أورشليم والحملة الآشورية عام 701 ق.م: قراءة تاريخية وأثرية في ضوء نقش سنحاريب (اللوح 28)

Patricia Michael

مقدمة

من المسلّم به تاريخيًا أن مدينة أورشليم سقطت لاحقًا في يد الرومان عام 70م، وهو حدث موثّق أثريًا ونصيًا ولا خلاف عليه في الدراسات التاريخية. غير أن هذا السقوط المتأخر لا ينفي حقيقة أن أورشليم نجت من حصار عسكري سابق بالغ الخطورة خلال العصر الآشوري، وتحديدًا أثناء حملة الملك الآشوري سنحاريب على مملكة يهوذا عام 701 قبل الميلاد. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح هذا التمييز الزمني، وبيان مدى انسجام الدليل الأثري مع النصوص الآشورية والكتاب المقدس في تأكيد أن أورشليم لم تسقط خلال تلك الحملة الآشورية تحديدًا وتراجع الجيش الآشوري بطريقة لافتة دون تحقيق الهدف الرئيسي من الحملة.

أولًا: الإطار التاريخي للحملة الآشورية

قاد الملك سنحاريب حملته العسكرية الثالثة ضد مناطق الساحل الفينيقي وبلاد الفلسطينيين، ثم ضد مملكة يهوذا، كما تذكر الحوليات الآشورية الرسمية. وفي هذا السياق الزمني، تُذكر أورشليم بوصفها المدينة الوحيدة التابعة لمملكة يهوذا التي ورد اسمها صراحة، ويُصوَّر ملكها حزقيا على أنه محاصر داخلها «كعصفور في قفص»، دون أي ادعاء آشوري صريح بالاستيلاء على المدينة أو تدميرها. ويُعد هذا الصمت الآشوري لافتًا، نظرًا إلى عادة الملوك الآشوريين في تسجيل انتصاراتهم بدقة ومبالغة.

ثانياً: الخلفية الكتابية :

إذ قامت مملكة أشور بسبي مملكة إسرائيل، أرادت أن تسبي مملكة يهوذا ايضاً. انقسمت المملكة إلى ثلاث فرق: فريق رأى أن يستسلم حتى لا تُحَطِّمهم أشور، وفريق آخر رأى أن يلجأ إلى مصر يتحالف معها ضد أشور، والأقلية القليلة جدًا أرادت أن تثق في الرب القادر أن يُخَلِّص. كان حزقيا الملك التقي من الفريق الثالث الذي لجأ إلى الصلاة. فأرسل الرب إشعياء النبي يؤكد له أن صلاته قد سُمعت. (الاحداث مذكورة تفصيليا في الاصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الثاني ، وسفر اشعياء الاصحاح 37)

ثالثاً: نقش اللوح 28 ودلالته الأثرية

يُظهر اللوح 28، الذي كان معروضًا في قاعة عرش سنحاريب في نينوى، مشهدًا لمدينة محصّنة تحمل خصائص معمارية منسوبة إلى مملكة يهوذا، من بينها الأسوار ذات الشرفات المتدرجة المشابهة لتلك الظاهرة في نقوش مدينة لخيش، وهي مدينة تابعة لمملكة يهوذا سقطت بالفعل بيد الآشوريين. كما تبدو المدينة مبنية على عدة مرتفعات، بما يتوافق مع الطبوغرافيا المعروفة لأورشليم في العصر الحديدي.

ويبرز في النقش عنصر فريد يتمثل في ظهور شخصية واحدة تقف على أعلى برج، حاملة راية ملكية، وهو مشهد لا نظير له في النقوش الآشورية الأخرى. ويفسّر عدد من الباحثين هذه الشخصية على أنها تمثيل رمزي للملك حزقيا، في إشارة إلى بقاء السلطة الملكية داخل المدينة رغم الحصار.

