الكوب المنقوش الغامض من جبل صهيون: نقش غريب يشير إلى صلة بمخطوطات البحر الميت
Patricia Michael
 
في عام 2009، وأثناء أعمال التنقيب بالقرب من السور الجنوبي للمدينة القديمة في القدس، وتحديدًا في حي جبل صهيون، عثر فريق من علماء الآثار على اكتشاف غير مألوف: كوب حجري يعود إلى القرن الأول الميلادي. وعلى الرغم من أن مثل هذه الأكواب — المنحوتة من الحجر الجيري الناعم — تُعد شائعة نسبيًا في المنطقة، إلا أن هذا الكوب تميّز بنقش غامض على سطحه الخارجي، بدا في البداية كأنه مجرد خدوش، لكنه تبيّن لاحقًا أنه نص معقّد ذو طابع طقسي .
 
وقد أورد شمعون جيبسون (Shimon Gibson)، مدير الحفريات في الموقع، تفاصيل هذا الاكتشاف في مقاله المعنون:
"الكوب الغامض من جبل صهيون" (The Mysterious Mount Zion Mug)، والمنشور في عدد صيف 2025 من مجلة Biblical Archaeology Review.
 
عُثر على الكوب ضمن أنقاض منزل خاص فاخر يحتوي على ميكفاه (mikveh) — وهو حمّام طقسي يهودي — إلى جانب منشآت استحمام مغطاة بالجص، مما يشير إلى أن هذا المنزل كان مأهولًا بطبقة اجتماعية مرموقة.
 
وأثناء التنقيب، ظهرت أربع كِسَر حجرية متفرقة فوق الميكفاه، وعند إعادة تجميعها، تكوّن كوب حجري بارتفاع نحو 15 سم. لم يكن شكله الخارجي لافتًا، لكن النقوش الدقيقة المنتشرة على وجوهه العمودية هي ما أثار دهشة الباحثين، إذ تبيّن أنها كتابات رفيعة ومعقدة تغطي جزءًا كبيرًا من السطح.
كانت الخطوة التالية تتمثّل في إعداد رسم دقيق لجميع الحروف المنقوشة الظاهرة، والتي بلغ عددها 100 حرف تقريبًا.
 
ومع تقدّم عملية الرسم وظهور معالم النقش تدريجيًا، أصبح من الواضح أن تنفيذ هذا النقش تطلّب جهدًا كبيرًا ومهارة عالية، وربما استغرق عدة ساعات من العمل الدقيق على يد شخص مدرّب.
 
لكن غموض نقش الكوب الحجري ازداد تعقيدًا. فلم يكن النص مباشرًا بأي حال، بل استخدم أشكالًا غير مألوفة من الحروف، يشبه بعضها الخطوط المشفّرة المعروفة فقط من مخطوطات البحر الميت.
 
بالإضافة إلى ذلك، بدت العلامات على بعض الوجوه لا تزيد عن خطوط متعرجة متشابكة، مما جعل فك رموز هذا النص تحديًا حقيقيًا.
أنماط خط غير مألوفة ونص غامض
 
أول من حاول تفسير هذا النقش كان الباحث ستيفن فان (Stephen Pfann) من جامعة الأرض المقدسة في القدس (University of the Holy Land, Jerusalem). وفي عام 2010، حدد ثلاثة أنماط متميزة من الخطوط ضمن النص:
 
1- نمط شبيه بالخط المشفّر A (Cryptic A Script) المعروف من مخطوطات البحر الميت (Dead Sea Scrolls).
 
2- خط رمزي فريد، يبدو خاصًا بهذا النقش، لكنه يحتوي على أشكال مشابهة لبعض رموز المخطوطات.
 
3- كلمات مكتوبة بالآرامية اليهودية العادية (Jewish Aramaic Script)، تتضمن إشارات مباشرة إلى إله إسرائيل (God of Israel).
 
أوضحَ ما ورد في النقش عبارة:
"أدوناي، شَبْتِي" (Adonai, shabti)،
والتي تُترجم بدقة إلى: "يا رب، جلستُ" أو "يا رب، أقمتُ / مكثتُ"، بناءً على الجذر العبري שׁבת (shavat) الذي يدل على الجلوس أو الاستراحة.
 
