"نبع جيحون: شاهد على تتويج سليمان ملكًا في أورشليم القديمة"
"فَقَالَ الْمَلِكُ لَهُمْ: «خُذُوا مَعَكُمْ عَبِيدَ سَيِّدِكُمْ، وَأَرْكِبُوا سُلَيْمَانَ ابْنِي عَلَى الْبَغْلَةِ الَّتِي لِي، وَانْزِلُوا بِهِ إِلَى جِيحُونَ، وَلْيَمْسَحْهُ هُنَاكَ صَادُوقُ الْكَاهِنُ وَنَاثَانُ النَّبِيُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَاضْرِبُوا بِالْبُوقِ وَقُولُوا: لِيَحْيَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ." (1 مل 1 : 33 - 34). (1 مل 1: 33).
يُعدّ نبع جيحون واحدًا من أهم المعالم التي لعبت دورًا حاسمًا في تاريخ أورشليم القديم، سواء من حيث وظيفته الحيوية كمصدر للمياه أو من حيث ارتباطه بالأحداث السياسية والدينية التي شكّلت بدايات المُلك في إسرائيل. ويقدّم هذا النص عرضًا تاريخيًا موثقًا لكيفية دخوله في سياق تتويج سليمان، مستندًا إلى معطيات أثرية ودراسات حديثة.
اسم جيحون مشتقّ من الجذر العبري الذي يعني "يفور" أو "يندفع"، وهو اسم ملائم للنبع القوي الذي كان يومًا ما المصدر الرئيسي للمياه في أورشليم القديمة. وقد ارتبط هذا النبع بأحد أهم الأحداث في التاريخ الملكي لإسرائيل: الإعلان السريع عن سليمان ملكًا.
كان نبع جيحون يقع خارج أسوار المدينة في زمن داود، واختير هذا المكان لإجراء مسح سليمان في وقت كان فيه أحد أبناء داود، أدونيا بن حجيث، يسعى للاستحواذ على المُلك. ويُذكر أن أدونيا هو الابن الرابع لداود، لكن بعد موت إخوته الأكبر (أمنون وأبشالوم) وغياب آخرين عن المشهد السياسي، أصبح الأكبر بين أبناء داود الباقين على قيد الحياة، ولذلك شعر أنه الأحق بالعرش.
بدأ أدونيا بمحاولة إعلان نفسه ملكًا دون إذن داود، وجمع حوله مؤيدين، منهم أبياثار الكاهن، الذي وقف معه وأيّد مسعاه للوصول إلى السلطة.فلما بلغ داود الخبر، أصدر أمرًا واضحًا بمسح سليمان ملكًا على الفور عند نبع جيحون. فأخذ صادوق الكاهن وناثان النبي رجال داود ونزلوا بسليمان إلى النبع، حيث جرى المسح في احتفال رسمي أمام أهل المدينة.
تشير الدراسات الأثرية الحديثة إلى وجود موقع مقدس قديم تحت نبع جيحون، على عمق نحو خمسة وسبعين قدمًا، ويُرجَّح أن هذا الموقع استُخدم لأغراض دينية وطقوسية منذ أواخر العصر البرونزي وأوائل العصر الحديدي، أي قبل الفترة الملكية المبكرة في إسرائيل. ويكتسب هذا الموقع أهمية خاصة لأنه يرتبط وفق بعض الفرضيات بالتقاليد المتعلقة بـ ملكيصادق ملك شاليم، الكاهن-الملك المذكور في سفر التكوين 14 : 18
"وَمَلْكِي صَادِقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، أَخْرَجَ خُبْزًا وَخَمْرًا. وَكَانَ كَاهِنًا للهِ الْعَلِيِّ."
حيث جمع بين السلطة الدينية والسياسية في شخص واحد، مما شكّل نموذجًا للربط بين الملكية والكهنوت في التراث الإسرائيلي لاحقًا.
