تفنيد الادعاء القائل بكتابة سفر إشعياء في القرن الخامس عشر الميلادي
ترجمة ودراسة : Patricia Michael
مقدمة
تقوم الدراسات التاريخية الرصينة على التحقق من المصادر، وتحليل الأدلة المادية، ومراجعة إجماع الباحثين المتخصصين. وأي ادعاء يتعلق بتاريخ نص ديني قديم لا تكون له قيمة علمية ما لم يستند إلى هذه الأسس. وقد شاع ادعاء مفاده أن سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي، ونُسب هذا القول إلى «بعض الباحثين» دون تحديد أسمائهم أو أعمالهم أو المؤسسات العلمية التي ينتمون إليها.
يهدف هذا المقال التحليلي إلى دراسة هذا الادعاء دراسة نقدية جادّة، وبيان مدى تعارضه مع المعطيات الأثرية ودراسة المخطوطات، ومع ما استقر عليه البحث الأكاديمي في مجال الدراسات الكتابية.
الإطار المنهجي للمقال
يعتمد هذا المقال على المنهج التاريخي النقدي بوصفه الإطار المعتمد في دراسة النصوص القديمة، كما يستند إلى علم المخطوطات الذي يُعنى بدراسة أشكال الخطوط، والمواد المستخدمة في الكتابة، وسلاسل انتقال النصوص عبر الزمن. ويستند كذلك إلى الأدلة الأثرية المكتشفة، وإلى مراجعة ما كتبه الباحثون المتخصصون في تاريخ العهد القديم، سواء من المدارس التقليدية أو النقدية.
ولا يعتمد المقال على الانطباعات أو الآراء الإعلامية، بل على الأدلة القابلة للفحص والتحقق.
مخطوطات وادي قُمران ودلالتها التاريخية
يُعد اكتشاف مخطوطات وادي قُمران عام 1947 أحد أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ دراسة الكتاب المقدس. فقد عُثر في كهوف تقع قرب البحر الميت على مئات المخطوطات التي تعود إلى جماعة يهودية عاشت في الفترة الممتدة من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي.
تحتوي هذه المخطوطات على أجزاء كبيرة من أسفار العهد القديم، ومن بينها مخطوطة لسفر إشعياء، تُعرف باسم مخطوطة إشعياء الكبرى (1QIsaᵃ).
أهمية هذه المخطوطة لا تكمن فقط في اكتمالها ، بل في تاريخها ايضاً. فقد أثبتت الدراسات القائمة على تحليل الخط المستخدم فيها، إلى جانب فحوص الكربون المشع، أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أي قبل ميلاد السيد المسيح بأكثر من قرن.
مخطوطة إشعياء الكبرى (1QIsaᵃ) موجودة ومؤرخة علميًا للقرن الثاني قبل الميلاد. أي ادعاء بخلاف ذلك لا يستند إلى دليل.
هذا يعني أن نص سفر إشعياء كان موجودًا ومُتداولًا بوصفه نصًا مكتوبًا قبل الميلاد بزمن طويل، وهو ما يجعل الادعاء بكتابته في القرن الخامس عشر الميلادي مستحيلًا من الناحية التاريخية والمنطقية.
الاستمرارية النصية بين قُمران والنص الماسوري
لم يقتصر البحث الأكاديمي على مجرد تأريخ مخطوطة إشعياء من قُمران، بل شمل أيضًا مقارنة نصها بالنص العبري القياسي المعروف بالنص الماسوري، والذي وصل إلينا في مخطوطات تعود إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. أظهرت هذه المقارنة أن نص سفر إشعياء في مخطوطات قُمران يتطابق بدرجة كبيرة جدًا مع النص الماسوري المتداول اليوم في النسخ العبرية الحديثة، والذي يُستخدم كأساس للترجمات الأكاديمية للعهد القديم. أما الاختلافات الموجودة فهي طفيفة في الصياغة أو الإملاء، ولا تؤثر على مضمون النص أو بنيته اللاهوتية.
