“وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ.“(رو8: 28)
القديس يوحنا الذهبي الفم
في هذا الجزء بتكلم الرسول بولس عن أولئك الذين يتعرضون للمخاطر، وليس هذا فقط، لكنه يشير أيضا إلى الأمور التي قيلت قبل هذا. لأن القول بأن “آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا ” وأن ” كل الخليقة تئن” وقوله: “بالرجاء خلصنا ” و” نتوقعه بالصبر” و” لسنا نعلم ما نصلي لأجله”. كل هذه الأقوال قيلت للذين يتعرضون للأخطار، فهو يعلمهم بألا يعطوا اهتماما أكثر للأشياء التي يعتقدون بأنها تحقق منفعة، بل يجب أن يفضلوا عليها الأمور التي هي بحسب الروح. خاصة وأن كثيرا من تلك الأمور التي تبدو لهؤلاء أنها نافعة تتسبب مرات كثيرة في حدوث خسارة كبيرة. إذا من الواضح أن الراحة، والتخلص من الأخطار، والحياة في أمان، هي التي يسعى إليها هؤلاء.
والمدهش أنه قد إتضح لهؤلاء أن الأمان ليس في طلب الراحة بالطريقة التي يتصورونها ـ وهذا ما حدث للمطوب بولس نفسه ـ لقد عرف فيما بعد ، أن الأمور النافعة هي في تتميم مشيئة الله، وإذ عرف هذا فقد امتثل لهذه المشيئة. وهو الذي تضرع إلى الله ثلاث مرات أن يخلصه من الآلام، لكن حين سمع الله يقول: ” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل” كان يسر عندما يطرد ويشتم ويعاني من آلام لا تشفى ولهذا قال ” أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات . و” لسنا نعلم ما نصلي لأجله”، ونصح الجميع بأن يسمحوا للروح القدس أن يتمم فيهم مشيئة الله. خاصة وأن الروح القدس يعتني بنا جدا.
إذن بعدما أعدهم بكل الطرق، أضاف ما سبق وقاله لكي يدفعهم إلى أن يكون لهم فكر مستقيم. لأنه ” نحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله “. لكن عندما يقول “كل” فهو يقصد تلك التي تبدو مؤلمة. لأنه سواء كانت ضيق، أم فقر، أم سجن، أم جوع، أم موت، أم أي شيء آخر يحل بنا، فإن الله قادر أن يحول كل هذا إلى العكس. لأن هذه هي قوته التي لا تُوصف، أي أن يجعل ما كان يبدو ثقيلاً، خفيفا لأجلنا، ويحوله لتثبيتنا. ولهذا تحديدا لم يقل إن الذين يحبون الله لا يصيبهم شيئا، بل إنها ” تعمل معا للخير” بمعنى إنه يستخدم هذه الأمور السيئة لمسرة من تكاد لهم الدسائس، وهذا ما يعد أعظم بكثير من أن يمنع الشرور من أن تأتي، أو أن يمحوها عندما تحدث ، هذا ما صنعه في أتون بابل (مع الفتية الثلاثة). لأنه لم يمنع إلقاءهم في الأتون، ولا أطفأ اللهب، عندما ألقوا بهؤلاء القديسين، بل تركهم يشاهدون المعجزة التي صنعها معهم في هذا الأتون.
وقد صنع معجزات مماثلة مع كل الرسل. فإن كان في مقدور أولئك الذين يسلكون بحكمة، أن يحولوا طبيعة الأمور إلى ما هو عكسها، إلا أنهم فضلوا أن يعيشوا في فقر، وبهذا صاروا أكثر غنى من الأغنياء، وأكثر بهاء منهم، رغم أنهم لم ينالوا تقديرا مناسبا، هكذا سيصنع الله مع أولئك الذين يحبونه، ليس مثل هذا فقط، بل وأكثر جدا من هذا . إذا الأمر يحتاج فقط إلى محبة حقيقية لله، وكل الأمور الأخرى ستتحقق. فتلك الأمور التي تبدو أنها ضارة لهؤلاء، هي في الحقيقة نافعة لهم، أما بالنسبة لأولئك الذين لا الله، فإن الأمور التي تبدو نافعة لهم، ستكون ضارة . إذا فقد سبب ظهور المعجزات، وأيضا فلسفة التعليم، واستقامة العقيدة، ضررا بالنسبة لليهود، فإنهم بسبب هذه المعجزات، زعموا أن الرب يصنعها بقوة الشيطان، بينما كان ينبغي أن يحدث العكس بسبب هذه المعجزات، ولأجل هذه المعجزات شرعوا في أن يقتلوه، أما اللص الذي صلب معه، والذي سمر، وأهين، وعاني شرورا كثيرة، فإنه لم يخسر مطلقا، بل بالحرى ربح الكثير يحبون جدا.
أرأيت كيف أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله؟ إذا بعدما تكلم عن هذا النعيم الوافر، الذي يفوق الطبيعة الإنسانية بكثير، والذي يبدو للكثيرين أن تحقيقه أمر مستحيل، هذا قد أكد عليه بقوله: “الذين هم مدعون حسب قصده “. إذا انتبه للدعوة التي قيلت. لماذا لم يدعو الجميع من البداية، ولا حتى بولس نفسه قد دعاه مع الآخرين مباشرة؟ ربما يبدو أن هذا التأجيل، كان غير نافع؟ كلا لقد أظهر العكس، من جهة الأمور ذاتها ، إن التأجيل كان مفيدا. لأن الله لا يريد أن يهب كل شيء في الدعوة ، فلو حدث هذا، لكان اليونانيون واليهود قد اختلفوا. إذا لو كانت الدعوة وحدها كافية، فلأي سبب لم يخلص الجميع؟ ولهذا يشرح الرسول بولس أن الأمر لا يتعلق بالدعوة فقط، بل أن إرادة أولئك المدعوين كان لها دور في الخلاص، لأن الدعوة لم تكن إجبارية ولا قهرية. فالمؤكد أن الجميع قد دعيوا ، لكن ليس الجميع أطاعوا.