إشعار ضريبي كتابي: العثور على أول نقش آشوري على الإطلاق بالقرب من جبل الهيكل في القدس

Patricia Michael

تواصل الاكتشافات الأثرية الحديثة تسليط الضوء على عمق التراث التاريخي والديني في أرض فلسطين القديمة، مؤكدةً أن النصوص الكتابية لا تنفصل عن الواقع التاريخي. ومؤخرًا، جاء إعلان جديد من "هيئة الآثار الإسرائيلية" (Israel Antiquities Authority - IAA) ليضيف دليلاً أثريًا نادرًا يعزز الرواية التوراتية عن ملك يهوذا "حزقيا" (Hezekiah).

قطعة فخارية عمرها 2700 عام تشير إلى أن يهوذا تأخرت في دفع الجزية للإمبراطورية، مما يعكس الأحداث الموصوفة في سفر الملوك الثاني

في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 2025، أعلنت هيئة الآثار الإسرائيلية (IAA) عن اكتشاف جزء أثري صغير يعود إلى العصر الآشوري، وهو قطعة فخارية عمرها نحو 2700 عام، منقوشة بالخط المسماري الأكدي (Akkadian cuneiform)، عُثر عليها بالقرب من جبل الهيكل في القدس (Temple Mount)، أثناء مشروع الغربلة الرطبة في "عين تسوريم" (Emek Tzurim) ، وهو مشروع أثري يُستخدم فيه الماء أثناء عملية الغربلة لفصل التربة واستخراج اللقى الدقيقة التي قد يصعب العثور عليها بالطرق التقليدية.

تم العثور على القطعة الأثرية في التراب الذي أُزيل من حفريات أُجريت في متنزه ديفيدسون الأثري Davidson Archaeological Park بجوار الحائط الغربي، وذلك في مشروع مشترك بين هيئة الآثار الإسرائيلية ومؤسسة “مدينة داود”.

وفقًا للخبراء الذين درسوها، يُرجّح أن النقش كان بمثابة إشعار ضريبي من الإمبراطور الآشوري إلى ملك يهوذا، بما يذكّر بالوصف الكتابي لكيفية خضوع مملكة يهوذا للإمبراطورية القوية بعد تدمير مملكة إسرائيل المجاورة

تبلغ مساحة هذه القطعة الفخارية الصغيرة نحو 2.5 سنتيمتر فقط، ويُقدّر تاريخها بحوالي عام 700 قبل الميلاد، أي في الفترة نفسها التي حكم فيها الملك حزقيا (King Hezekiah). وقد تبيّن أن النقش يحتوي على مطالبة واضحة بدفع الجزية في اليوم الأول من شهر آب العبري، موجّهة إلى "ملك يهوذا" غير مُسمّى بالاسم. تتطابق هذه الإشارة مع ما ورد في سفر الملوك الثاني (18 : 7 - 19 ) ، حيث يصف الكتاب رفض حزقيا دفع الجزية لملك آشور، وتدخل الله العجيب لإنقاذ أورشليم، إذ يذكر النص أن "ملاك الرب" ضرب 185,000 من جنود الآشوريين، فنجت المدينة وتمّت وعود الله بحمايتها.

يقول الدكتور بيتر زيلبرغ (Dr. Peter Zilberg) من جامعة بار-إيلان (Bar-Ilan University)، وهو متخصص في علم الآشوريات:

“يُحتمل أن تكون القطعة جزءًا من ختم ملكي منقوش (بُلاّ)، كان يُستخدم كملخص قصير لمحتوى الوثيقة التي كان يغلقها. العديد من هذه الأختام المنقوشة كانت تغلق وثائق رسمية أو رسائل موجهة إلى شخصيات رفيعة.”

وقد قُدّر عمر النقش بين نهاية القرن الثامن ومنتصف القرن السابع قبل الميلاد، استنادًا إلى الأسلوب واللغة المستخدمة.