هذه الاستمرارية النصية الممتدة عبر أكثر من ألف عام تنفي تمامًا فكرة إعادة تأليف السفر في العصور الوسطى. فلو كان السفر قد كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي، لكان من المستحيل تفسير وجود نص مطابق له في مخطوطات تعود إلى ما قبل الميلاد.
الشواهد السابقة على مخطوطات قُمران
حتى قبل اكتشاف مخطوطات وادي قُمران، لم يكن سفر إشعياء نصًا مجهول الأصل أو متأخر الظهور. فقد كان لدى الباحثين مخطوطات عبريّة للعهد القديم تعود إلى ما قبل القرن الخامس عشر الميلادي بقرون عديدة، وعلى رأسها مخطوطات النص الماسوري.
كما أن وجود الترجمة السبعينية، وهي ترجمة يونانية للعهد القديم تمت في القرن الثالث قبل الميلاد، يُعد شاهدًا حاسمًا على وجود نص عبري أقدم لسفر إشعياء. فالترجمة بطبيعتها تسبقها نسخة أصلية مكتوبة، ولا يمكن منطقيًا أو تاريخيًا أن تُترجم نصوص لم تكن قد كُتبت بعد.
موقف البحث الأكاديمي من تاريخ سفر إشعياء
عند مراجعة الأدبيات الأكاديمية في الدراسات الكتابية، يتضح بجلاء أنه لا يوجد أي باحث متخصص معترف به يقول إن سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي.
حتى المدارس النقدية التي تدّعي أن السفر قد مرّ بمراحل تحرير مختلفة، أو التي تميّز بين أقسامه — وهي فرضية تم الردّ عليها وتفنيدها أيضًا — تُجمع على أن هذه الأقسام تنتمي إلى سياق تاريخي مبكر، يرتبط بالحقبة النبوية وما يليها مباشرة.
وبالتالي، فإن نسبة القول بتاريخ متأخر جدًا إلى «بعض الباحثين» دون تحديدهم لا تعدو كونها إفلاس وفشل وادعاءً بلا سند علمي، ولا تجد لها أي أثر في الدوريات الأكاديمية أو الدراسات الجامعية المتخصصة.
التحليل المنطقي للادعاء
يقوم الادعاء محل البحث على خلط واضح بين مفاهيم أساسية في علم المخطوطات، وأبرزها الخلط بين تاريخ كتابة النص الأصلي وتاريخ نسخ المخطوطات المتأخرة. فوجود مخطوطة من القرن الخامس عشر الميلادي لا يعني أن النص كُتب في ذلك القرن، بل يعني فقط أن هذه النسخة نُسخت في ذلك الزمن.
كما يعتمد الادعاء على مغالطة شائعة، وهي إطلاق تعبيرات عامة من قبيل «بعض الباحثين يقولون» دون توثيق، وهي صيغة لا يُعتد بها في أي بحث علمي جاد.
في مجال الدراسات الكتابية وعلم المخطوطات، هناك اتفاق واسع بين الباحثين على أن سفر إشعياء ينتمي إلى سياقه التاريخي القديم، وأن تداوله وتدوينه يسبق العصور الوسطى بزمن طويل. فقد أظهرت الدراسات المتعلقة بمخطوطات وادي قُمران، وخاصة مخطوطة إشعياء الكبرى (1QIsaᵃ)، أن هذا النص كان موجودًا ومتداولًا قبل الميلاد بقرون عديدة. وقد تأكد هذا من خلال التحليل الباليوغرافي وفحوص الكربون المشع، حيث أظهرت النتائج أن عمر المخطوطة يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، ما يجعل الادعاء بكتابتها في القرن الخامس عشر الميلادي غير ممكن تاريخيًا ومنطقيًا.
توفر هذه المخطوطة، إلى جانب مخطوطات أخرى من قُمران، دليلًا مباشرًا على استمرارية النص وموثوقيته، ويظهر التطابق الكبير بينها وبين النص الماسوري للقرنين التاسع–العاشر الميلادي، ما يؤكد أن نص سفر إشعياء ظل محفوظًا عبر القرون دون تغيير بنيوي متأخر.