أما ما يلي هذه العبارة فليس واضحًا تمامًا، لكن الباحث ستيفن فان (Stephen Pfann) اقترح أنه يُشير إلى تحوير لنص من مزمور (Psalm 26:8):
 
"أدوناي، أَحَبْتِי מָעוֹן בֵּיתֶךָ"
(Adonai ahabti me'on beiteka)
أي: "يا رب، أحببتُ مسكن بيتك".
ويمكن تفكيك العبارة إلى:
אדוני (Adonai) = يا رب
אהבתי (ahabti) = أحببتُ
מעון (me'on) = مسكن / مقر
ביתך (beiteka) = بيتك
 
ويُلاحظ أن النقش يستبدل الفعل "أحببتُ" (ahabti) بالفعل "جلستُ" أو "مكثتُ" (shabti)، وهو ما قد يُفهم كتعبير طقسي يشير إلى الاستقرار في حضرة الرب، أو الدخول في حالة من العبادة والتأمل، مما يُضفي على النص بُعدًا تعبديًا وشعائريًا.
 
كما لاحظ ستيفن فان أن بعض العلامات المتعرجة الظاهرة على سطح الكوب قد تمثل تكرارًا لحرف "צ" (tsade) العبري، واقترح أنها قد تُشير إلى الاسم الإلهي "תְּצַבְּאוֹת" (tseba’ot)، أي: "رب الجنود"، وهو من ألقاب الرب الشائعة في النصوص التوراتية.
 
كما لاحظ (Stephen Pfann) أن بعض العلامات المتعرجة على سطح الكوب قد تكون في الواقع تكرارًا لحرف "ص" العبري (tsade – צ)، واقترح أن يكون ذلك إشارة إلى الاسم الإلهي "تصباؤوت" (tseba’ot)، أي: "رب الجنود"
 
في دراسة أحدث، قام الباحث دافيد حميدوفيتش (David Hamidović) من جامعة لوزان (University of Lausanne) بتحليل جديد للنقش. وقدّم قراءة بديلة لكلمة "شَبْتِي"، معتبرًا أنها في الأصل "شِبْتِي" (shibti)، بمعنى: "عرشي" .
 
لكن الأهم من ذلك، أن حميدوفيتش قدّم مقارنة موسّعة بين هذا النص ونقوش أخرى مماثلة موجودة على نصوص تعبدية تعود إلى نفس الفترة. هذه المقارنة دعمت فرضية مفادها أن مثل هذه الأواني — وبخاصة المصنوعة من الحجر غير القابل للنجاسة الطقسية، على عكس الفخار — كانت تُستخدم في طقوس التطهير مثل غسل الأيدي، وربما ارتبطت بممارسات شعائرية داخل المنازل.
 
ومن ثم، يُرجّح أن النقش على الكوب الحجري لم يكن مجرد كتابة رمزية، بل جزءًا من ممارسة طقسية متكاملة. ربما استُخدم كنص تذكيري (mnemonic), أو حتى كمجموعة رموز تُستخدم في ترتيل أو تلاوة اسم الله خلال الطقوس المنزلية.
 
ويُحتمل ايضا أن الكوب كان يُستخدم لنقل الماء من الخزان المنزلي إلى الميكفاه، بحيث يكون النص المنقوش عليه جزءًا من الإطار الطقسي المرتبط بهذه العملية.
 
ففي القرن الأول الميلادي، كانت الطهارة الطقسية تشكّل جانبًا أساسيًا من الحياة الدينية اليهودية، لا سيّما في مدينة مثل القدس، حيث كان توفير المياه يمثل تحديًا كبيرًا. وبالتالي، فإن الاحتفاظ بنصوص دينية على أوعية الماء يحمل دلالة رمزية وروحية عميقة.
 
خاتمة
يشكّل الكوب المنقوش من جبل صهيون نافذة نادرة ومهمة على الطقوس الدينية اليومية لليهود في القرن الأول الميلادي، كما يُلقي الضوء على التداخل بين النصوص الطقسية، والتقوى المنزلية، والتقنيات الكتابية الغامضة المرتبطة بمخطوطات البحر الميت.
 
ليكون للبركة
Patricia Michael
BIBLICAL ARCHAEOLOGY SOCIETY
The Mysterious Inscribed Mug from Mount Zion