حوليات سرجون الثاني: دليل أثري يؤكد صحة الوقائع الواردة في سفر إشعياء وسفر الملوك"
Patricia Michael
توافق مذهل بين النقوش الآشورية والنصوص المقدسة في وصف سقوط السامرة ( عاصمة مملكة إسرائيل الشمالية )وأشدود.
 
مقدمة
لطالما واجه الكتاب المقدّس تشكيكًا من بعض الباحثين المعاصرين، خاصة فيما يتعلّق بدقّته التاريخية. ومن بين الشخصيات التي أثارت جدلًا لفترة طويلة في هذا السياق، الملك الآشوري سرجون الثاني، الذي ورد ذكره في سفر إشعياء، رغم غيابه عن السجلات التاريخية المعروفة سابقًا. غير أن الاكتشافات الأثرية الحديثة غيّرت هذا التصوّر، حيث أكّدت في موضعين مستقلّين صحّة الرواية الكتابية، مؤكْدّة أن سرجون الثاني كان ملكًا حقيقيًا، وأن أفعاله تطابقت مع ما ورد في نصوص العهد القديم ، الأمر الذي يدعم مصداقية الرواية الكتابية في تفاصيلها التاريخية.
 
التأكيد الأثري الأول لسفر إشعياء بالإشارة إلى سرجون الثاني
 
الخلفية التاريخية والنص الكتابي:
المثير للاهتمام أن الملك الآشوري سرجون الثاني لم يكن معروفًا في السجلات التاريخية القديمة، وكان يُعرف فقط من خلال ذِكره في سفر إشعياء 20: 1:
"فِي السَّنَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا التَّرْتَانُ إِلَى أَشْدُودَ، حِينَ أَرْسَلَهُ سَرْجُونُ مَلِكُ أَشُّورَ، فَحَارَبَ أَشْدُودَ وَأَخَذَهَا."
ما المقصود بـ التَّرْتَانُ؟
 
المعنى اللغوي والوظيفي:
كلمة "تَرْتَان" ليست اسم شخص، بل لقب آشوري. وتعني القائد العام للجيش.
استخدم نقّاد الكتاب المقدّس هذا النص في ( سفر إشعياء 20 : 1)
لاتهامه بعدم الموثوقية التاريخية، على اعتبار أن اسم "سرجون" لم يكن ظاهرًا في قوائم ملوك آشور المعروفة في ذلك الوقت.
 
كانت أشدود إحدى المدن الفلسطينية الخمس الكبرى، وتقع قرب البحر المتوسّط، على بُعد نحو 30 كم شمال شرق غزة.
 
هذه المدينة كانت مركزًا تجاريًا وعسكريًا هامًا في تلك الحقبة، لما تتمتع به من موقع استراتيجي على طريق التجارة البحري والبري بين مصر وبلاد ما بين النهرين.
 
في عام 713 ق.م، خلال عهد الملك الآشوري سرجون الثاني، شهدت أشدود تمردًا على السلطة الآشورية بقيادة ملكها المحلي، الذي رفض الخضوع لهيمنة آشور ودفع الجزية المفروضة. ردّ سرجون الثاني على هذا التمرد بحملة عسكرية قاسية، حيث قام بحصار المدينة وأعاد فرض السيطرة عليها بالقوة. وقد وثقت النصوص الآشورية هذا الحدث بالتفصيل، مشيرة إلى أن سرجون الثاني دمّر أسوار المدينة وأعاد تنظيمها تحت حكمه المباشر، مما يبرهن على أهمية أشدود كقوة محلية وكموقع حيوي في الصراع بين الإمبراطورية الآشورية والكيانات المحلية في بلاد فلسطين آنذاك.
 
هذا الحدث التاريخي يتطابق مع ما ورد في سفر إشعياء في العهد القديم، مما يعزز دقة السرد الكتابي في نقل وقائع تلك الفترة.
 
