اكتشاف كتابات مسيحية على جدران سجن روماني قديم في كورنثوس
Patricia Michael
سلّطت الأبحاث الأثرية الحديثة الضوء على مبنى داخل الساحة المركزية للمدينة الرومانية القديمة في كورنثوس (المعروفة باسم المنتدى الروماني)، والتي كانت تضم المقار الإدارية، والمحاكم، والمعابد، وغيرها من المرافق العامة. وقد أُعيد تحديد هذا المبنى كموقع لسجن روماني يعود إلى أكثر من 1600 عام. فقد نُقشت على أرضيته وجدرانه الحجرية مجموعة مدهشة من الكتابات الجدارية (الغرافيتي)، تُقدّم صورة مؤثرة عن المعاناة والرجاء والإيمان لأولئك الذين احتُجزوا فيه يومًا ما—ويُرجّح أن العديد منهم كانوا من المسيحيين المسجونين بسبب إيمانهم.
تم تحديد هوية هذا الموقع على أنه سجن من خلال عمل عالم الآثار ماثيو لارسن Matthew Larsen ، الذي أعاد فحص سجلات الحفريات القديمة التي تعود إلى عام 1901، ودمجها مع الأساليب الأثرية الحديثة. وكان العنصر المحوري في اكتشافاته هو هذه الكتابات الجدارية نفسها—التي جاءت بسيطة من حيث الشكل لكنها قوية من حيث الرسالة، إذ تعكس تقوى روحية وشعورًا يائسًا، كاشفة عن قسوة الحياة داخل السجون في أواخر العهد الروماني.
وتتضمّن هذه النقوش رموزًا ورسائل مسيحية واضحة، ما يدلّ على أن بعض المسجونين كانوا بالفعل من المؤمنين الذين يتحملون الاضطهاد من أجل إيمانهم. وهذا يتماشى مع السياق التاريخي: إذ كانت كورنثوس مركزًا رئيسيًا للمسيحية الأولى، حيث عاش الرسول بولس وبشّر، وكتب رسالتين إلى الكنيسة هناك (أعمال الرسل 18).
وتشمل العلامات المسيحية المنقوشة ما يلي:
1- ☧ Chi-Rho — رمز مسيحي مبكر يتكوّن من الحرفين الأولين من كلمة "المسيح" باليونانية (Χριστός)، وهما Χ (خي) وΡ (رو).
2- ΙΧΘΥΣ (Ichthys)
هذه الكلمة تعني "سمكة" باليونانية. وهي اختصار للايمان المسيحي: "يسوع المسيح، ابن الله، المخلّص" (Ιησοῦς Χριστός, Θεοῦ Υἱός, Σωτήρ).
كانت رمزًا سريًا استخدمه المسيحيون الأوائل في أوقات الاضطهاد.
3- صلبان وإشارات إلى المسيح
الصليب هو الرمز المركزي للمسيحية، ويرمز إلى صلب المسيح وقيامته.
تكرار الصلبان في الغرافيتي يشير إلى الإيمان القوي والتذكير بالتضحية والفداء.
4- Α وΩ (ألفا وأوميغا) (Alpha and Omega)
رمزان للمسيح باعتباره البداية والنهاية كما ورد في الكتاب المقدس
"أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ»." (رؤ 22: 13).
بعض هذه النقوش بدائيّ من حيث الأسلوب، مما يُشير إلى أنها كُتبت بأيدي السجناء أنفسهم، وليس من قِبَل زوار أو حجاج أتوا بعد ذلك بقرون. وتتضمن الرسومات:
-صلبان على تلال، يُرجّح أنها تشير إلى الجلجثة.
-رسومات بسيطة لأسماك.
-دعوات قصيرة مثل: "يا رب ارحم".
وقد كُتبت معظم النقوش باللغة اليونانية، وتعكس مجموعة مؤثرة من المشاعر الإنسانية: الغضب، والحزن، والاشتياق، والإيمان الثابت. ويعبّر بعضها عن الألم الإنساني والرغبة في العدل، نتيجة الظلم والمعاملة القاسية التي تعرّض لها السجناء المسيحيون ، ومن الامثلة على تلك الكتابات:
-"يا رب، اقتصّ منهم بعدلك."
-"يا حاملة الإله، جازي مارينوس الذي ألقانا هنا وجعلنا نقضي الشتاء في هذا المكان."تعبير "يا حاملة الإله" هو ترجمة للقب اليوناني Θεοτόκος (Theotokos)
بينما تحمل رسائل أخرى طابعًا شخصيًا وروحيًا عميقًا، متضرعة إلى المسيح من أجل الإنقاذ والحماية:
-" ايها الرب الاله والعدل الطاهر، أطلق من هذا المكان الأخوين. أيها المسيح، احفظ بوديس ويوحنا معاً ".
إن هذه النقوش تُقدّم لمحة نادرة وإنسانية عن حياة السجناء المسيحيين في العالم القديم. فهؤلاء لم يكونوا ضحايا صامتين للإمبراطورية، بل ما زالت أصواتهم تتردد—منقوشة في الحجر—بصدق مؤلم ورجاء راسخ في المسيح. يُعدّ هذا الموقع من بين المواقع القليلة التي تبرز فيها نقوش مسيحية بكثافة عالية في سجون العصر الروماني.ما يجعله رابطًا فريدًا بين الإيمان والاضطهاد والثبات في العصور القديمة.
ليكون للبركة