دير صير بني ياس: شاهد على المسيحية المبكرة في الخليج

Patricia Michael

اكتشف علماء آثار في دولة الإمارات العربية المتحدة قطعة تاريخية مدهشة: صليبًا مسيحيًا من الجص يبلغ ارتفاعه نحو قدم واحدة (حوالي 30 سم)، وهو أول دليل مادي قاطع يثبت أن مجموعة من المنازل القديمة في جزيرة صير بني ياس، إمارة أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة لم تكن مجرد مساكن عادية، بل كانت جزءًا من مجتمع رهباني مسيحي قديم.

لعقود طويلة، اشتبه الباحثون بوجود علاقة دينية بين هذه المنازل والمجمع الكنسي القريب الذي اكتُشف عام 1992، لكن الأدلة كانت غير مباشرة فقط. أما اكتشاف الصليب داخل أحد المنازل التسعة ذات الأفنية فقد أكد بشكل نهائي أن هذه المساكن كانت مقر إقامة الرهبان الكبار الذين عاشوا حياة الزهد والتأمل قبل انضمامهم إلى الحياة الجماعية داخل الدير.

تقع جزيرة صير بني ياس قبالة سواحل إمارة أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، وتُعد أكبر الجزر التابعة للإمارة. تتميز الجزيرة بموقع استراتيجي في الخليج العربي، حيث كانت جزءًا من شبكة طرق التجارة القديمة التي ربطت شبه الجزيرة العربية بمناطق مثل العراق، الهند، والبحرين.

تضم الجزيرة بيئة طبيعية متنوعة تشمل التضاريس الساحلية، النباتات الصحراوية، والمواطن البرية التي ساهمت في تشكيل تاريخها الاقتصادي والاجتماعي عبر القرون.

من الناحية التاريخية، لعبت الجزيرة دورًا مهمًا في احتضان دير صير بني ياس، الذي كان مركزًا للحياة الرهبانية المسيحية في القرنين السابع والثامن الميلاديين. يوضح الموقع كيف أن الجزيرة لم تكن مجرد مساحة جغرافية منعزلة، بل كانت موطنًا لمجتمع رهباني متكامل.

الدير ومجتمعه الرهباني

يقع دير صير بني ياس في الجزء الشرقي من الجزيرة، وهو مجمع ديني متكامل يعود إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين. يتكوّن من:

كنيسة رئيسية

مبانٍ خدمية وسكنية

منازل ذات أفنية للرهبان

مهاجع حجرية فردية للعبادة

مطبخ

مواقع دفن

تشير الدراسات إلى أن عدد الرهبان الذين عاشوا فيه كان يتراوح بين ثلاثين وأربعين راهبًا، عاشوا حياة عزلة وصلاة، بعيدًا عن صخب العالم الخارجي. وقد بُني المجمع حول قبر يُرجّح أنه لشخص ذي مكانة روحية مهمة، ربما مؤسس الدير نفسه.

كذلك كشفت اللقى الأثرية عن علاقات تجارية وثقافية مع مناطق بعيدة مثل العراق والهند والبحرين، ما يدل على أن هذا المجتمع لم يكن منعزلاً، بل كان جزءًا من شبكة تواصل واسعة عبر الخليج العربي.

الصليب المكتشف

من أهم الاكتشافات في الموقع العثور على صليب مسيحي من الجص يعود إلى القرنين السابع أو الثامن الميلاديين. وقد عُثر عليه داخل أحد المنازل ذات الأفنية، مؤكدًا أن هذه المساكن لم تكن عادية، بل مخصصة للرهبان الكبار الذين عاشوا في عزلة روحية قبل انضمامهم إلى الدير.

يمثل هذا الصليب دليلًا ماديًا مهمًا على عمق جذور المسيحية في الخليج العربي خلال تلك الفترة، ويوفر نافذة فريدة لفهم الحياة الروحية لسكان الجزيرة القدماء.

البيان الرسمي حول اكتشاف الصليب الاثري في موقع الدير

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- أعلنت دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي اكتشاف صليب أثري في موقع دير مسيحي يعود للقرنين السابع والثامن الميلاديين، ضمن أحدث عمليات التنقيب الأثري في جزيرة صير بني ياس، وفقًا لما ذكره الموقع الرسمي لمكتب أبوظبي الإعلامي في بيان الثلاثاء.

وفي مطلع يناير/كانون الثاني 2025، أطلقت دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي حملة تنقيب ميدانية في جزيرة صير بني ياس، عثرت خلالها على الصليب المصنوع من الجص، كان يستخدمه الرهبان في صلواتهم.

وأشار البيان إلى أنّ تصميم الصليب يُشبه أنماط الصلبان الموجودة في العراق والكويت، ويرتبط بالكنيسة الشرقية التي تعود أصولها إلى العراق القديم.

وأكّد رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، محمد خليفة المبارك، بحسب ما ورد في البيان: "يُجسّد اكتشاف الصليب الجصّي القديم في جزيرة صير بني ياس، دليلاً جديداً قوياً على تجذّر قِيم التعايش السلمي والانفتاح الثقافي في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قرون".

