المسلّة السوداء لشلمنصّر الثالث: قطعة أثرية آشورية تؤكد وجود ياهو ملك إسرائيل كشخصية تاريخية | Black Obelisk of Shalmaneser IIIPatricia Michael
يذكر الكتاب المقدس أن ياهو كان ملكًا حقيقيًا حكم مملكة إسرائيل الشمالية في القرن التاسع قبل الميلاد (الملوك الثاني 9–10). ورغم أن بعض النقاد يشككون في تاريخية ملوك إسرائيل ويعتبرونهم شخصيات أسطورية، فإن الاكتشافات الأثرية تقدم أدلة مختلفة، ومن أبرز هذه الأدلة Black Obelisk of Shalmaneser III.
تم إنشاء هذه المسلة بأمر من الملك الآشوري Shalmaneser حوالي عام 825 قبل الميلاد في مدينة نمرود، المعروفة قديمًا باسم كالحو، في شمال العراق الحالي. وقد اكتشفها عالم الآثار البريطاني Sir Austen Henry Layard عام 1846.وتعد من أبرز الأدلة التاريخية التي تربط بين النصوص الكتابية والآثار المادية، مؤكدة أن ملوك الكتاب المقدس لم يكونوا شخصيات أسطورية كما يزعم البعض بل شخصيات حقيقية معروفة تاريخياً .
أسهمت حفرياته في نمرود وكوينجيك بشكل كبير في اكتشاف هذه القطعة الأثرية المهمة، التي تحتوي على مشهد يربط بين الملك الآشوري شلمنصّر الثالث وملك إسرائيل ياهو، وبفضل جهود لايارد، وصلت المسلة إلى المتحف البريطاني حيث تُعرض اليوم، وتُعد من أهم الأدلة التاريخية على وجود ملوك الكتاب المقدس خارج النصوص الدينية.
المسلة مصنوعة من الحجر الجيري الأسود ومزيّنة بنقوش وصور بارزة إلى جانب كتابات مسمارية توثّق انتصارات الملك الآشوري وحملاته العسكرية، إضافة إلى الجزية التي تلقاها من الشعوب والدول المجاورة.
من أهم المشاهد المنحوتة على المسلة يُظهر حاكمًا أجنبيًا وهو ينحني أمام الملك الآشوري. ويرافق الصورة نقش مسماري يقول:“جزية ياهو ابن عمري.”
وفق الباحثين، هذا يشير مباشرة إلى ياهو، ملك إسرائيل، مما يؤكد تاريخيته كأحد ملوك اسرائيل .
كما يذكر النقش قائمة بالهدايا التي قُدمت، ومنها الفضة والذهب وأوانٍ ثمينة ورماح وحتى جمال ذات سنامين. ويتفق معظم الباحثين على أن المقصود هنا هو الملك ياهو. ويُعد هذا المشهد أقدم تصوير معروف لشخصية مذكورة في الكتاب المقدس، وايضاً يوضح أن إسرائيل كانت دولة قائمة وذات موارد مهمة.
ومن الجدير بالذكر أن الآشوريين كانوا يطلقون على مملكة إسرائيل اسم “بيت عمري” نسبة إلى الملك Omri، حتى بعد انتهاء سلالته الحاكمة. لذلك جاء التعبير “ابن عمري” في النقش، وهو أسلوب شائع في التسمية لدى الآشوريين.
تذكر الرواية الكتابية أن إسرائيل واجهت خلال حكم ياهو ضغوطًا متزايدة من الإمبراطورية الآشورية. وتؤكد المسلة السوداء أن مملكة إسرائيل كانت بالفعل دولة قائمة في تلك الفترة، بل وكانت معروفة ومهمة إلى درجة أنها ذُكرت في السجلات الرسمية للإمبراطورية الآشورية.
كما يساعد هذا النقش العلماء على ربط تسلسل ملوك إسرائيل بالتسلسل الزمني الآشوري المعروف بدقته، مما يعزز الإطار التاريخي للأحداث الواردة في العهد القديم.
ولا تقتصر الأدلة الأثرية على هذه المسلة وحدها؛ فهناك اكتشافات أخرى مثل Tel Dan Stele التي تذكر “بيت داود”، مما يدل على أن ملوك إسرائيل ويهوذا كانوا معروفين أيضًا خارج النصوص الدينية.
في ضوء هذه الاكتشافات، يتضح أن العديد من الروايات الكتابية تتقاطع مع التاريخ القديم. فـياهـو لم يكن شخصية أسطورية، بل ملكًا حقيقيًا عاصر إحدى أعظم الإمبراطوريات في الشرق الأدنى القديم، وقد خُلد اسمه في نقش حجري هام يؤكد تاريخيته .
Grayson, A. K. Assyrian Royal Inscriptions: From the Beginning to Ashur-resha-ishi I. Wiesbaden: Otto Harrassowitz, 1976.
Oates, D., & Oates, J. The Black Obelisk of Shalmaneser III. London: British Museum Press, 2001.
Liverani, Mario. “Assyria and the Israelite Kingdoms: The Evidence of the Black Obelisk.” Journal of Near Eastern Studies, vol. 45, no. 3, 1986, pp. 195–210.
ليكون للبركة
Patricia Michael