أين دُفن ملوك العهد القديم في أورشليم القديمة؟
عالم الآثار جيف زورن (Jeffrey Zorn) يعيد فحص نظرية قديمة
ترجمة ودراسة: Patricia Michael
 
تشير نصوص الكتاب المقدس بوضوح إلى أن الملك داود (King David) وخلفاءه من ملوك مملكة يهوذا دُفنوا في مدينة داود (City of David)، وهي النواة الأقدم لمدينة أورشليم القديمة، والقريبة من نبع جيحون (Gihon Spring). ومع ذلك، ظلّ الموقع الدقيق لهذه المدافن الملكية موضع جدل علمي طويل استمر أكثر من قرن، ولا يزال علم الآثار يواصل البحث والتنقيب لتحديد المواقع الدقيقة لهذه المدافن الملكية وربطها بالأدلة المكتشفة.
على الرغم من شيوع الاعتقاد منذ القرن الأول الميلادي بأن قبر الملك داود يقع في جبل صهيون (Mount Zion)، فإن الشواهد الكتابية الأقدم تشير إلى أن الدفن كان في الجزء الجنوبي من مدينة داود نفسها، وليس في جبل صهيون الحالي. ويأتي اكتشاف الأنفاق والتجاويف الصخرية التي وثقها عالم الآثار ريمون ويل (Raymond Weill)، والمعروفة بالرموز T1–T3، في هذه المنطقة الجنوبية من مدينة داود، ليقدّم أدلة أثرية تدعم هذا التوجه الكتابي.
فعلى الرغم من استمرار النقاش حول وظيفة هذه المنشآت — هل كانت قبورًا ملكية أم أُعيد استخدامها لاحقًا كصهاريج أو أقبية — فإن موقعها الجغرافي يتوافق بشكل واضح مع ما تشير إليه النصوص القديمة، ويمنح الباحثين نقطة انطلاق موثوقة لإعادة تقييم علاقة الاكتشافات الأثرية بالمدافن الملكية المبكرة.
 
حفريات ريمون ويل: اكتشاف مثير للجدل
في أوائل القرن العشرين، قاد عالم الآثار الفرنسي ريمون ويل (Raymond Weill) سلسلة من الحفريات في مدينة داود خلال الأعوام 1913–1914 ثم الاعوام 1923–1924، بدعم من البارون إدموند دي روتشيلد (Baron Edmond de Rothschild).
 
كان هدف هذه الحفريات اختبار فرضية قديمة مفادها أن المنطقة الواقعة فوق نفق حزقيا (Hezekiah’s Tunnel) ربما كانت تضم قبور ملوك أورشليم القدماء.
 
استندت هذه الفرضية إلى ملاحظة الدبلوماسي والمستكشف شارل كليرمون-غانو (Charles Clermont-Ganneau)، الذي رأى أن المسار المتعرج وغير المباشر لنفق حزقيا قد يكون صُمم عمدًا لتجنّب اختراق أو إزعاج مقابر ملكية كانت قائمة فوقه.
 
خلال حفرياته، اكتشف ويل مجموعة من المنشآت المحفورة في الصخر، شملت جدرانًا قديمة، بركًا طقسية، صهاريج مياه، ومنشآت أخرى، إضافة إلى تسعة أنفاق أو تجاويف صخرية فسّرها على أنها قبور. واعتبر أن ثلاثة منها على وجه الخصوص — المعروفة بالرموز T1 وT2 وT3 — تمثل نواة المدفن الملكي لأوائل ملوك العهد القديم.
 
الأنفاق T1 وT2: قبور أم منشآت مائية؟
تُعد الأنفاق T1 وT2 أكثر الاكتشافات إثارة للجدل.
-النفق T1 يمتد لمسافة تقارب 16.5 مترًا، وهو مقسّم إلى مستويين، وينتهي بتجويف مستطيل يُحتمل أنه كان مخصصًا لوضع جثمان المتوفى أو تابوت .
 
-النفق T2، فرغم قِصره الحالي، تشير الأدلة إلى أنه كان أطول في الأصل.
 
