بركة جبعون..شاهداً على التقاء النص الكتابي بالتاريخ والواقع الأثري
تُعدّ بركة جبعون من أبرز الاكتشافات الأثرية التي أسهمت في تأكيد الدقة الجغرافية للنص الكتابي، إذ جرى الكشف عنها عام 1957 على يد عالم الآثار James B. Pritchard في موقع الجيب (el-Jib)، الذي يُعرَّف على نطاق واسع بأنه الموقع التاريخي لمدينة جبعون. وقد جاء هذا الاكتشاف ليحوّل البركة من مجرد إشارة نصية إلى معلم أثري قائم، يمكن دراسته وقياسه وتحليله ضمن سياقه الكتابي والتاريخي.
من الناحية الهندسية، تُعدّ البركة إنجازًا لافتًا في عمارة العصر الحديدي، إذ يبلغ قطرها نحو 11 إلى 12 مترًا، بينما يصل عمقها إلى قرابة 26–27 مترًا. وقد نُحتت بالكامل في الصخر، وتحتوي على درج حلزوني داخلي مكوَّن من عشرات الدرجات (يُقدَّر عددها بنحو 79 درجة) يتيح النزول التدريجي إلى مصدر المياه في الأسفل. ولا يقتصر التصميم على البئر العمودية، بل يمتد إلى نظام مائي متكامل يشمل نفقًا يقود إلى حجرة المياه الجوفية، ما يدل على تخطيط هندسي متقدّم يهدف إلى تأمين المياه بشكل مستمر، خاصة في أوقات الحصار.
جبعون في الكتاب المقدس
تكمن أهمية هذا الاكتشاف أيضًا في الأدلة الكتابية التي ترتبط به، حيث تُذكر “بركة جبعون” في سياق المواجهة بين يوآب وأبنير في (2 صموئيل 2: 12–17)، وهو الحدث الذي تحوّل من مبارزة محدودة إلى قتال شديد عُرف لاحقًا باسم “«حِلْقَثَ هَصُّورِيمَ» ”.
"وَخَرَجَ أَبْنَيْرُ بْنُ نَيْرٍ وَعَبِيدُ إِيشْبُوشَثَ بْنِ شَاوُلَ مِنْ مَحَنَايِمَ إِلَى جِبْعُونَ. وَخَرَجَ يُوآبُ بْنُ صَرُويَةَ وَعَبِيدُ دَاوُدَ، فَالْتَقُوا جَمِيعًا عَلَى بِرْكَةِ جِبْعُونَ، وَجَلَسُوا هَؤُلاَءِ عَلَى الْبِرْكَةِ مِنْ هُنَا وَهَؤُلاَءِ عَلَى الْبِرْكَةِ مِنْ هُنَاكَ. فَقَالَ أَبْنَيْرُ لِيُوآبَ: «لِيَقُمِ الْغِلْمَانُ وَيَتَكَافَحُوا أَمَامَنَا». فَقَالَ يُوآبُ: «لِيَقُومُوا». فَقَامُوا وَعَبَرُوا بِالْعَدَدِ، اثْنَا عَشَرَ لأَجْلِ بَنْيَامِينَ وَإِيشْبُوشَثَ بْنِ شَاوُلَ، وَاثْنَا عَشَرَ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ. وَأَمْسَكَ كُلُّ وَاحِدٍ بِرَأْسِ صَاحِبِهِ وَضَرَبَ سَيْفَهُ فِي جَنْبِ صَاحِبِهِ وَسَقَطُوا جَمِيعًا. فَدُعِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ «حِلْقَثَ هَصُّورِيمَ»، الَّتِي هِيَ فِي جِبْعُونَ. وَكَانَ الْقِتَالُ شَدِيدًا جِدًّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَانْكَسَرَ أَبْنَيْرُ وَرِجَالُ إِسْرَائِيلَ أَمَامَ عَبِيدِ دَاوُدَ." (2 صم 2: 12-17).
كما تُبرز نصوص أخرى أهمية جبعون الدينية، إذ وُصفت بأنها “المرتفعة العظيمة” التي قدّم فيها الملك سليمان ذبائحه وطلب الحكمة من الله
(1 ملوك 3: 4–5)3 وَأَحَبَّ سُلَيْمَانُ الرَّبَّ سَائِرًا فِي فَرَائِضِ دَاوُدَ أَبِيهِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ وَيُوقِدُ فِي الْمُرْتَفَعَاتِ.4 وَذَهَبَ الْمَلِكُ إِلَى جِبْعُونَ لِيَذْبَحَ هُنَاكَ، لأَنَّهَا هِيَ الْمُرْتَفَعَةُ الْعُظْمَى، وَأَصْعَدَ سُلَيْمَانُ أَلْفَ مُحْرَقَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْبَحِ.5 فِي جِبْعُونَ تَرَاءَى الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ فِي حُلْمٍ لَيْلًا، وَقَالَ اللهُ: «اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ».
(1 أخ 21: 29)
"وَمَسْكَنُ الرَّبِّ الَّذِي عَمِلَهُ مُوسَى فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَذْبَحُ الْمُحْرَقَةِ كَانَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْمُرْتَفَعَةِ فِي جِبْعُونَ."
ويكتسب موقع جبعون أهمية إضافية في ضوء الأحداث الواردة في سفر يشوع الاصحاح العاشر، إذ تذكر النصوص أن المدينة كانت طرفًا محوريًا في تحالفات وصراعات كبرى في بدايات استقرار بني إسرائيل في الأرض. فبعد أن عقد أهل جبعون صلحًا مع يشوع، تشكّل تحالف من خمسة ملوك أموريين من مناطق أورشليم، وحبرون، ويرموث، ولخيش، وعجلون، بهدف مهاجمة المدينة بسبب هذا الاتفاق. عندئذٍ استغاث أهل جبعون بيشوع، الذي تحرك لنجدتهم، فانتصر على القوات المتحالفة وامتد نفوذه إلى مناطق واسعة من الجنوب.
وفي سياق هذا الحدث، يورد النص الكتابي لحظة لافتة أثناء المعركة، حيث يتوجه يشوع إلى الرب أمام أعين بني إسرائيل قائلاً:«يَا شَمْسُ دُومِي عَلَى جِبْعُونَ، وَيَا قَمَرُ عَلَى وَادِي أَيَّلُونَ» (يشوع 10: 12)،في إشارة إلى امتداد المعركة وأهميتها في منطقة جبعون وما حولها.
هذا التلاقي بين النص والموقع يعزّز من مصداقية الإطار الجغرافي الذي ترد فيه هذه الأحداث.
ومن الأدلة الأثرية الحاسمة التي دعمت تحديد الموقع، العثور على مقابض جرار فخارية منقوش عليها اسم “جبعون”، وهو ما يُعدّ شاهدًا مباشرًا على هوية المكان. كما أن استخدام البركة لم يقتصر على فترة زمنية واحدة، بل استمر عبر العصور، حيث أُعيد توظيفها كصهاريج أو مرافق مائية مختلفة، مع بقاء بنيتها الأساسية محفوظة إلى حد كبير حتى اليوم.
الخلاصة:
وعليه، فإن بركة جبعون لا تمثل مجرد منشأة مائية قديمة، بل تُعدّ شاهدًا ماديًا قويًا على التقاء النص الكتابي بالتاريخ والواقع الأثري، حيث تتجسد في هذا الموقع معالم الحياة السياسية والدينية والهندسية في إسرائيل القديمة ضمن إطار ملموس يمكن دراسته والتحقق منه.
ليكون للبركة