كما أضاف: " تؤكد الاكتشافات المستمرّة في جزيرة صير بني ياس، حتى بعد 30 عاماً من عمليات البحث والتنقيب، على غنى تراثنا الثقافي، ما يدفعنا إلى بذل المزيد من الجهود للحفاظ عليه بغية ضمان استمراريته وتوعية الأجيال الحالية والمُستقبلية به".

وفي العام 1992، أدّت الدراسة الأثرية ضمن برنامج المسح الأثري لجزيرة أبوظبي، إلى اكتشافات وأبحاث في تاريخ الإمارة القديم، واكتُشِفَت خلالها كنيسة ودير صير بني ياس اللذين يعود تاريخهما إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين. وكشفت أعمال التنقيب حينها عن سلسلة من منازل صغيرة لها فناء قرب الدير، وفُسّرت بأنها كانت منازل مُخصصة لتأمل الرهبان والعزلة.

وتتواصل حالياً جهود خبراء الآثار للبحث والتنقيب داخل هذه المنازل.

وتُعد جزيرة صير بني ياس من المناطق التي بُنيت عليها الكنائس والأديرة في تلك الفترة، حيث عُثِر على اكتشافات مماثلة في أم القيوين، والكويت، وإيران، والمملكة العربية السعودية.

وشهدت منطقة الخليج العربي انتشاراً للمسيحية بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، قبل انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وعاش المسيحيون والمسلمون معًا في الجزيرة حتى القرن الثامن الميلادي، إلى أن تم التخلي عن دير صير بني ياس سلميًا.

وتقع الكنيسة والدير حاليًا بين محميات الجزيرة الطبيعية حيث تجوب الغزلان والوبر البري، ما يقدّم لمحة عن تاريخ حياة الإمارة قديمًا، وفقًا للبيان.

وفي إطار جهود الترميم العام 2019، أُعيد افتتاح موقع كنيسة ودير صير بني ياس أمام الجمهور بعد تطوير المرافق والخدمات ووضع لوحات إرشادية وتعريفية بالموقع لإرشاد الزوار، إضافة إلى وجود مركزٍ للزوار في الموقع يستضيف معرضًا صغيراً للقطع الأثرية من الحفريات السابقة. انتهى البيان.

الأهمية التاريخية للموقع

يكشف دير صير بني ياس أن المسيحية كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي منذ القرن الرابع الميلادي، واستمرت حتى القرن الثامن، قبل أن تُترك تدريجيًا مع انتشار الإسلام في المنطقة.

كما يعكس الموقع طبيعة الخليج آنذاك كمنطقة التقاء للثقافات وطرق التجارة، حيث تعايشت ديانات ومعتقدات متعددة، وشهدت الجزيرة تواصلًا فكريًا وتجاريًا مع حضارات بعيدة.

خاتمة

يمثل دير صير بني ياس صفحة مهمة من التاريخ المنسي للخليج العربي، إذ يكشف عن مجتمع مسيحي عاش في هدوء على هذه الجزيرة النائية قبل أكثر من ألف عام. ومع استمرار أعمال التنقيب، يقدّم الموقع معلومات جديدة تساعد على فهم أعمق للتنوع الديني والثقافي الذي شهدته المنطقة عبر العصور.

بعد أن كانت الكنيسة والدير دفينة لقرون طويلة، جاء اكتشافها في أوائل التسعينات ليقدّم أول دليل معروف على وجود المسيحية في المنطقة، ويعد اليوم الموقع المسيحي الأثري الوحيد المعروف في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أظهرت المئات من القطع الأثرية في الموقع اعتماد السكان على البحر للحصول على الغذاء، إضافة إلى تربية الماشية والماعز، كما دلّت الزجاجيات والخزفيات على أن سكان الدير كانوا جزءًا من شبكة تجارية واسعة عبر الخليج العربي والمحيط الهندي.

اليوم، يمكن للزوار الاطلاع على هذا الموقع الأثري والتعرف على جزء من تاريخ دولة الإمارات، حيث يوفّر الدير دليلاً على الحياة الدينية والثقافية لمجتمع مسيحي عاش على الجزيرة منذ أكثر من ألف عام.

================

J. Bishop, Christian Monasteries of the Gulf: Archaeological Insights, 2023.

R. Carter, Early Christianity in Eastern Arabia, 2019.L. Smith, The Monastic Communities of the Church of the East, 2021.

P. Kennedy, Archaeology of Sir Bani Yas Island, 2020.M. O’Connor, Plaster Crosses and Christian Artifacts in the UAE, 2024.

H. Al-Tikriti, Trade and Religion in Pre-Islamic Arabia, 2018.

D. Wilkinson, Monasteries and Christian Settlements in the Arabian Peninsula, 2022.

A. Brown, Excavations at Sir Bani Yas: New Discoveries, 2025.

ليكــون للبركــة

Patricia Michael