هل صرّح المسيح يومًا أنه لن يُصلب وأن شخصًا آخر سيُصلب بدلًا منه؟
قراءة دفاعية نقدية في ضوء النصوص الإنجيلية
رغم أن فرضية “الشبيه” تُعد من أكثر الفرضيات التي خضعت للنقاش والبحث والردود النقدية عبر عقود طويلة، سواء على المستوى اللاهوتي أو التاريخي أو النصّي، فإنها ما تزال تعود إلى الظهور بين الحين والآخر في بعض الخطابات الجدلية المعاصرة، حيث يعمد البعض إلى إعادة ترديدها وتقديمها وكأنها طرح جديد لم يُناقش من قبل. ومع ذلك، فإن إعادة تداول الفكرة لا تعني بالضرورة قوتها العلمية أو التاريخية، خاصة في ظل استمرار الإشكالات النصية والمنطقية التي تواجهها، والتعارض الواضح بينها وبين الشهادات الإنجيلية المبكرة التي قدّمت صلب المسيح وقيامته باعتبارهما محور الرسالة المسيحية منذ بدايتها الأولى. ومن أبرز هذه الشهادات شهادة المسيح نفسه، بحسب النصوص الإنجيلية، إذ أعلن بصورة متكررة وواضحة عن آلامه وموته وقيامته قبل حدوثها، دون أي إشارة إلى نجاته من الصلب أو استبداله بشخص آخر.
تقوم فرضية “الشبيه” في جوهرها على افتراض أن السيد المسيح لم يُصلب، وأن شخصًا آخر أُلقي عليه الشبه ليُصلب عوضًا عنه. غير أنّ هذه الفرضية تصطدم بصورة مباشرة بالنصوص الإنجيلية ذاتها، وبالتصريحات المنسوبة إلى يسوع المسيح في الأناجيل، إذ لا تنقل هذه النصوص أي تصريح يفيد بأن المسيح لن يُصلب، أو أن شخصًا آخر سيقوم مقامه، بل على العكس تمامًا، تُظهره معلنًا بصورة متكررة وواضحة عن آلامه وموته وقيامته قبل وقوعها.
ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل صرّح يسوع المسيح في أي مرحلة من حياته بأنه لن يُصلب؟ وهل أعلن لتلاميذه أن شخصًا آخر سيُصلب بدلًا منه؟ وإن كان قد فعل ذلك، فأين ورد هذا التصريح بصورة صريحة ومباشرة؟ وأين هي الشهادة النصية التي تؤكد نجاته من الصلب أو استبداله بغيره؟
إن هذا التساؤل لا يقتصر على الجانب التاريخي فحسب، بل يمتد أيضًا إلى البعد اللاهوتي والأخلاقي لشخصية المسيح كما تقدمها الأناجيل.
فالمسيحيون بل وحتى عدد من غير المسيحيين، بمن فيهم خصوم المسيحية التاريخيين يقرّون بأن يسوع عُرف بالصدق والبر والطهارة الأخلاقية، وأنه لم يكن شخصية مخادعة أو مضلِّلة لتلاميذه أو للجماهير. ومن ثم، فإن قبول فرضية “الشبيه” يثير إشكالية جوهرية، لأنه يفترض ضمنًا أن المسيح أعلن لتلاميذه أمرًا، بينما كانت الحقيقة مختلفة تمامًا، الأمر الذي يخلق تعارضًا مباشرًا مع الصورة التي نقلتها عنه المصادر المسيحية المبكرة بوصفه صادقًا وأمينًا في أقواله وتعاليمه.
فالأناجيل تُظهر السيد المسيح معلنًا بوضوح أنه هو الذي سيتألم ويُسلَّم ويُقتل ثم يقوم في اليوم الثالث، دون أي إشارة إلى أن شخصًا آخر سيأخذ مكانه. وتحمل هذه التصريحات دلالة دفاعية بالغة الأهمية، لأنها تكشف أن المسيح بحسب الرواية الإنجيلية كان واعيًا ومستعداً بصورة كاملة لما سيحدث له، ولم يُظهر أي توقع لنجاته من الصلب أو لاستبداله بشخص آخر. بل إن فكرة الصليب ذاتها كانت جزءًا أساسيًا من تعليمه العلني لتلاميذه، ومن إعلانه المتكرر عن رسالته الخلاصية.
