مجمع كفرناحوم: حيث صنع السيد المسيح المعجزات وعلّم

Patricia Michael

هناك العديد من المواقع الأثرية التي تقدّم صلة وثيقة مثل هذه بين السِّجل الكتابي والتاريخ الملموس كما هو الحال مع مجمع كفرناحوم (Capernaum Synagogue). فقد ذُكر هذا المجمع مرارًا في الأناجيل كمكان محوري لتعليم السيد المسيح وصنعه المعجزات، وقد خضع لدراسات دقيقة على مدى ما يقرب من قرنين من الزمان، وأفضت الاكتشافات فيه إلى تأكيد قوي لموثوقية العهد الجديد.

لفتت أطلال المجمع الأنظار الحديثة لأول مرة سنة 1838، حين لاحظ المستكشف الأمريكي إدوارد روبنسون (Edward Robinson) بقاياه أثناء تجواله في الجليل. وبعد جيل من ذلك، في سنة 1866، حدّد المسّاح البريطاني الكابتن تشارلز وليم ويلسون (Captain Charles William Wilson) بشكل صحيح أن الأطلال في موقع "تل حوم" (Tel Hum) تعود إلى بلدة كفرناحوم القديمة. وإدراكًا لأهمية المكان، قامت الرهبنة الفرنسيسكانية في الأراضي المقدسة (Franciscan Custody of the Holy Land) بشراء الموقع سنة 1894 من أجل حمايته والحفاظ عليه.

بدأت الحفريات المنهجية سنة 1905 على يد عالمَي الآثار الألمانيَّين هاينريش كول (Heinrich Kohl) وكارل فاتسينغر (Carl Watzinger)، حيث درسا البقايا الظاهرة للمجمع الكبير المبني من الحجر الجيري الأبيض. وفي العقود اللاحقة واصل عالما الآثار الفرنسيسكانيان فندلين فون بيدن (Vendelin von Benden) وغاودينزيو أورفالي (Gaudenzio Orfali) أعمال التنقيب والترميم، مساهمين في الحفاظ على ما يمكن للزوار مشاهدته اليوم.

غير أنّ الاكتشافات الأكثر أهمية جاءت سنة 1968، حين كشف فيرجيليو كوربو (Virgilio Corbo) وستانيسلاو لوفرِدّا (Stanislao Loffreda) من المدرسة الكتابية الفرنسيسكانية (Studium Biblicum Franciscanum) عن أسس مبنى أقدم بكثير مباشرة تحت المجمع الجيري. كانت هذه الأساسات مبنيّة من حجر البازلت الأسود، وقد تم تأريخها بشكل دقيق إلى القرن الأول الميلادي بواسطة شظايا الفخار والعملات التي عُثر عليها تحت الأرضيات. وهذا المجمع الأقدم هو الذي كان قائمًا في كفرناحوم في زمن يسوع.

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في بُعده العميق. فالأناجيل تصف كفرناحوم بأنها مركز خدمة يسوع بعد أن ترك الناصرة (متى 4: 13). في (مرقس 1) و(لوقا 4) يُصوَّر يسوع وهو يعلّم في مجمع كفرناحوم، مبهراً الشعب بسلطانه وطاردًا روحًا نجسًا. وفي (لوقا 6) شفى رجلاً يده يابسة في المكان نفسه، وفي (يوحنا 6) ألقى خطاب "خبز الحياة" هناك. إن أساسات البازلت المكتشفة تحت المجمع اللاحق تمثل صلة أثرية مباشرة بهذه الأحداث، وتُظهر أن روايات الأناجيل جرت في مجمع حقيقي من القرن الأول ما تزال بقاياه ماثلة حتى اليوم.

أما المجمع اللاحق المصنوع من الحجر الجيري الأبيض، والذي بُني في القرن الرابع أو الخامس الميلادي، فقد أُقيم عمدًا فوق أساسات البازلت. كانت هذه ممارسة شائعة في العصور القديمة، إذ يُحافظ على قداسة الموقع بإعادة البناء على نفس الأساس. إن هذا الاستمرار في البناء يبرز الأهمية المتواصلة للمكان ويُشير بقوة إلى أن ذكرى خدمة يسوع في ذلك المجمع قد حُفظت في وعي الجماعة المحلية.

وبناءً على ذلك، فإن الأدلة الأثرية والسجل الكتابي معًا يقودان إلى الاستنتاج ذاته: مجمع كفرناحوم لم يكن موجودًا فقط، بل كان أيضًا محوريًا في خدمة يسوع. واليوم يستطيع الحجاج والعلماء السير بين الأطلال، والتأمل في جدران الحجر الجيري الأبيض للمجمع اللاحق، والنظر إلى حجارة البازلت السوداء التي شكّلت أساس المجمع في زمن يسوع. هذه الحجارة تمثل شهادة ملموسة وقوية على أن الأحداث المدوّنة في الأناجيل لم تكن أساطير أو خرافات، بل تاريخًا متجذرًا في تراب الجليل.

إن مجمع كفرناحوم يمثل نقطة التقاء فريدة بين النص الكتابي والأثر التاريخي؛ فالحجارة البازلتية التي تعود للقرن الأول الميلادي تشهد على وجود مجمع عاصر يسوع، والأناجيل بدورها توثّق خدمته وتعليمه ومعجزاته في ذلك الموضع. وهكذا، فإن الموقع لا يقدّم مجرد أطلال قديمة، بل شهادة حيّة تؤكد أن روايات العهد الجديد متجذّرة في واقع تاريخي ملموس.

The Synagogue of Capernaum: Where Jesus Performed Miracles and Taught

ليكون للبركة

Patricia Michael