"وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»." (أع 4: 12).
Patricia Michael
قدم بطرس الرسول في هذا النص جوهر الإيمان المسيحي ، وهو أن الخلاص لا يتحقق بحرفية الناموس، وإنما بالإيمان باسم يسوع المسيح، أي بالقادر وحده أن يخلص: يمحو الخطايا، ويهب البرّ، يحول آلام الضيق إلى بهجة قيامة، يرفع القلب إلى السماء، ليتذوق المؤمن عربون الأبدية. يحطم متاريس الهاوية، ويفتح أمامنا أحضان الآب السماوي، لنتمتع بالاتحاد معه.
هذا النص من أكثر النصوص الكتابية وضوحًا في التأكيد على حصرية الخلاص بيسوع المسيح.
تصريح قوي لبطرس الرسول أمام رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع بعد شفائه للرجل الكسيح عند باب الهيكل وخطابه للجموع التي شاهدت الحدث كما ورد في الفصل الثالث من اعمال الرسل ، هذه كانت من المعجزات التي وهبها الروح القدس للرسل ليتمموها باسم يسوع المصلوب .
لم يكن من السهل أن يرى الكهنة والصدوقيون أن جماعة من الجليليين يحتلوا مركز التعليم بقوةٍ ونجاحٍ، وهم لا ينتمون إلى الكهنة ولا إلى القيادات الدينية. حسبوا هذا تحديًا وتمردًا على السلطات الدينية. الامر الذي ازعج رؤساء الكهنة وقبضوا على بطرس ويوحنا , لم يشغلهم البحث عن ما وراء هذه المعجزة الفائقة وغيرها، وإنما كان يشغلهم سلطانهم الديني، وشعبيتهم التي صارت في وضعٍ حرجٍ. هذا ولم يكن ممكنًا لهم أن يسمعوا عن قيامة يسوع المسيح من الأموات.ألقوا القبض على التلميذين وهما يخاطبان الشعب، ووضعوهما في السجن لمحاكمتهما في اليوم التالي.
في اليوم التالي استدعوا التلميذين وبدأوا في استجوابهما : "بأية قوة، وبأي اسم صنعتما أنتما هذا؟
لم يكن ممكنًا لتلك القيادات أن ينكروا صنع المعجزة، فإن آلاف مؤلفة تشهد بها، ولا يمكن إخفائها، لكنهم كالعادة غايتهم تحويل الحق إلى باطل، فينسبوا الشفاء إلى بعلزبول رئيس الشياطين كما اتهموا السيد قبلًا، أو لقوة سحريةٍ، ولعلهم ظنوا أن بالتهديد يضطر التلاميذ أن ينسبوا العمل لأحد أنبياء العهد القديم او يهربوا او يغلقوا افواههم .
تحدثوا معهما في شيء من السخرية، فإن النص اليوناني الذي ترجمته: "بأي اسم صنع مثلكما هذا؟" يحمل معنى "أنتما لا تنتميان إلى الكهنة، ولا إلى سبط لاوي، ولستما نبيين، ولا من القادة، فبأي سلطان تفعلان هذا؟ من أين أتيتما بالقوة؟ وتحت أي اسم تتجاسران وتفعلان هذا؟"
إنهم يعرفون تمامًا أنه باسم يسوع الناصري وبسلطانه وقوته فعلا هذا، لكنهم أرادوا أن يبثوا روح الرعب فيهما، ويلفقان لهما اتهامًا أنهما يعملان باسمٍ غير شرعيٍ، وأنهما يرتكبان جريمة ضد الله والناموس وموسى.
"حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس، ورد عليهم،لقد حقق الرب وعده لتلاميذه: "فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا، لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو 21: 14-15). كما وعدهم بأن الروح القدس يعطيهم كلمة عند مقاومتهم.
بقوله "باسم يسوع المسيح"، أي يربط الاسمين معًا، يتحدى مجمع السنهدرين الذي يرفض أن يكون يسوع هو المسيا الذي تنبأ عنه رجال العهد القديم، والذي تشتهي كل الأجيال اللقاء معه.
* في حكمة الروح القدس يكشف بجرأة أن حكمهم باطل، فقد قتلوا البار، وأن حكم الله الآب القدير لا يُقاوم إذ أقامه من الأموات. فقد نقضت السماء حكمهم، وكشفت عن فسادهم كقتلة مملوءين حسدًا وغيرة.
وقف بطرس الرسول يدعو رجال العلم والمعرفة الدينية والسلطة إلى التوبة والتمتع بالخلاص.
رفعهم الرسول بطرس من الانشغال بشفاء الكسيح إلى شفاء نفوسهم العاجزة عن العبور إلى السماء، أو خلاصها لتتمتع بالمجد المُعد للمؤمنين. هذا الذي شفى الكسيح هو طبيب النفوس والأجساد، باسمه وحده ينعم الإنسان بالخلاص. ليس من وجهٍ للمقارنة بين الأسماء التي عرفوها واعتزوا بها مثل إبراهيم أب الآباء أو موسى مستلم الشريعة أو أحد الأنبياء، فإنه ليس أحد منهم قادرًا أن يخلص النفوس من الفساد وينعم عليها بالمجد، إنما اسم ذاك الذي رفضوه واحتقروه وقتلوه.