وقد تناولت الأدبيات الأكاديمية تحليل المخطوطات وتاريخها، مؤكدًا على أقدمية نصوص إشعياء، من بينها:
Millar Burrows, The Dead Sea Scrolls (Viking Press, 1955)
Frank Moore Cross, The Ancient Library of Qumran and Modern Biblical Studies (Baker Academic, 1995)
Emanuel Tov, Textual Criticism of the Hebrew Bible (Fortress Press, 2012)
Géza Vermes, The Complete Dead Sea Scrolls in English (Penguin Classics, 2011)
كما استعرضت الدراسات الحديثة نتائج فحوص الكربون المشع والتقنيات العلمية الأخرى لتأكيد تأريخ المخطوطات للقرن الثاني قبل الميلاد، من بينها:
Secrets of the Dead Sea Scrolls (James D. Price)
The Dead Sea Scrolls: A New Translation (Michael Wise, Martin Abegg Jr., Edward Cook)
The Dead Sea Scrolls Uncovered (Robert Eisenman, Michael Wise)
بالإضافة إلى ذلك، يُظهر كل من النص المسوري، الذي يمثل النسخة القياسية للعهد القديم بالعبرية، والترجمة السبعينية، التي هي نسخة يونانية قديمة استندت إلى نصوص عبرية متداولة قبل اعتماد النسخة المسورية رسميًا، أن نصوص إشعياء كانت موجودة ومتداولة قبل الميلاد، مما ينفي بشكل قاطع فكرة كتابته في زمن متأخر كما يزعم البعض. حتى الباحثون النقديون مثل جوزيف بلينكينسوب (Joseph Blenkinsopp)، وبريفارد س. تشايلدز (Brevard S. Childs)، وجون غولدينغاي (John Goldingay)، رغم اختلافهم في تقسيم السفر أو فرضيات التحرير، يتفقون جميعًا على أن زمن سفر إشعياء يعود إلى فترة ما قبل الميلاد، ولا يرتبط بالقرون المتأخرة كما يدعي بعض الباحثين.
الخاتمة
باختصار، تؤكد هذه الأدلة المخطوطية والأثرية والإجماع البحثي على أن سفر إشعياء كان موجودًا نصيًا قبل الميلاد بمدة تزيد على ألف سنة عن أقدم النسخ المعروفة سابقًا، وأن أي ادعاء بكتابته في القرن الخامس عشر الميلادي لا أساس له في البحث الأكاديمي أو النقد التاريخي.
استنادًا إلى الأدلة المخطوطية والأثرية، وإلى إجماع البحث الأكاديمي، فالادّعاء بكتابة سفر إشعياء في القرن الخامس عشر الميلادي لا أساس له من الصحة. فهو يتناقض مع وجود مخطوطات تعود إلى ما قبل الميلاد، ومع الترجمات القديمة، ومع الاستمرارية النصية المثبتة علميًا.
وعليه، فإن هذا القول لا يمثل رأيًا علميًا معتبرًا، بل يعكس غياب التحقق من المصادر، ويؤدي إلى تضليل المتلقين بدلًا من تثقيفهم. والبحث العلمي الجاد لا يُبنى على التصريحات، بل على الأدلة.
المراجع
فيما يلي عرض لمجموعة من المراجع المعتمدة في مجال الدراسات الكتابية وعلم المخطوطات، وهي مراجع أكاديمية دقيقة ومعترف بها على نطاق واسع، ويمكن الاعتماد عليها بثقة في أي بحث علمي أو جامعي جاد. وقد جرى اختيار هذه المراجع من صميم الأدبيات المتخصصة، لا من الكتابات الجدلية أو الإعلامية.
جميع الأعمال المذكورة مؤلفات أصلية لباحثين متخصصين في النقد النصي وتاريخ العهد القديم، ويُستشهد بها بانتظام في الجامعات الغربية والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة. كما أن دور النشر التي صدرت عنها هذه الأعمال — مثل Oxford University Press وCambridge University Press وYale University Press وBaker Academic وFortress Press وIVP Academic — هي دور نشر أكاديمية رصينة، ولا تُعد من دور النشر الشعبية أو ذات الطابع الدعوي أو الإعلامي.