الاكتشاف الأثري (عام 1963):
خلال التنقيبات التي أجريت في موقع أشدود عام 1963، عُثر على رفات حوالي 3,000 شخص قُتلوا في المعركة التي دارت بين قوات سرجون الثاني والمدينة، مما يدل على شدة العنف والدمار الذي حل بالمدينة أثناء الحصار. كما اكتُشفت ثلاثة أجزاء من مسلّة نصر منحوتة من البازلت، قيل إنها أقيمت في أشدود بأمر مباشر من الملك سرجون الثاني.
 
ويحمل النقش الموجود على المسلّة العبارة التالية:
"سرجون، ملك آشور، الذي فتح السامرة وكل منطقة إسرائيل، هو الذي سبى أشدود."
يُرجّح أن هذه المسلّة تمثل إعلانًا رسميًا لتوثيق انتصار سرجون الثاني في حملته العسكرية، وتأكيدًا لسلطته على المدن الخاضعة، بما فيها أشدود. وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه يؤكد بشكل قاطع وجود سرجون الثاني كملك فعلي في آشور، وأنه فعلاً أرسل قائده العسكري الذي قاد الهجوم وأسقط أشدود، وهو ما يتطابق بدقة مع ما ورد في النص الكتابي في سفر إشعياء، بما في ذلك ذكر اللقب الصحيح للقائد العسكري الذي أرسله سرجون.
التأكيد الأثري الثاني للكتاب المقدس بالإشارة إلى سرجون الثاني
 
الخلفية التاريخية والنص الكتابي
أصبح هوشع، ملك مملكة إسرائيل الشمالية، تابعًا للإمبراطورية الآشورية في عهد الملك تغلث فلاسر الثالث، الذي ذُكر اسمه في سفر الملوك الثاني (الإصحاحات 15 و16) كملك لآشور. استمر هذا الوضع حتى حكم شلمنأسر الخامس، الذي تولى العرش في الفترة من 727 إلى 722 قبل الميلاد.
خلال فترة حكمه، اكتشف شلمنأسر الخامس أن هوشع كان يسعى إلى كسر النفوذ الآشوري عن طريق التحالف مع سو (المعروف أيضًا بأوسركون الرابع)، فرعون مصر، في محاولة لاستعادة استقلال مملكته (انظر 2 ملوك 17: 3-4). ردًا على ذلك، قام شلمنأسر بفرض حصار طويل على عاصمة إسرائيل الشمالية، مدينة السامرة.
 
استمر الحصار لمدة ثلاث سنوات متواصلة، حتى انتهى بسقوط السامرة في يد الجيش الآشوري في شتاء عامي 722-721 قبل الميلاد، وهو الحدث الذي كان له تأثير بالغ في تاريخ إسرائيل، حيث تم سبي عدد كبير من سكان المملكة.
 
ومع ذلك، يشير السجل التاريخي إلى أن سرجون الثاني هو الذي أعلن رسميًا عن نجاح الحملة وسقوط السامرة، ربما بعد أن استولى على العرش في عام 721 قبل الميلاد عبر تمرد أو صراع على السلطة. وقد وثقت سجلاته الملكية هذا الانتصار بشكل مفصل، مؤكدًا دوره في إنهاء حكم مملكة الشمال وبدء حقبة جديدة من السيطرة الآشور
 
النصوص الكتابية:
(2 مل 17: 3-4)
"وَصَعِدَ عَلَيْهِ شَلْمَنْأَسَرُ مَلِكُ أَشُّورَ، فَصَارَ لَهُ هُوشَعُ عَبْدًا وَدَفَعَ لَهُ جِزْيَةً. وَوَجَدَ مَلِكُ أَشُّورَ فِي هُوشَعَ خِيَانَةً، لأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلًا إِلَى سَوَا مَلِكِ مِصْرَ، وَلَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ حَسَبَ كُلِّ سَنَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ مَلِكُ أَشُّورَ وَأَوْثَقَهُ فِي السِّجْنِ." .
 
