انحراف الفكر اليهودي في فهم النبوات

بعد أن سقطت البشرية في قبضة ابليس، بخطية العصيان، تسلّط الموت على الإنسان “كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” (رومية 5: 12)، أعلن الله أن نسل المرأة – المسيا- يسحق رأس الحية. الوعد الذي أصبح فيما بعد وعلى مرّ العصور الطويلة، موضوع الرجاء والأمل…

كان هو المشعل المنير الذي يُضيء أمام الآباء ورجال الأيمان. والرب في أمانته غير المتناهية، كان يذكر شعبه بهذا الوعد مراراً كثيرة وفي ظروف مختلفة… ظل هذا الفكر بخصوص مسيا يخلص شعبه من خطاياهم ويحررهم من عبودية إبليس والموت، هو الفكر الوحيد والسائد بين شعب إسرائيل وقادته الدينيين.

لكن الظروف التي اجتاز فيها الشعب قديماً منذ السبي وحتى خراب أورشليم، وما بعدها، بدأت تدخل أفكاراً جديدة على الشعب وقيادته بخصوص هذا المسيا. وشجعت كثيراً على تفسير النبوات الخاصة بالمسيا، بطريقة خاطئة وإلباسها ثوباً سياسياً وطنياً. فقد كان شعب الله يعيش في وسط معادٍ له، وكم من المرات تعرّض لهجمات عنيفة وحروب شعواء.

في هذه الظروف العصيبة المؤلمة، لم يترك الله شعبه ليد الأعداء، بل كان يُرسل لهم قائداً ل ي يذكرهم أولاً وقبل كل شيء بالعهد الذي قطعه معهم الله “وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (تكوين 12: 3)- ثانياً، القائد المُرسل يكون أداة في يد الله لخلاص شعبه من أعدائهم. من هنا نشأ الاصطلاح “مُخلّص” أو “مسيح”.

فكلمة “مسيّا” تتُنطق بالعبرية “ها مشياح Ha- Mashiah המשיח”، أما في الأرامية فتنطق “مشيحا Meshiha משיחא”, تعني “الممسوح”. ويُستخدم الاسم بدون أداة التعريف، كإسم عَلَم “مشيا”، وذلك في التلمود البابلي وفي الأدب الميدراشي. وقد ورد الاسم باللغة اليونانية “مسياس” في العهد الجديد، مُستقى من الشكل الآرامي، لأن الآرامية كانت هي لغة التخاطب في فلسطين في زمن الرب يسوع. وكثيراً ما جاء الاسم “مسيا” مرتبطاً ب “يهوه” أي مسيح الله.

وفي العصور التالية للسبي، عندما شغل الكاهن الأعظم المكانة التي كان يحتلها الملك سابقاً، صار يُشار إليه ب “هاكوهين – هامسيحا” أي ” الكاهن الممسوح من الله. ومسح الملك والكاهن أبرزه كمختار الله لكي يمثل حكم الله على إسرائيل، ولكي يشهد لمجد الله أمام الأمم. وبذلك، صار مقدساً إلى أبعد حد، ولا تنتهك قداسته وحرمته.

في فترة السبي وبسببه أيضاً، بدأ بعض الأنبياء بالتحدث من جديد عن المسيا المخلّص… الذي يختلف عن كل المخلصين السابقين الذين عرفهم شعب إسرائيل. وهناك في السبي بدأ الشعب يحلم بمخلص وبملك يخلصهم من سبيهم، ويحررهم من عبوديتهم ويخرجهم من بابل. ثبت في فكر اليهود من فهمهم لبعض النبوات، أن الله سيفتقد شعبه بإرسال مخلّص لهم….

