مدينة نينوى (The City of Nineveh) جوهرة الإمبراطورية الآشورية 

Patricia Michael

المقدمة :

تقع نينوى عند ملتقى نهري دجلة والخوصر (الموصل الحالية، العراق). تم استيطانها لأول مرة في الألفية السابعة قبل الميلاد. ووفقاً للكتاب المقدس، كان "نمرود" هو مؤسس المدينة.

لا تقتصر أهمية نينوى على كونها عاصمة سياسية، بل تحتل مكانة بارزة في صفحات الكتاب المقدس، حيث تتقاطع الاكتشافات الأثرية مع النصوص المقدسة في عدة نقاط جوهرية:

البدايات (سفر التكوين): يذكر الكتاب المقدس أن نينوى كانت من المدن التي بناها نمرود (تكوين 10: 11)، وهو ما يتماشى مع عراقة المدينة التي أثبتت الآثار استيطانها منذ الألفية السابعة قبل الميلاد.

رسالة يونان النبي: تبرز نينوى كمدينة "عظيمة جداً" في سفر يونان، حيث يصف الكتاب مساحتها بأنها مسيرة ثلاثة أيام (يونان 3: 3). وقد أكدت اكتشافات لايارد ضخامة أسوارها واتساع رقعتها العمرانية التي ضمت قرى ومزارع داخل حدودها الإدارية، مما يفسر هذا الوصف.

النبوءات وتحققها (ناحوم وصفنيا): تنبأ النبي ناحوم بسقوط نينوى واصفاً إياها بـ "مدينة الدماء"، وتنبأ النبي صفنيا بخرابها وتحولها إلى قفر. وما عثر عليه المنقبون من آثار الحريق والدمار الهائل الذي خلفه الغزو البابلي-الميدي عام 612 ق.م، هو تجسيد مادي دقيق لما ورد في تلك النبوءات.

عصر الملوك: تظهر نينوى في قصص الملك سنحاريب وحصاره لأورشليم في عهد الملك حزقيا (2 ملوك 19). واللافت أن "منشور سنحاريب" الذي عُثر عليه في نينوى يذكر نفس الأحداث من وجهة النظر الآشورية، مما يعد مطابقة تاريخية مذهلة بين الأثر والنص الكتابي.

تمت عمليات تنقيب كبرى تحت إشراف هنري لايارد (Sir Austen Henry Layard) من عام 1845 إلى 1854. يصور المخطط نتائج تلك التنقيبات، خاصة وأنها تعكس فترة الإمبراطورية الآشورية (1420–609 ق.م).

في حوالي عام 1000 قبل الميلاد، حدث إحياء كبير للقوة الآشورية، وأصبحت نينوى مدينة ملكية. كانت مدينة مزدهرة خلال النصف الأول من الألفية الأولى، واحتوت على كماليات مثل الميادين العامة، والمتنزهات، والحدائق النباتية، وحتى حديقة حيوان.

من الاكتشافات الأثرية العظيمة في تلك الفترة مكتبة الملك آشوربانيبال (669–627 ق.م). بلغت مساحة المدينة حوالي 1,850 فداناً. سقطت نينوى في نهاية المطاف في يد الميديين والبابليين عام 612 قبل الميلاد، حيث قامت الجيوش الغازية بسد الأنهار التي تمد المدينة بالمياه، مما تسبب في فيضان اخترق أحد الأسوار المحيطة، مما سمح للجيوش الأجنبية بدخول المدينة.

عملية التنقيب (1845–1854)

تمت عمليات تنقيب كبرى تحت إشراف هنري لايارد (Sir Austen Henry Layard) من عام 1845 إلى 1854. يصور المخطط نتائج تلك التنقيبات، خاصة وأنها تعكس فترة الإمبراطورية الآشورية (1420–609 ق.م).

هو مستكشف، وعالم آثار، ودبلوماسي، ومؤرخ بريطاني (1817–1894). اشتهر عالمياً بكونه الرجل الذي "أعاد اكتشاف" نينوى ونمرود للعالم الحديث، مما أحدث ثورة في فهمنا لتاريخ الشرق الأدنى القديم.

بدأت رحلته بدافع الشغف لاكتشاف المواقع المذكورة في النصوص القديمة. وتتميز عمليات تنقيبه بالنقاط التالية:

-اكتشاف القصور الملكية: خلال إقامته في بلاد الرافدين، اكتشف لايارد قصر الملك سنحاريب (الذي أطلق عليه "القصر الذي ليس له مثيل") وقصر آشوربانيبال.

-استخراج المنحوتات العظيمة: كان له الفضل في العثور على "الثيران المجنحة" (لاماسو) والمنحوتات الجدارية الضخمة التي كانت تزين جدران القصور، وقام بنقل العديد منها إلى المتحف البريطاني في لندن.

-العثور على مكتبة آشوربانيبال: يعتبر أهم إنجاز علمي له هو اكتشاف آلاف الألواح الطينية المسمارية، التي شكلت لاحقاً أساس "علم الآشوريات" وأتاحت للعلماء قراءة ملحمة جلجامش وتاريخ المنطقة.

أسلوب التنقيب: في ذلك الوقت، لم يكن علم الآثار بالدقة التي هي عليها اليوم؛ فقد استخدم لايارد نظام الأنفاق المحفورة تحت الأرض للوصول إلى الجدران المزينة، وهي الطريقة التي يظهرها المخطط الذي أرفقته في سؤالك الأول كأحد نتائج أبحاثه.