وقال زيلبرغ:

“كانت فترة مضطربة. لدينا تمرد حزقيا (Hezekiah) ضد الملك الآشوري سنحاريب (Sennacherib). لقد تأخر حزقيا في دفع الضرائب لفترة معينة، مما دفع سنحاريب إلى الزحف نحو القدس (Jerusalem).”

تُسرد الحملة العسكرية ونتائجها المالية في كل من الكتاب المقدس والمصادر الآشورية. وجاء في سفر الملوك الثاني (II Kings) (18: 13–14):

وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ حَزَقِيَّا،صَعِدَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى جَمِيعِ مُدُنِ يَهُوذَا الْحَصِينَةِ وَأَخَذَهَا. وَأَرْسَلَ حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ إِلَى لَخِيشَ يَقُولُ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. ارْجعْ عَنِّي، وَمَهْمَا جَعَلْتَ عَلَيَّ حَمَلْتُهُ». فَوَضَعَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا ثَلاَثَ مِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَثَلاَثِينَ وَزْنَةً مِنَ الذَّهَبِ."

كما وُثقت هذه الحملة والجزية الباهظة في ما يُعرف بـ “منشورات سنحاريب” — أسطوانات طينية منقوشة تروي بالتفصيل إنجازات الملك.

وقال زيلبرغ إن الجزء الذي قد يحمل تاريخ النقش مفقود، إذ كُسر من القطعة الفخارية، مضيفًا أن مثل هذه الحوادث ربما تكررت في عهد ملوك يهوذا الذين خلفوا حزقيا.

وأضاف:

“ومع ذلك، فإن النقش يردد صدى القصة الكتابية عن تأخير دفع الضرائب للآشوريين، وهذا أمر بالغ الأهمية. إنه إضافة رائعة إلى تاريخ العلاقات بين يهوذا (Judah) وآشور (Assyria).”

وأشار إلى أن الوثائق التي عُثر عليها في آشور نفسها كانت تشير إلى وجود مبعوثين وتجار يهوذا في البلاط الآشوري، “لكننا الآن لأول مرة نمتلك دليلاً من القدس نفسها، لا من آشور.”

وأعرب زيلبرغ عن أمله في أن يتمكن علماء الآثار من العثور على جزء آخر من النقش مستقبلًا، مضيفًا أن الختم اكتُشف إلى جانب “قطع مذهلة أخرى سيتم نشرها قريبًا”.

وختم زيلبرغ قائلاً:

“لدينا هنا تلاقي علم الآثار والتاريخ والعلم. هذه القطعة الأثرية مهمة للغاية لأنها تربط تاريخ أرض إسرائيل بالكتاب المقدس وتاريخ الشرق الأدنى القديم بأكمله. بالنسبة لي كمؤرخ، فهي أشبه بمصباح يضيء ضباب التاريخ — هناك الكثير مما لا نعرفه، وهذه النقوش تسلط ضوءًا خاصًا على لحظات محددة. إنه أمر مثير حقًا.”

تم اكتشاف النقش بواسطة أحد العاملين في مشروع “التجربة الأثرية” في متنزه إيمك تسوريم الوطني (Emek Tzurim National Park)، حيث تمّ جلب التراب من الحفريات المختلفة لفحصه وغربلته — ضمن مشروع مشترك بين هيئة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية (Israel Nature and Parks Authority) ومؤسسة مدينة داود (City of David Foundation) (ويقع مشروع “غربلة جبل الهيكل” بالقرب من هناك).

وقد أُخذ التراب من حافة قناة التصريف المركزية للقدس (Jerusalem)، التي تعود إلى نحو ألفي عام.

تقول الدكتورة أيالا زيلبرشتاين (Dr. Ayala Zilberstein)، مديرة الحفريات في متنزه ديفيدسون الأثري (Davidson Archaeological Park):

“يركز تنقيبنا على قناة التصريف من فترة الهيكل الثاني، لكن في نهايتها وجدنا منطقة لم تبق فيها القناة اللاحقة، فاكتشفنا بناءً ضخمًا من فترة الهيكل الأول. وقد جاءت هذه القطعة الفخارية الخاصة من هناك.”