يرى عدد كبير من الباحثين أن هذه المنشآت لا تمثل قبورًا، بل صهاريج مياه أو أقبية استُخدمت خلال فترة الهيكل الثاني (Second Temple Period). ويستند هذا الرأي إلى بساطة التصميم وغياب الزخرفة الجنائزية المعروفة من قبور يهوذا المتأخرة.
 
إعادة قراءة الأدلة: طرح جيف زورن
يقدّم عالم الآثار جيف زورن (Jeff Zorn) قراءة جديدة لأعمال ويل، مؤكداً أن إعادة استخدام هذه المنشآت في فترات لاحقة لا تنفي وظيفتها الأصلية. فبحلول العصر الهلنستي والروماني، كانت معرفة الموقع الدقيق لمدافن داود ونسله قد اندثرت، ما يجعل تحويل القبور القديمة إلى منشآت عملية أمرًا متوقعًا.
 
كما يردّ زورن على حجة “بساطة القبور” بالتأكيد على أن المقابر الملكية في أواخر العصر البرونزي وبدايات العصر الحديدي في الشرق الأدنى كانت غالبًا متواضعة من حيث الزخرفة، وتعتمد على الحجم والموقع أكثر من الزينة. ومن هذا المنطلق، فإن تصميم الأنفاق T1–T3 يتوافق مع تقاليد دفن ملوك تلك الفترة المبكرة.
 
لا تزال هوية هذه الأنفاق موضع نقاش علمي مفتوح، إلا أن إعادة فحص الأدلة المعمارية والطبوغرافية والسياق التاريخي تشير إلى أن ريمون ويل (Raymond Weill) ربما كان أقرب إلى الصواب مما اعتُقد سابقًا. فمن الممكن جدًا أن تكون هذه المنشآت الصخرية هي بقايا المدفن الملكي الداودي، حيث وُري الثرى أوائل ملوك العهد القديم في أورشليم القديمة.
 
من حيث الموقع، تتفق الاكتشافات الأثرية مع رؤية ريمون ويل (Raymond Weill)، وتدعم احتمالية أن هذه الأنفاق تقع في الجزء الجنوبي من مدينة داود قرب نبع جيحون، بما يتوافق مع ما تشير إليه الشواهد الكتابية القديمة حول مكان دفن الملك داود وخلفائه من ملوك يهوذا.
ويبقى هذا الموقع موضوع بحث مستمر في علم الآثار، في انتظار أعمال تنقيب ودراسات مستقبلية تكشف المزيد عن هوية ووظيفة هذه المنشآت الملكية المبكرة.
 
توضيح الرسومات الأثرية ومخططات ريمون ويل للأنفاق الملكية في مدينة داود
 
-خريطة المدينة الأصلية لمدينة داود ومداخلها
(Map of the Original City of David and Its Approaches)
 
-خريطة الحفريات الرئيسية
(1913–1914) (Map of Main Excavation of 1913–1914)
 
-مخطط مقطع رأسي لقبر الملك داود
(Vertical Cross-Section Diagram of King David’s Tomb)
 
-مخطط مزدوج يوضح مقطعًا أفقيًا ورأسيًا لقبر الملك داود
(Split Diagram Showing Horizontal and Vertical Cross-Sections)
 
تم نشر هذه المخططات في كتاب:
The City of David: Revisiting Early Excavations،
بمساهمة L.-H. Vincent في التحليل والنشر.
 
أهميتها:
الرسومات تدعم فكرة أن هذه الأنفاق لم تُحفر عشوائيًا.
تصميمها يتوافق مع مقابر ملكية من العصر البرونزي المتأخر وبداية العصر الحديدي.
حتى لو أُعيد استخدامها لاحقًا كصهاريج، فإن وظيفتها الأصلية قد تكون جنائزية ملكية.
 
تفاصيل الرسومات:
1- خريطة المدينة الأصلية لمدينة داود ومداخلها
Map of the Original City of David and Its Approaches
هذه الخريطة تبيّن:
-الشكل الطبوغرافي لمدينة داود القديمة
-موقع المدينة على تل ضيق بين الأودية
-طرق الوصول إلى المدينة
-العلاقة بين المدينة ونبع جيحون (Gihon Spring)، وهو مصدر المياه الأساسي
أهميتها:
تُظهر لماذا كان الدفن الملكي يُرجّح أن يكون في هذا الموقع تحديدًا، إذ إن الملوك غالبًا ما يُدفنون قرب مركز المدينة المؤسِّسة.
 