ويُعتقد وفق هذه الفرضيات أن هذا الرابط بين النبع وملكيصادق قد يكون سبب اختيار نبع جيحون لمراسم مسح سليمان ملكًا. فالمكان لم يكن مجرد مصدر مياه، بل كان يُرجَّح أنه موقع مقدس معروف بدوره الكهنوتي، ما أضفى لمسحة سليمان بعدًا دينيًا ورسميًا يشير إلى الاعتراف الإلهي بشرعيته كملك. ومن هذا المنظور، يمكن فهم اختيار النبع ليس فقط لأسباب عملية—كموقع منخفض يسهل الوصول إلى المياه—بل أيضًا لأسباب دينية، إذ قد يربط بين السلطة الملكية والقوة الإلهية التي كانت تُعتبر مصدرًا لشرعية الملك الجديد.
إضافة إلى ذلك، تدعم بعض الاكتشافات الأثرية، مثل معصرة الزيت الطقسية الموجودة ضمن الموقع، الافتراض القائل بأن المكان كان مجهزًا لأداء طقوس مقدسة، بما في ذلك تحضير الزيت المستخدم في مسح الملوك، مما يوضح الاحتمال القائل بوجود علاقة بين الطقوس الكهنوتية والتتويج الملكي بطريقة تذكّر بالنموذج الذي مثله ملكيصادق ملك شاليم، حيث كانت السلطة الكهنوتية والملكية متلازمتين في شخصه.
إضافة إلى ذلك، تدعم الاكتشافات مثل معصرة الزيت الطقسية فكرة أن المكان كان مجهزًا لأداء الطقوس المقدسة، بما في ذلك تحضير الزيت المستخدم في مسح الملوك، مما يوضح العلاقة بين الطقوس الكهنوتية والتتويج الملكي بطريقة تذكّر بالنموذج الذي مثله ملكيصادق ملك شاليم، حيث كانت السلطة الكهنوتية والملكية متلازمتين في شخصه.
وفي الوقت نفسه كان أبياثار الكاهن —الذي وقف مع أدونيا في مسعاه للعرش—مستعدًا لإجراء مسح لأدونيا في موقع آخر. الأمر الذي أدّى لاحقًا إلى عزله من الكهنوت.
إن تثبيت سليمان ملكًا لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل كان حدثًا قائمًا على التوجيه الملكي المباشر، والدور الكهنوتي الرسمي، والمكانة التاريخية للموقع الذي جرت فيه المراسم. وما يزال نبع جيحون، الجاري إلى يومنا هذا تحت تلال أورشليم، شاهدًا على تلك اللحظة المفصلية في تاريخ المملكة.
الخاتمة
يُظهر تتويج سليمان عند نبع جيحون كيف تداخلت الجغرافيا مع السلطة الدينية والسياسية في لحظة حاسمة من تاريخ إسرائيل. فالموقع لم يُستخدم اعتباطًا، بل ارتبط بتقاليد قديمة وممارسات كهنوتية معروفة في أورشليم. وتقدّم هذه المعطيات صورة تاريخية متماسكة تُبرز كيف تشكّل المُلْك في بداياته داخل إطار يجمع بين الوقائع السياسية والمعطيات الدينية والأثرية.
لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكنكم الرجوع إلى المرجع التالي:
Regev, Johanna; Uziel, Joe; Szanton, Nahshon; Boaretto, Elisabetta. Absolute Dating of the Gihon Spring Fortifications, Jerusalem. Radiocarbon, 2017.
What Are These Strange Markings Found Near Jerusalem’s Gihon Spring? Biblical Archaeology Society, 2018.
5 Things to Know About the Gihon Spring. City of David site, 28 Jan 2024.
Locating Jerusalem’s Millo: A Biblical Monument at the Gihon Spring. Bible History Daily / Biblical Archaeology Society, 08 Nov 2023.
What Are These Strange Markings Found Near Jerusalem’s Gihon Spring? Biblical Archaeology Society, 2018.
ليكون للبركة