(2 مل 17: 5-6)
5 وَصَعِدَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّامِرَةِ وَحَاصَرَهَا ثَلاَثَ سِنِينَ.
6 فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِهُوشَعَ أَخَذَ مَلِكُ أَشُّورَ السَّامِرَةَ، وَسَبَى إِسْرَائِيلَ إِلَى أَشُّورَ وَأَسْكَنَهُمْ فِي حَلَحَ وَخَابُورَ نَهْرِ جُوزَانَ وَفِي مُدُنِ مَادِي.
 
(2 مل 17: 24)
24 وَأَتَى مَلِكُ أَشُّورَ بِقَوْمٍ مِنْ بَابِلَ وَكُوثَ وَعَوَّا وَحَمَاةَ وَسَفَرْوَايِمَ، وَأَسْكَنَهُمْ فِي مُدُنِ السَّامِرَةِ عِوَضًا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَامْتَلَكُوا السَّامِرَةَ وَسَكَنُوا فِي مُدُنِهَا.
هذا الاستبدال الجزئي للسامريين بأقوام أُمميين (غرباء) هو السبب في أن اليهود في زمن يسوع كانوا يكرهون السامريين ويعتبرونهم "أنصاف يهود"، ومن هنا جاءت خلفية مَثَل يسوع عن "السامري الصالح".
 
حوليّات سرجون الثاني
في ربيع عام 1843، قام كلٌّ من بول-إميل بوتا (1802–1870)Paul-Emile Botta ويوجين فلاندين Eugene Flandin (1809-1876) بالتنقيب في عاصمة سرجون "خورسباد" Korsabad ، بتكليف من متحف اللوفر في باريس، وذلك ضمن بعثة أثرية تهدف إلى جمع ونقل المكتشفات القديمة لعرضها في المتحف." ومن بين النقوش التي عُثر عليها، كانت حوليات الملك سرجون الثاني.
تمّ نشر اكتشاف اللوح الظاهر في الصورة لأول مرة سنة 1849، وتمّت ترجمته الكاملة الأولى على يد هوجو وينكلر سنة 1889
 
وقد ورد في نصّه جزئيًا ما يلي:
"في بداية حكمّي الملكي، حاصرتُ مدينة السامريين وغزوتُها... (سطران مفقودان) [من أجل الإله...] الذي مكّنني من تحقيق هذا الانتصار... سَبيْتُ [27,290 من سكانها، وجهّزتُ منهم (جنودًا لتسيير)] خمسين عربة حربية لخدمة الفيلق الملكي التابع لي... ... أعدتُ بناء المدينة على نحوٍ أفضل مما كانت عليه، وأسكنتُ فيها أقوامًا من البلدان التي كنتُ قد أخضعتها. وعيّنتُ عليها أحد ضباطي ليكون حاكمًا، وفرضتُ عليهم الجزية، على النحو المتّبع مع رعايا آشور."
 
(Nimrud Prism IV 25-41)
(نقش مسلة نمرود، العمود الرابع، السطور 25–41)
 
اهمية هذه الحوليّات:
تؤكّد حوليّات سرجون الثاني صحّة الرواية الكتابية بشأن سقوط مملكة إسرائيل، بما في ذلك سبي بني إسرائيل وإعادة توطين مدينة السامرة بشعوب أجنبية (أممية).
 
الخاتمة
في كلا الحدثين، تبيّن أن ما وَرَدَ في الكتاب المقدس عن الوقائع التي جرت في عهد الملك الآشوري سرجون، كانت دقيقة وصحيحة — حتى في أدق التفاصيل.
 
ليكون للبركة
Patricia Michael
 
[1] Archaeology Study Bible, ESV, Crossway,2017, page 987.
[2] The NIV Study Bible, Zondervan Bible Publishers, 1985, Footnote, page 555.

[3] David E Graves, The Archaeology of the Old Testament, Electronic Christian Media, 2019, page 177.