ومن الناحية النقدية، فإن فرضية “الشبيه” تواجه معضلة حقيقية؛ إذ لو كان المسيح يعلم أن شخصًا آخر سيُصلب بدلًا منه، لكانت تصريحاته لتلاميذه مضلِّلة بطبيعتها، لأنه أعلن لهم بصورة مباشرة أنه هو الذي سيتألم ويُقتل ثم يقوم. وهذا يتعارض مع الصورة التي تقدمها الأناجيل للمسيح بوصفه صادقًا في أقواله، أمينًا في إعلاناته، وواضحًا في كشف مقاصده لتلاميذه.
والذين يدّعون أن المصلوب كان شبيهًا بالمسيح وليس المسيح نفسه، تُطرح أمامهم مجموعة من التساؤلات التي تخاطب العقل والمنطق معًا:
كيف يهرب ويفزع من الموت من كان يهزم الموت بكلمة واحدة من فمه المبارك؟ وهل الذي يخاف من الموت هو نفسه الذي شجّع تلاميذه قائلًا:"وَلَا تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ." (مت 10: 28).
وإذا كان المصلوب شخصًا آخر غير السيد المسيح، فهل كان هذا الشخص سينطق بالكلمات السبع التي نطق بها المسيح على الصليب؟ وهل يمكن أن يحمل ذات الموقف الروحي واللاهوتي الذي أظهرته الرواية الإنجيلية أثناء أحداث الصلب؟
ومن أبرز الأدلة التي تؤكد هوية المصلوب، بحسب النص الإنجيلي، موقف المسيح ليلة القبض عليه. فالأناجيل لا تُظهره خائفًا أو محاولًا الهرب، بل خرج بنفسه لاستقبال الجنود والجمع المكلف بالقبض عليه. بل إن الرواية تذكر أن الذين جاءوا للقبض عليه هم الذين تراجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض عندما أعلن لهم هويته. وكانت الفرصة متاحة له — بحسب النص — أن يهرب إن أراد، لكنه لم يهرب ولم يختبئ، لأنه كان يرى أن هذه هي الساعة التي جاء لأجلها. بل انتظر حتى نهضوا من سقوطهم، ثم اشترط عليهم أن يتركوا التلاميذ يذهبون.
ويقول النص الإنجيلي:
"فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ يَسُوعُ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا»." (يو 18: 4-9).
ومن هنا يبرز سؤال منطقي آخر: هل من المعقول أن يرضى يسوع المسيح بأن يُسلَّم شخص آخر للصلب عوضًا عنه، وهو الذي قال:"لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا»." (يو 18: 9).
كما أن الأناجيل تُظهر المسيح صانعًا لمعجزات أقام بها موتى، وشفَى مرضى، وصنع أعمالًا عجز البشر عن الإتيان بمثلها. فإذا كان — بحسب هذا التصور — يريد النجاة بأي وسيلة، ألم يكن في مقدوره أن يمنع القبض عليه أصلًا؟ أو أن يُهلك الذين جاءوا للقبض عليه؟ أليس هذا — بحسب المنطق الداخلي للرواية الإنجيلية — أيسر من افتراض قصة “الشبيه”؟
ثم إن السيد المسيح، المعروف بقوة الحجة والإقناع، والذي كثيرًا ما أفحم خصومه وأسكتهم في الحوارات العلنية، ألم يكن قادرًا — لو أراد النجاة — على التفاهم معهم، أو التراجع عن إعلانه لهويته، أو الكف عن مواجهة قادتهم الدينيين؟ لكن الرواية الإنجيلية تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ تُظهره مصرًّا على إعلان ذاته حتى أمام رئيس الكهنة.
وهنا يبرز سؤال آخر يتعلق بجوهر شخصية المسيح كما تقدمها الأناجيل:هل يمكن للراعي الصالح، الذي قال:"كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ." (يو 10: 15). أن يطلب من أحد أتباعه أن يموت عوضًا عنه؟ وهل يتفق هذا مع صورة المسيح المضحي والباذل والمحب للجميع، الذي كان لا يحتمل أن يرى إنسانًا متألمًا دون أن يمد إليه يد العون والشفاء؟
فالواقع الذي يسجله الإنجيل ليلة القبض عليه يكشف العكس تمامًا، إذ قال:"أَجَابَ يَسُوعُ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ»." (يو 18: 8 ).أي إنه كان حريصًا على حماية تلاميذه لا على التضحية بهم.