ومن المهم التأكيد على أنه لا يرد في أي من هذه المراجع، لا تصريحًا ولا تلميحًا، ما يدعم الادعاء القائل بأن سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي. بل على العكس، تُجمع هذه الدراسات، على اختلاف مناهجها، على أن السفر ينتمي إلى سياقه التاريخي القديم، وأن تداوله وتدوينه يسبق العصور الوسطى بزمن طويل.
وتُستخدم هذه المراجع فعليًا في مجالات علمية متعددة، من بينها علم النقد النصي، ودراسة مخطوطات وادي قُمران، وتأريخ نصوص العهد القديم، ودراسة الترجمة السبعينية وعلاقتها بالنص العبري. كما أظهرت الدراسات العلمية المتعلقة بمخطوطات قُمران، بما في ذلك مخطوطة إشعياء الكبرى (1QIsaᵃ)، والتي تم تأريخها باستخدام التحليل الباليوغرافي وفحوص الكربون المشع إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أن نص سفر إشعياء كان موجودًا ومتداولًا قبل الميلاد بقرون عديدة، مما ينفي أي ادعاء بكتابته في القرن الخامس عشر الميلادي.
"حتى الباحثون النقديون الذين أشرنا إليهم سابقًا، وإن اختلفوا في تقسيم السفر أو في فرضيات التحرير، فإنهم متفقون تمامًا على أن زمن سفر إشعياء يعود إلى ما قبل الميلاد، ولا يمت بصلة إلى القرون المتأخرة.
المراجع الأكاديمية
Manuscripts and Qumran Studies
Burrows, Millar. The Dead Sea Scrolls. Viking Press, 1955.
Cross, Frank Moore. The Ancient Library of Qumran and Modern Biblical Studies. Baker Academic, 1995.
Tov, Emanuel. Textual Criticism of the Hebrew Bible. Fortress Press, 2012.
Vermes, Géza. The Complete Dead Sea Scrolls in English. Penguin Classics, 2011.
Price, James D. Secrets of the Dead Sea Scrolls. Baker Academic, 1996.
Wise, Michael, Martin Abegg, Jr., and Edward Cook. The Dead Sea Scrolls: A New Translation. HarperOne, 1996.
Eisenman, Robert, and Michael Wise. The Dead Sea Scrolls Uncovered. Penguin Books, 1992.
Septuagint and Masoretic Text
Kahle, Paul. The Cairo Geniza. Oxford University Press, 1959.
Yeivin, Israel. Introduction to the Tiberian Masorah. Scholars Press, 1980.
Jellicoe, Sidney. The Septuagint and Modern Study. Eisenbrauns, 1989.
Jobes, Karen H., and Moisés Silva. Invitation to the Septuagint. Baker Academic, 2000.
Isaiah Commentary and Academic Criticism
Goldingay, John. The Theology of the Book of Isaiah. IVP Academic, 2014.
Childs, Brevard S. Isaiah: A Commentary. Westminster John Knox Press, 2001.
Blenkinsopp, Joseph. Isaiah 1–39; Isaiah 40–55; Isaiah 56–66. Anchor Yale Bible Commentary. Yale University Press.
Bruce, F. F. The Canon of Scripture. InterVarsity Press, 1988.
Schniedewind, William M. How the Bible Became a Book. Cambridge University Press, 2004.
Recent Articles and Studies on Isaiah and the Dead Sea Scrolls
The Dead Sea Scrolls and the Hebrew Bible: The Isaiah Scroll (1QIsaᵃ)
Textual Criticism and the Isaiah Scroll: Continuity and Variants
Carbon Dating the Dead Sea Scrolls: Implications for the Book of Isaiah
Deutero-Isaiah and the Composition Hypothesis: A Critical Review
Statistical Analysis of Isaiah: Evidence for Unified Authorship
The Dead Sea Scrolls: A New Translation and Commentary
The Ancient Library of Qumran and Modern Biblical Studies
Isaiah: Theology and Historical Context
How the Bible Became a Book: The Role of Manuscripts in Textual Transmission
ليكون للبركة