2- خريطة الحفريات الرئيسية (1913–1914)
Map of Main Excavation of 1913–1914
تُظهر هذه الخريطة:
-مناطق الحفر التي نفّذها ريمون ويل (Raymond Weill)
-الأنفاق والمنشآت المحفورة في الصخر
-مواقع القبور المفترضة (T1 – T2 – T3)
-الجدران والخزانات والمنشآت المائية
أهميتها:
تربط هذه الخريطة بين القبور المزعومة وبنية المدينة القديمة، وتدعم فكرة وجود مدفن ملكي منظم وليس قبورًا عشوائية.
 
3- مخطط المقطع الرأسي لقبر الملك داود
Vertical Cross-Section Diagram of King David’s Tomb
هذا الرسم يوضّح:
-المقطع العمودي داخل الصخر
-وجود مستويين داخل النفق
-حجرة دفن سفلية
-منصة أو تجويف علوي قد يكون مخصصًا لوضع الجثمان أو التابوت
أهميتها:
يبين أن التصميم جنائزي متعمد وليس مجرد صهريج ماء، وهو أحد الأدلة التي يستخدمها مؤيدو نظرية ويل.
 
4- مخطط مزدوج (أفقي + رأسي) لقبر الملك داود
Split Diagram Showing Horizontal and Vertical Cross-Sections
-يجمع هذا الرسم بين:
المقطع الأفقي: يوضح طول النفق وشكله
المقطع الرأسي: يوضح العمق وتدرّج المستويات
أهميتها:
يساعد هذا الرسم على فهم البنية المعمارية الكاملة للقبر، ويُظهر أنه صُمّم ليُزار أو يُعاد فتحه، وهو أمر شائع في القبور الملكية القديمة.
 
الخاتمة:
تظل قضية دفن ملوك العهد القديم في أورشليم القديمة محور دراسة علمية مستمرة، تجمع بين النصوص الكتابية والاكتشافات الأثرية. الحفريات والرسومات التي وثقها ريمون ويل (Raymond Weill)، وأعيدت قراءتها وتحليلها بواسطة باحثين مثل جيف زورن (Jeff Zorn)، تتيح لنا إعادة التفكير في مكان دفن الملك داود وخلفائه من ملوك يهوذا، كما تشير الشواهد الكتابية القديمة.
 
حتى لو لم يُحسم الجدل بعد حول وظيفة هذه الأنفاق، فإن موقعها وارتباطها بالنصوص يعكسان العلاقة بين التاريخ المبكر لمملكة يهوذا والسرد الكتابي، ويقدمان إطارًا لفهم أفضل للمدافن الملكية المبكرة. وما زلنا بانتظار أعمال تنقيب ودراسات أثرية مستقبلية تكشف المزيد عن هوية هذه المدافن الملكية ووظيفتها الحقيقية.
 
 
Weill, Raymond. La Cité de David: Compte rendu des fouilles exécutées à Jérusalem (Excavation Reports, 1913–1914; 1923–1924).
 
Weill, Raymond & Vincent, L.-H. The City of David: Revisiting Early Excavations. (Publication of original drawings and plans of tunnels T1–T3).
 
Zorn, Jeffrey. “Is T1 David’s Tomb?” Biblical Archaeology Review, November/December 2012.
 
BAS Staff. “King David’s Tomb – A Closer Look.” Bible History Daily, 2025.
 
Mazar, Eilat. The Complete Guide to the Temple Mount Excavations. (Context of the City of David and Jerusalem during the Iron Age).
 
Dever, William G. What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It? (Historical and archaeological background of the early Israelite monarchy).
 
Reich, Ronny & Shukron, Eli. The City of David Excavations. (Topographical studies and water tunnels in the City of David).
 
Ussishkin, David. “Royal Tombs and Jerusalem’s Topography.”
ليكون للبركة
ترجمة ودراسة: Patricia Michael