كما تبرز إشكالية أخرى في فرضية “الشبيه”، وهي أنه إذا كان الله — بحسب هذا التصور — قد أخبر المسيح بأنه سينجيه ويرفعه حيًا، فما الداعي أصلًا لإلقاء الشبه على شخص آخر؟ ولماذا تُستخدم وسيلة تقوم على الخداع وإيهام الناس بأن المصلوب هو المسيح؟
وفي هذا السياق يقول القمص سرجيوس:«إذا كان الله تعالى قد أخبر السيد المسيح بأنه سينجيه من اليهود برفعه إلى السماء حيًا، فما الداعي لأن يلجأ المسيح إلى طريقة الغش والخداع ويُعرّض حياة أحد أتباعه للموت عوضًا عنه بلا داعٍ، فضلًا عن ظهوره بمظهر حب الذات والأنانية التي لا مبرر لها؟».
كما أن الأناجيل تنقل تصريح المسيح عن نفسه بصورة علنية أمام رئيس الكهنة، حين استحلفه بالله الحي قائلًا:«هل أنت المسيح ابن الله؟»فأجاب يسوع: «أنت قلت». ثم أضاف:«وأيضًا أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء».فعندئذ مزق رئيس الكهنة ثيابه قائلًا:«قد جدّف! ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ ها قد سمعتم تجديفه».فأجابوا قائلين:«إنه مستوجب الموت» (متى 26: 63-66).
إن هذا المشهد يُظهر أن المسيح لم يتراجع عن هويته أو يُنكرها طلبًا للنجاة، بل أعلنها بصورة صريحة رغم علمه بعواقب هذا الإعلان.
كما أن الأناجيل لا تُظهر المسيح رافضًا لفكرة الصليب أو معتبرًا إياه خطأً ينبغي تجنبه، بل تقدم الصليب باعتباره الجزء الاساسي من تتميم المشيئة الإلهية وخطة الخلاص. وحتى عندما حاول بطرس أن يمنعه من الذهاب إلى الصليب، انتهره المسيح بشدة، لأن رفض الصليب كان يعني — بحسب المفهوم الإنجيلي — رفض تتميم المقصد الخلاصي.
وفوق ذلك، فإن التلاميذ أنفسهم بعد أحداث الصلب لم يكرزوا إطلاقًا بفكرة “نجاة المسيح” أو “استبداله”، بل كانت رسالتهم الأساسية قائمة على الإعلان بأن المسيح قد صُلب وقام. وقد شكّل هذا الإعلان جوهر الكرازة المسيحية المبكرة ومحور الإيمان المسيحي منذ بداياته الأولى.
وعليه، فإن الادعاء بأن المسيح صرّح أو ألمح إلى أنه لن يُصلب يفتقر إلى أي سند نصّي مباشر، كما يتعارض مع مجمل الشهادات الإنجيلية التي قدّمت آلامه وموته وقيامته باعتبارها محورًا أساسيًا في رسالته. بل إن النصوص الإنجيلية تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ تُظهر المسيح معلنًا بصورة متكررة وواضحة أنه هو الذي سيتألم ويُصلب ويموت ثم يقوم، دون أي تلميح إلى وجود “شبيه” سيأخذ مكانه.
ومن ثم، فإن فرضية “الشبيه” لا تواجه فقط إشكالًا تاريخيًا، بل تصطدم أولًا بالنصوص الإنجيلية نفسها، وبالتصريحات الصريحة المنسوبة إلى السيد المسيح، والتي تؤكد علمه المسبق بآلامه وموته وقيامته، وإعلانه عنها بصورة مباشرة ومتكررة أمام تلاميذه. ولذلك، فإن أي قراءة نقدية منصفة للنصوص الإنجيلية تجد أن فكرة “الشبيه” ليست نابعة من داخل الرواية الإنجيلية ذاتها، بل مفروضة عليها من خارجها، وفي تعارض واضح مع بنيتها السردية واللاهوتية والأخلاقية.
ليكون للبركة