رابعاً: الاتساق مع النصوص الكتابية

يتوافق هذا التصوير الأثري مع الرواية الواردة في سفر الملوك الثاني (الإصحاح 19) وسفر إشعياء (الإصحاح 37)، والتي تؤكد أن أورشليم لم تُفتح بالقوة، وأن المدينة نجت من السقوط خلال تلك الأزمة. ومن منظور تاريخي نقدي، فإن غياب أي ادعاء آشوري بسقوط أورشليم، مقابل التفاخر بتدمير مدن أخرى تابعة لمملكة يهوذا، يدعم الاستنتاج القائل بأن الحملة انتهت دون تحقيق الهدف النهائي المتمثل في احتلال العاصمة.

مواضع الكتاب المقدس التي تشير إلى فشل سنحاريب في إسقاط أورشليم1. سفر الملوك الثاني 19: 32–362. سفر اشعياء 37 33 - 37

هذه المقاطع تقدّم تصريحًا مباشرًا لا لبس فيه:

"«لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ عَنْ مَلِكِ أَشُّورَ: لاَ يَدْخُلُ هذِهِ الْمَدِينَةَ، وَلاَ يَرْمِي هُنَاكَ سَهْمًا، وَلاَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا بِتُرْسٍ، وَلاَ يُقِيمُ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً. فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ يَرْجعُ، وَإِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لاَ يَدْخُلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأُحَامِي عَنْ هذِهِ الْمَدِينَةِ لأُخَلِّصَهَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِي وَمِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي»." (2 مل 19: 32-34).

ثم تختتم النصوص بالنتيجة العسكرية، مقتل جيش آشور ، انسحاب سنحاريب واغتياله لاحقا :

1- سفر الملوك الثاني 19: 35–372- إشعياء 37: 36–38

هذه النصوص ثلاث نقاط تاريخية:

-عدم دخول الجيش الآشوري إلى أورشليم

-عدم بدء هجوم مباشر على المدينة

-انسحاب سنحاريب وعودته إلى نينوى

خامساً: تحليل الصورة المرفقة (المرّقمة ) : أقدم تمثيل بصري معروف لأورشليم (اللوح 28)

تُظهر الصورة نقشًا آشوريًا بارزًا يُعرف باسم اللوح 28، وكان جزءًا من الزخارف الجدارية في قاعة عرش الملك الآشوري سنحاريب في نينوى (أوائل القرن السابع قبل الميلاد). يمثّل هذا اللوح مشهدًا لمدينة محصّنة، ويقدّم—بحسب دراسات حديثة—أقدم تصوير معروف لمدينة أورشليم خلال الحملة الآشورية على مملكة يهوذا عام 701 ق.م.

العناصر البارزة في النقش:

(1) الملك حزقيا على البرج: رمز استمرار السلطة الملكية، وهو أمر غير معتاد في النقوش الآشورية.

يظهر في أعلى برج من أبراج المدينة شخص واحد فقط، يحمل راية أو لواءً ملكيًا. وهذا عنصر فريد في النقوش الآشورية، إذ اعتادت هذه النقوش إظهار الجنود أو مشاهد الاقتحام لا رمز السيادة داخل المدينة.يدل هذا التفرد على استمرار السلطة الملكية داخل المدينة أثناء الحصار، ويتوافق مع كون أورشليم عاصمة مملكة يهوذا ومقر الملك حزقيا، الذي تصفه السجلات الآشورية بأنه كان محاصرًا في مدينته «كعصفور في قفص».

(2) الأسوار ذات الشرفات المتدرجة (Corbelled Battlements)مؤشر معماري على هوية المدينة وربطها بمملكة يهوذا.

تُظهر المدينة نظامًا دفاعيًا متقدمًا، يتمثل في شرفات حجرية متدرجة بارزة عن عرض الأبراج. هذا النمط المعماري معروف من مدن مملكة يهوذا في العصر الحديدي الثاني، ويظهر بوضوح أيضًا في نقوش مدينة لخيش، التي سقطت بالفعل بيد الآشوريين. تُعد هذه السمة مؤشرًا معماريًا مهمًا على هوية المدينة.

(3) البوابات المزدوجة: غير شائع، وقد يشير إلى تعزيز المداخل أثناء حكم حزقيا.

