أليس تجسّد الله من جنس خاص من البشر يفيد تحيُّزه لشعب خاص محدد ، وهذا ما لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين؟

الرد:

(أ) لو لم يتّخذ الله لنفسه جسداً من اليهود، لكان قد اتّخذ لنفسه جسداً من شعب آخر، وفي هذه الحالة يكون قد تجسّد أيضاً من جنس خاص دون غيره من الأجناس، ولذلك فإن هذا الاعتراض لا مجال له إطلاقاً وغير منطقي . كما أن الادِّعاء بأن تجسُّد الله من جنس خاص لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين، قد دلّت الحقيقة الواقعة على عدم صدقه، لأننا إذا تطلعنا إلى حياة المسيح على الأرض وجدنا أنه كان يحب الجميع على السواء. فقد شمل بإحسانه جميع الناس على اختلاف أجناسهم (لوقا 17: 16)، وكان يناديهم: تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال (بدون استثناء) وأنا أريحكم (متى 11: 28). وقال: لي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة (أي حظيرة اليهود). ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد (يو 10: 16). ولذلك قال الوحي عنه إنه جعل الاثنين (أي اليهود والأمم) واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً (أفسس 2: 14). وقال أيضاً: فإن فيه ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري سكيثي، عبد حر بل الجميع واحد (كولوسي 3: 11).

وقد أدرك هذه الحقيقة الأستاذ سافير اليهودي، فقال: كان يسوع يهودياً، ومع ذلك كان من جنس البشر جميعاً . وقال غيره: المسيح هو ابن الإنسان وهو ليس لعصر خاص أو لجماعة خاصة، بل لجميع الناس وجميع العصور . وقال آخر: المسيح حقاً الإنسان العالمي لأنه لم ينحصر ضمن هيئة خاصة، بل تخطّى كل الحواجز التقليدية والاجتماعية والسياسية والجنسية، وأحب كل الناس بلا استثناء . ولا غرابة في ذلك فقد كان ابن الإنسان أو ابن الإنسانية .

(ب) فضلاً عن ذلك فإن التعليم الذي أتى به المسيح، ليس تعليماً لا يتيسّر تنفيذه بواسطة جماعة دون غيرها، أو في أزمنة دون سواها، بل يتيسّر تنفيذه بواسطة كل الناس في كل البلاد والأوقات. فمثلاً لم يأمر الناس بالصلاة في أوقات خاصة، مرتبطة بساعات النهار أو الليل، ولم يحلل لهم تناول بعض الأطعمة دون الأخرى، ولم يحدِّد لهم مواعيد للمواسم والأعياد، مرتبطة بأوقات الحصاد وأوجه القمر، كما كانت الحال مع اليهود الذين عاشوا في منطقة جغرافية محددة، بل أمرهم أن يصلّوا في كل حين (لوقا 18: 1) وأن ما يدخل الفم لا ينجِّس الإنسان، بل ما يخرج منه، لأن من الفم تخرج أقوال الشر التي هي النجاسة (متى 12: 35). وطلب منهم على لسان رسوله، أن تكون حياتهم كلها أعياداً روحية، تتجلى فيها القداسة والطهارة والصلة الحقيقية مع الله (1كورنثوس 5: . ولذلك فإن تعليمه لا يمكن تنفيذه في بلاد فلسطين وحدها، بل يمكن تنفيذه أيضاً في الجهات القطبية التي تغيب عنها الشمس نصف العام، ويغيب عنها القمر النصف الآخر، كما يمكن تنفيذه في الجهات القاحلة التي لا زرع فيها ولا حصاد.

- لماذا اختار المسيح أن يتجسَّد من اليهود، دون غيرهم من البشر؟

الرد: طبعاً ليس هناك فضل لجنس على الآخر عند الله. وإن كان هناك فضل لأحد على الآخر عنده، فأتقى الناس أفضلهم، لأنه ليس لدى الله محاباة (غلاطية 2: 6). وقد شهد الوحي بهذه الحقيقة فقال إن كل من يصنع البر في أي أمة مقبول عنده (أعمال 10: 35).ولما وجد أن إبراهيم أتقى الناس الذين عاشوا في جيله، اختاره ودعاه خليلاً له (يعقوب 2: 23)، ثم اتّخذه وسيلة لإعلان اسمه بين الناس، ووعده بأن في نسله ستتبارك كل أمم الأرض (تكوين 12: 3). ونظراً لأن الله لا يلغي ولا ينسى وعداً من وعوده مهما طال عليه الزمن، اصطفى من ذرية إبراهيم في الوقت الذي استحسنه، فتاة، أقل ما يُقال عنها إنها أطهر الفتيات ليتجسّد منها ويبارك كل أمم الأرض كما وعد من قبل.

فإذا تأملنا حياة المسيح على الأرض، وجدنا أنه وإن كان قد تجسّد من اليهود للسبب المذكور، إلا أنه كان متجرِّداً من الجنسية اليهودية، بل ومن الروابط العائلية التي هي من أقوى الروابط وأدقّها، فكل علاقاته كانت بين الله والناس بصفة عامة. فمثلاً عندما قال له مرة نفر من الناس: أمك وأخوتك يطلبونك أجابهم: من أمي وإخوتي! ثم نظر إلى المؤمنين الجالسين حوله وقال: ها أمي وأخوتي، لأن من يصنع مشيئة الله، هو أخي وأختي وأمي (مرقس 3: 35). ولما رفعت امرأة صوتها قائلة له: طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما أجابها بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه (لوقا 11: 27). ولما اعترضته السامرية: كيف تطلب مني ماء لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية، لأن اليهود لا يعاملون السامريين (يوحنا 4: 9) لم يتراجع عن الحديث معها، أو يوبخها وينتهرها، بل واصل حديثه معها ليخلّصها من الخطايا التي كانت غارقة فيها، ويقودها إلى حياة الطهر والعفاف. ولذلك قال الرسول: إذاً نحن من الآن لا نعرف أحداً حسب الجسد. وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد (حسب الجسد). إذاً إن كان أحد (أي أحد بلا استثناء) في المسيح، فهو خليقة جديدة (2كورنثوس 5: 16، 17). فهل بعد هذا الإيضاح، يوجد مجال للاعتراض المذكور؟!