التوثيق: نشر لايارد كتابه الشهير "نينوى وبقاياها" (Nineveh and its Remains)، الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعاً في ذلك القرن، وجعل من الحضارة الآشورية مادة غنية لاهتمام الجمهور العالمي.

لقد وضع هنري لايارد الأساس الذي سار عليه المنقبون من بعده، ورغم أن أساليبه كانت توصف بالاستكشافية أكثر منها علمية بمعايير اليوم، إلا أن جهوده هي التي أنقذت تراث نينوى من الضياع التام تحت التراب.

أسماء المواقع والبوابات والمعالم الرئيسية على الخريطة:

أولاً: المعالم الطبيعية والدفاعيةنهر دجلة (Tigris River): الشريان الرئيسي للمدينة، وفر الحماية من جهة الغرب وكان وسيلة النقل والتجارة الأساسية.

نهر الخوصر (Khoser River): نهر أصغر يخترق قلب المدينة، استُخدم للري وتغذية الخنادق المائية، وكان عاملاً حاسماً في سقوط المدينة عند فيضانه.

الخندق المائي (Moat): حفرة عميقة محيطة بالأسوار الخارجية كانت تُملأ بالمياه لتصعيب مهمة الجيوش الغازية في تسلق الجدران أو نقبها.

ثانياً: القصور والمنشآت الملكيةقصر آشوربانيبال: يقع في الجزء الشمالي، اشتهر بكونه مركزاً ثقافياً ضم المكتبة العظيمة ومنحوتات صيد الأسود الشهيرة.

قصر سنحاريب: يُعرف بـ "القصر الذي ليس له مثيل"، كان صرحاً معمارياً هائلاً يعكس قمة الهندسة الآشورية.

ترسانة أسرحدون (Arsenal of Esarhaddon): مجمع عسكري ضخم استُخدم ككنز ملكي، ومخزن للأسلحة، وإسطبلات للخيول، ومركز لتدريب الجيش الإمبراطوري.

ثالثاً: المعابد (المراكز الروحية)معبد نبو (Nabu Temple): مخصص لإله الكتابة والحكمة؛ كان مركزاً للعلماء والكتبة، ويقع بجوار القصور الملكية.

معبد عشتار (Ishtar Temple): مخصص لإلهة الحب والحرب، وهي الآلهة الحامية لنينوى، ويعد من أقدم وأقدس المواقع في المدينة.

رابعاً: البوابات الرئيسية (مداخل المدينة)بوابة أداد: سُميت على اسم إله العواصف، تقع في الشمال وكانت تحمي المداخل الشمالية.

بوابة حلاحو: بوابة رئيسية في السور الشرقي، سميت نسبة لمنطقة "حلاحو" القديمة.

بوابة شيبانيبا: بوابة تؤدي إلى المناطق الزراعية والقرى الواقعة شرق المدينة.

بوابة مشلالو: من أقدم البوابات، وتتميز بتصميمها الدفاعي القوي.

بوابة كار-مُليسي: سُميت نسبة لزوجة الإله آشور، وكانت مدخلاً حيوياً في السور الشرقي.

بوابة شمش: سُميت على اسم إله الشمس، وهي من أضخم البوابات التي تم الكشف عنها وتؤدي إلى الشرق.

بوابة حلزي: تقع في الركن الجنوبي الشرقي، وهي إحدى البوابات التي شهدت معارك عنيفة أثناء سقوط المدينة.

بوابة آشور: المدخل الجنوبي الرئيسي، وتتجه نحو مدينة "آشور" العاصمة الدينية والقديمة للإمبراطورية.

بوابة هندوري: بوابة فرعية في السور الجنوبي كانت تُستخدم للتنقل المحلي.

بوابة الترسانة: المدخل المخصص للجيش والعربات الحربية للوصول إلى مخازن السلاح (ترسانة أسرحدون).

بوابة الصحراء (Desert Gate): بوابة فرعية تؤدي إلى المناطق القاحلة أو البرية خارج حدود العمران.

بوابة الرصيف (Quay Gate): المدخل المباشر من جهة نهر دجلة، وتُستخدم لتفريغ البضائع القادمة عبر السفن.

بوابة أماكن السقاية: ممر مخصص للوصول إلى مياه النهر لسقي الحيوانات وتزويد المدينة بالمياه.

بوابة سين: سُميت على اسم إله القمر، وتقع في الجزء الشمالي الغربي من السور.

دروس من بين الرمال

لا تمثل نينوى مجرد أطلال لمدينة بائدة، بل هي شاهد حي على عبقرية الإنسان القديم في الإدارة، والعمارة، والتوثيق المعرفي. إن قصة سقوطها رغم عظمتها، ثم انبعاث تاريخها من جديد تحت معول هنري لايارد، تذكرنا بأن الحضارة الحقيقية لا تموت ما دام هناك أثر مكتوب يروي قصتها، وهو ما وثّقه الكتاب المقدس حين جعل من نينوى شاهداً على عظمة البدايات ونبوءات النهايات. تبقى نينوى "جوهرة الآشورين" ورمزاً لبلاد الرافدين التي علمت البشرية كيف يُصان الفكر في المكتبات، وكيف تُبنى المدن لتناطح السحاب، وكيف تظل كلمة الوحي حية تشهد لعظمة ما كان.

ليكون للبركة

Patricia Michael

Book: Nineveh and its RemainsAuthor: Austen Henry Layard