يُظهر النقش وجود بوابتين متقاربتين، وهو أمر غير شائع في مدن الشرق الأدنى القديم، حيث كانت معظم المدن تمتلك بوابة واحدة لأسباب دفاعية.يتوافق هذا العنصر مع الإشارات النصية الكتابية التي تتحدث عن تعزيز مداخل أورشليم وتوسيعها خلال فترة حكم حزقيا.

(4) الدروع على الأبراج : تمثل العنصر الدفاعي والرمزي.

تظهر دروع معلّقة على أبراج المدينة، وهو تقليد معروف في مدن فينيقية ومدن مملكة يهوذا، حيث كانت الدروع تُستخدم كعنصر دفاعي ورمزي في آنٍ واحد. وتشير النصوص الكتابية إلى استخدام الدروع في تحصين أورشليم خلال الأزمات العسكرية.

(5) مدينة مبنية على تلّين :

يُظهر النقش بوضوح انقسامًا طبوغرافيًا بين مستويين مرتفعين داخل المدينة، وهو ما يتوافق مع جغرافية أورشليم المبنية على عدة تلال.وقد يعكس هذا التقسيم التمييز بين:

المدينة العليا (الحي الملكي والإداري)والمدينة السفلى (المناطق السكنية)

(6) الغطاء النباتي المحلي: يعكس البيئة الزراعية المحيطة بالمدينة، وهو أسلوب معتاد في النقوش الآشورية لتمييز أقاليم مختلفة.وقد يشير هذا العنصر إلى البيئة الزراعية المحيطة بأورشليم، وربما إلى مناطق البساتين الواقعة جنوب المدينة في تلك الفترة.

سادساً: الاتساق بين المصادر

-النصوص الكتابية تؤكد عدم سقوط أورشليم، مع ذكر تدخل إلهي لإنقاذ المدينة.

-النقوش الآشورية تذكر الحصار دون الإشارة للسقوط، وهو يتوافق مع الصمت الآشوري عن تدمير المدينة.

-الأدلة الأثرية (اللوح 28) تظهر المدينة محصّنة وذات سلطة ملكية قائمة، مما يعزز فكرة النجاة.

الخلاصة

تقدّم هذه الصورة تمثيلًا بصريًا نادرًا لمدينة أورشليم عاصمة مملكة يهوذا خلال واحدة من أخطر مراحل تاريخها. ولا تُظهر المدينة على أنها مدمَّرة أو مقتحمة، بل محاصَرة مع بقاء السلطة الملكية قائمة، مما يتوافق مع السجلاّت الآشورية والمعطيات الأثرية والرواية الكتابية.

إن القول إن أورشليم «لم تسقط» يجب أن يُفهم ضمن إطاره الزمني الدقيق، أي خلال الحملة الآشورية عام 701 ق.م في عهد الملك حزقيا، وليس باعتباره توصيفًا مطلقًا لتاريخ المدينة عبر العصور. فالسقوط في يد الرومان عام 70م حدث تاريخي مستقل لا يتعارض مع نجاة أورشليم من الاحتلال الآشوري قبل ذلك بقرون. وعليه، فإن نقش اللوح 28، إلى جانب السجلات الآشورية والنصوص الكتابية، يقدّم نموذجًا مهمًا لتكامل علم الآثار مع المصادر النصية في دراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم، ويسهم في إعادة بناء حدث تاريخي محدد بدقة علمية ومنهجية.

 

Radner, Karen. The Assyrian Empire: A Historical Encyclopedia. 2017.

Grayson, A. K. The Royal Inscriptions of Sennacherib (RINAP). 2011.

Pritchard, James B. Sennacherib at Jerusalem: The Royal Inscriptions of Sennacherib. 1969.

Na’aman, Nadav. Lachish Reliefs: Assyrian Art and the Fall of Judah. 2004.

Van De Mieroop, Marc. A History of the Ancient Near East ca. 3000–323 BC. 2021.

Shanks, Hershel. Ancient Israel: From Abraham to the Roman Destruction of the Temple. 1999.

Coogan, Michael D. (ed.). The Oxford History of the Biblical World. 1998.

Finkelstein, Israel & Silberman, Neil. The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts. 2001.

Tadmor, Hayim. “Sennacherib’s Campaign to Judah.” Israel Exploration Journal, 1993.

ليكون للبركة

Patricia Michael