بلغ كماله في التجسّد وحلول الروح القدس؟
أولًا: التدرّج الإلهي في الإعلان – رؤية غريغوريوس النزينزي
قدّم القديس غريغوريوس النزينزي Gregory of Nazianzus، أحد الآباء الكبادوكيين البارزين في العصر الذهبي للفكر اللاهوتي، تفسيرًا لاهوتيًا عميقًا لهذا السؤال في خطبته اللاهوتية الخامسة. يرى غريغوريوس أن الله اختار أن يُعلن ذاته تدريجيًا وفقًا لقدرة الإنسان على الاستيعاب، إذ لو أُعلنت الحقيقة الكاملة عن الثالوث منذ البداية، لما استطاع العقل البشري المحدود أن يتحمل “نورها الساطع”.
ويستخدم غريغوريوس تشبيهًا بليغًا لتوضيح فكرته: فالإنسان الذي يخرج فجأة من ظلامٍ دامس إلى نور النهار الساطع يعجز عن الرؤية للحظات حتى تتكيف عيناه مع الضوء. وبالمثل، لو أشرق نور الثالوث الإلهي الكامل على البشرية منذ البداية، لعجزت عن إدراكه. لذا تدرّج الإعلان الإلهي بحسب مبدأ “التأنّي التربوي” الإلهي “divine pedagogical patience ، بدءًا من إعلان وحدة الله في الشِماع اليهودي: "«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ." (تث 6: 4). وصولًا إلى الكشف الكامل عن الله الواحد في ثلاثة أقانيم.بهذا، يقدّم غريغوريوس النزينزي نموذجًا لاهوتيًا يجمع بين حكمة الله التربوية ورحمته المعرفية، حيث يكشف عن ذاته بما يتناسب مع نضوج الإنسان الروحي واستعداده للإدراك.
ثانيًا: الإعلان التدريجي في سياق التاريخ الخلاصي – منظور ب. ب. وارفيلد (B. B. Warfield)
أما اللاهوتي بنيامين بريكِنريدج وارفيلد (B. B. Warfield) من جامعة برنستون، فقد طوّر الفكرة ذاتها في ضوء مفهوم الإعلان التدريجي المرتبط بالتاريخ الخلاصي. يرى وارفيلد أن الكشف الكامل عن الثالوث لم يكن ممكنًا إلا بعد اكتمال البنية التاريخية واللاهوتية التي أعدّها الله ضمن خطة الفداء.إذ كان لا بد أن تُوضَع أولًا الأسس الميثاقية والإشارات النبوية في العهد القديم، لتتهيأ البشرية لاستقبال الابن المتجسد، ثم لسكب الروح القدس في يوم الخمسين.
ولشرح فكرته، يستخدم وارفيلد تشبيهًا تشكيليًا دقيقًا: فكما لا يُقدَّم الطبق الرئيسي في مأدبة قبل إعداد المائدة وفرشها بالأواني والزينة المناسبة، كذلك لم يكن من الملائم أن يُعلن الله عن ذاته كثالوث قبل أن يُعدّ المشهد التاريخي واللاهوتي المناسب لتجسد الابن وحلول الروح القدس.فالإعلان عن الثالوث ليس حدثًا معرفيًا معزولًا، بل هو ذروة عملية الوحي والفداء التي تكشف في آنٍ واحد عن ذات الله وعن عمله الخلاصي في التاريخ.
ثالثًا: وحدة الرؤية اللاهوتية بين غريغوريوس ووارفيلد
يتكامل المنهجان – عند غريغوريوس ووارفيلد – في تقديم رؤية لاهوتية موحدة حول سبب تأخر إعلان الثالوث بوضوح.فكلاهما ينطلق من مبدأ الملاءمة الإلهية (Divina convenientia)، أي أن الله يكشف عن ذاته تدريجيًا بما يتناسب مع قدرة المخلوق على الفهم ومع مراحل تحقيق مقاصده الخلاصية.فمن جهة، يشير غريغوريوس إلى التدرج المعرفي بوصفه “تكيّفًا رعويًا” من الله تجاه الإنسان؛ ومن جهة أخرى، يبرز وارفيلد البعد التاريخي الخلاصي لهذا التدرج، بوصفه حركة وحي تتجه نحو قمتها في التجسد والفداء وحلول الروح القدس.
الخاتمة
إن تأخر إعلان الثالوث لا يدل على غياب هذه الحقيقة عن العهد القديم، بل على تدبيرٍ إلهيٍّ مقصودٍ يجعل من الوحي مسيرة تربوية وخلاصية متكاملة.فالله لم يُخفِ ذاته، بل أعلنها تدريجيًا حتى تستطيع الخليقة العاقلة أن تتلقى “نور الثالوث” دون أن تُعمى به، وحتى يُفهم هذا الإعلان في سياقه التاريخي كجزء من خطة الفداء الإلهية.ومن ثم، فإن الوحي عن الثالوث لا يمثل نهاية فقط لمسار الإعلان الإلهي، بل هو أيضًا مفتاح لفهم التاريخ المقدس كلّه في ضوء الله الواحد في ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس.
Why did God wait to reveal the Trinity? Dr. D. Blair Smith
ليكون للبركة