في شجاعة بعمل الروح القدس يعلن بطرس الرسول لهم بل وأمام جميع شعب إسرائيل، أن ما حدث هو بقوة يسوع المسيح الناصري وباسمه و اظهر لهم جوهر الايمان المسيحي وحصرية الخلاص في شخص يسوع المسيح.
"وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ»." (أع 4: 12).
تؤكد هذه الآية على حصرية الخلاص في شخص يسوع المسيح، وهي محور أساسي في الدفاعيات المسيحية. بطرس الرسول وبكل قوةٍ يشهد لاسم يسوع المسيح الناصري المصلوب والقائم من الأموات. إنه يعلن أن الذي قتلوه هو الحي غالب الموت، الذي يملك وليس من يقدر أن يقاومه.
يمكن تحليل هذا النص من خلال عدة محاور لاهوتية ودفاعية:
1. حصرية المسيح كوسيط للخلاص
تشير الآية إلى أنه "ليس بأحد غيره الخلاص"، مما يعني أن الخلاص لا يمكن أن يتم إلا من خلال يسوع المسيح، فهو الطريق والحق والحياة . وبالتالي هذه العقيدة تتناقض مع النظرات الدينية التعددية (Religious Pluralism) التي تدّعي أن هناك طرقًا متعددة للخلاص.
2. تفرد اسم يسوع كمصدر للخلاص
"لأن ليس اسم آخر تحت السماء، قد أُعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص"، تعبير "ليس اسم آخر" يشير إلى تفرد سلطان المسيح، مما يدعم الرؤية اللاهوتية التي ترى في المسيح الطريق الوحيد للخلاص.
هذا النص يرتبط بما قاله المسيح نفسه في يوحنا 14: 6: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي."
3. الرد على الفكر الإنساني القائل بقدرة الإنسان على تحقيق الخلاص الذاتي
يؤكد النص أن الخلاص هو عطية إلهية، وليس نتاجًا للأعمال البشرية، مما يتناقض مع بعض التيارات الفلسفية التي تروج لفكرة الخلاص الذاتي عبر الأخلاق أو المعرفة.
4. دور اسم المسيح في العهد الجديد
في الفكر اليهودي، كان "الاسم" يحمل دلالات القوة والسلطان، لذا فإن ذكر اسم يسوع في هذه الآية يعني الاعتراف به كالمسيا الموعود، الذي يتم به الخلاص.في الدفاعيات المسيحية، تُستخدم هذه الآية للرد على الادعاءات بأن المسيح مجرد نبي أو معلم أخلاقي، إذ تؤكد أنه الوسيط الوحيد للخلاص.
5. حصرية الخلاص بالمسيح في مواجهة العقائد الأخرى
هذه الآية تعد نقطة حوارية رئيسية عند مناقشة الفكر مع الاديان الاخرى ، التي ترى أن الأعمال الصالحة فقط كافية دون وساطة دم المسيح.كما أنها تواجه الاتجاهات الفلسفية الحديثة التي تدعو إلى النسبية الدينية وتساوي جميع الأديان في إمكانية تحقيق الخلاص.
6. آية أعمال الرسل 4: 12 تشكل حجر الزاوية في الدفاعيات المسيحية حول حصرية المسيح كوسيط للخلاص، وهي ضرورية في الحوار اللاهوتي مع الأديان الأخرى، وكذلك في الرد على التيارات الفكرية التي تحاول إنكار تفرد المسيح كالمخلص الوحيد.
ومن وجهة النظر الابائية حول هذا النص :
يقول القديس اكليمندس السكندري
* أني أحثك على الخلاص، هذا ما يشتهيه المسيح.
* سخي هو ذاك الذي يهبنا أعظم كل العطايا، حياته ذاتها(201).
* من هو؟ تعلموا باختصار، إنه كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يجدد الإنسان إذ يرده إلى الحق. إنه المهماز الذي يحث على الخلاص. هو محطم الهلاك، وطارد الموت. أنه يبني هيكل اللّه في الناس، فيأخذهم للّه مسكنًا له.
يحتاج المرضى إلى مخلص،
ويحتاج الضالون إلى مرشد،
يحتاج العميان إلى من يقودهم إلى النور،
والعطاش إلى الينبوع الحيَّ الذي من يشرب منه لا يعطش أبدًا والموتى إلى الحياة،
والخراف إلى راعي،
والأبناء إلى معلم؛
تحتاج كل البشرية إلى يسوع!(202)
(201) Paedagogus 1:9.(202) Paed. 2:9.
ويقول القديس جيروم :
* ليكن المسيح هو كل شيء. من يترك كل شيء من أجل المسيح، حتمًا يجد أمرًا واحدًا فيه الكل، لكي يصرخ: نصيبي هو الرب(203).
(203)Ep. ad Pammachium PL 22:1206.
تفاسير الكتاب المقدس
ليكون للبركة
Patricia Michael