البعض من المسبيين شطوا بعيداً عن روح النبوات المقدسة، وظنوه مخلصاً سياسياً لكي يخلصهم من السبي والاستعباد، في حين أن الأنبياء الذين تكلموا عن هذا المخلص وصفوه بأنه سيكون رئيساً يختلف اختلافاً كلياً وجزئياً عن كل الرؤساء والملوك الذين سبقوه، وفي عهد هذا الملك الآتي سيكون السلام سائداً بطريقة لم يسبق لها نظير…

سيجلس على كرسي داود أبيه إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية. قليلاً قليلاً، أصبح الفكر السائد بين القادة الروحيين وشعب إسرائيل، أن المسيا الملك، لابد أن يكون من نسل داود وفي فترة ملكه يكون إسرائيل سيداً للعالم.

أما السبب الثاني لانحراف الفكر اليهودي في فهم النبوات، يمكننا تلخيصه في الآتي: استخدم الله لاستعلان ذاته لشعب إسرائيل كأمة -الكاهن، الله يختاره ويمسحه، ليشعر الشعب به من خلال تشريعات وطقوس دينية – النبي، الله يعطيه نبوات تختص بمستقبل الشعب من جهة علاقته الدائمة بالله. وهنا تبدو الخطة الإلهية واضحة في شكلها من خلال نظام ملوكية ونظام كهنوت، ونظام نبوة… ولكنها في جوهرها عضوية حيّة.

فالملك والكاهن والنبي ليسوا ممثلين لثلاثة أنظمة، بل هم في الواقع ثلاثة أعضاء في جسم حيّ واحد، يحركه الله ويدبره نحو قصد معين وغاية هامة بالنسبة للعالم كله، وهو استعلان الله نفسه من خلال شخص المسيا، الذي يجمع في ذاته: الملك والكاهن والنبي.

كان شعب إسرائيل يعتبره الله بمثابة ابنه البكر، بصفته أول شعب من بين شعوب الأرض أقام معه عهداً وأحبه… لكن ليس في شخص ملوكه أو كهنته أو أنبيائه أو شعبه بحد ذاتهم، بل في شخص المسيا، الذي سيحقق مفهوم الملوكية في معنى الحكم بالحق الإلهي – وسيحقق الكهنوت في معناه الفدائي الخلاصي – وسيحقق النبوة في معنى استعلان الله علانية وليس بالرمز… فأصبحت هناك صلة سرية بين إسرائيل كشعب وبين المسيا، بحيث أمكن أن يُنسب ما لإسرائيل، للمسيا.

هذا التداخل الشديد بين شخصية المسيا وشخصية شعب إسرائيل، كانت تعتمد في أعماقها على شخصية المسيا وتتجه في تكميلها نحوه كغاية نهائية، بصفته الملك الأبدي ورئيس الكهنة الأعظم والنبي الناطق بفم نفسه. فللأسف الشديد، قد انتحى العلماء والرابيون المتأخرون قبل أيام المسيح مباشرة إلى تفسيرات عقيمة وخلطوا بين ما قيل عن شخصية إسرائيل كشعب وشخصية المسيا كمخلّص.

وهكذا تشوهت النبوات الخاصة بالمسيح في أذهان القادة الدينيين، فأتلفت حكمهم على الحقيقة وأعمت بصائرهم عن رؤية النور عندما أشرق، هذا بالإضافة إلى اضمحلال الحساسية الروحانية لدى الرؤساء بسبب انشغالهم وراء شكليات الناموس. وتراءى لهم أن المسيح لا يحمل الصفات الواجبة للمسيا، بحسب ما رسموها له في أنفسهم لتناسب ميولهم وأهدافهم المنحرفة.

ومما هو جدير بالذكر …. أن بعضاً من الرابيين وعلماء اليهود، أعادوا دراستهم لنبوات الأنبياء عن المسيا، ومدى تطابقها على شخص الرب يسوع المسيح.. فخرجوا بنتيجة لا تقبل الشك، بأن يسوع الذي وُلد في بيت لحم وصُلب على الصليب ومات وقام، هو هو المسيا. فآمنوا به وقبلوه في حياتهم. وهناك عشرات بل مئات من الكتب تركوها لنا، تُعتبر من أعظم كنوز الأرض