وتضيف زيلبرشتاين أن الاكتشاف يشير إلى أن المبنى الواقع على منحدر التل غرب جبل الهيكل (Temple Mount) كان مركزًا إداريًا، كما تشهد على ذلك أختام أخرى تم العثور عليها في نفس البقايا ولم تُعرض بعد للعامة.

وقالت:

“كنا نعلم أن هذا المبنى الكبير يعود إلى نهاية فترة الهيكل الأول (القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد) بناءً على طرازه المعماري، لكن أثناء الغربلة اكتشفنا المزيد من الأدلة على أنشطة إدارية رفيعة المستوى لأشخاص مرتبطين بالقصر والملك. هذا النقش يثبت أننا نتحدث عن مكان بالغ الأهمية.”

ايضا قامت الباحثة الدكتورة عنات كوهين-واينبرغر (Dr. Anat Cohen-Weinberger) من هيئة الآثار الإسرائيلية (Israel Antiquities Authority) بتحليل الخصائص المعدنية للطين لتحديد مصدره، وقالت:

“المادة تختلف تمامًا عن المواد الخام المحلية المستخدمة عادةً في صناعة الفخار أو الأختام الطينية في القدس وبلاد الشام الجنوبية. ويتوافق تركيبها المعدني مع جيولوجيا منطقة حوض نهر دجلة (Tigris Basin)، حيث كانت تقع المدن الآشورية المركزية مثل نينوى (Nineveh) وآشور (Ashur) ونمرود (Nimrud/Kalḫu).”

ويُجرى حاليًا تحليل كيميائي دقيق للطين بالتعاون مع الدكتورة يهوديت هارلافان (Dr. Yehudit Harlavan) من المسح الجيولوجي الإسرائيلي (Geological Survey of Israel) لتحديد مصدره بدقة.

يأتي هذا الاكتشاف ضمن مجموعة أوسع من الأدلة الأثرية التي تدعم السرد الكتابي.

فـ"منشور تايلور" (Taylor Prism)، وهو لوح طيني آشوري، يروي تفاصيل حملة الملك "سنحاريب" (Sennacherib) ضد مملكة يهوذا، ودفع حزقيا الجزية لاحقًا. كما اكتُشف في القدس ختم أثري (bulla) يحمل عبارة: "ملك حزقيا بن آحاز، ملك يهوذا" — (Belonging to Hezekiah, (son of) Ahaz, King of Judah) — مما يشكّل رابطًا مباشراً بين الملك حزقيا والسجل التاريخي الموثّق. بالإضافة إلى ذلك، كشفت التنقيبات في "مدينة داود" (City of David) عن بقايا التحصينات القديمة التي تعود إلى زمن حزقيا، مما يعزز مصداقية السرد التوراتي عن أورشليم في تلك الحقبة.

إن اجتماع هذه الأدلة الأثرية يؤكد أن الأحداث الموصوفة في الكتاب المقدس متجذّرة في الواقع التاريخي. فهذه الشواهد الملموسة لا تدعم فقط الإيمان بصدق النصوص الدينية، بل تبرهن أن الكتاب المقدس ليس مجرد أدب روحي، بل سجل تاريخي موثوق. إن توافق الروايات الأثرية مع نصوص الكتاب المقدس يعمّق الإيمان ويقدّم برهانًا ملموسًا على أن كلمة الله حقّة وثابتة عبر العصور.

خاتمة:

إن هذا الاكتشاف الجديد بالقرب من جبل الهيكل يضيف صفحة جديدة في سجل العلاقة بين التاريخ والكتاب المقدس، ويبرهن مرة أخرى أن الإيمان والعلم ليسا نقيضين، بل يلتقيان في أرض واحدة، حيث تشهد الحجارة القديمة على صدق الوحي الإلهي وواقعية الأحداث التي حفظها الكتاب المقدس عبر الأجيال.

ليكون للبركة

Patricia Michael