اكتشاف أثري يحمل اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل) من زمن القضاة
أعلن علماء آثار عن اكتشاف قطعة فخارية صغيرة منقوش عليها اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل) خلال حفريات في موقع (خربة الرَّاعي) قرب مدينة Lachish (لاخيش) القديمة في جنوب إسرائيل. ويرجع تاريخ النقش إلى القرنين الثاني عشر أو الحادي عشر قبل الميلاد، وهي الفترة التي يربطها الكتاب المقدس بزمن (عصر القضاة)، مما يجعل هذا الاكتشاف ذا أهمية تاريخية ولغوية في دراسة أسماء الأشخاص والثقافة في ذلك العصر.
أسفرت الحفريات في (خربة الرَّاعي)، بالقرب من Lachish (لاخيش) القديمة في جنوب إسرائيل، عن اكتشاف قطعة صغيرة من الفخار (أوستراكون) تحمل اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل). وقد أُرِّخ هذا النقش إلى القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد—وهي الفترة نفسها التي يحدّدها الكتاب المقدس زمنًا لعصر (القضاة)—استنادًا إلى دراسة أنماط الفخار والتأريخ بالكربون المشع لمواد عضوية عُثر عليها في الطبقة نفسها.
ويشير الكتاب المقدس إلى معنى هذا الاسم وأصل إطلاقه، فيقول: اسم عبري معناه "لِيُخَاصِمهُ البعل". (قض 6: 32). وهو الاسم الذي أطلقه يوآش الأبيعزري على ابنه جدعون لأنه هدم مذبح البعل، قائِلًا: "ليقاتله البعل لأنه قد هدم مذبحه"
فَدَعَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ «يَرُبَّعْلَ» قَائِلًا: «لِيُقَاتِلْهُ الْبَعْلُ لأَنَّهُ قَدْ هَدَمَ مَذْبَحَهُ».
وبينما يستخدم الكتاب المقدس اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل) بالتبادل مع اسم Gideon (جدعون) في عدة مواضع (القضاة 7 : 1 ؛ 8 : 29 ؛ 9 : 1)، فإن هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها الاسم في سياق أثري.
إن الاسم نفسه لافت للنظر؛ فـ Jerubbaal (يَرُبَّعْل) يعني «ليخاصم البعل» أو «البعل يخاصم»، وهو مركب من فعل عبري بمعنى «يخاصم» أو «يدافع عن قضية» مع اسم الإله الكنعاني Baal (بعل). ووفقًا لسفر (القضاة)، الإصحاح السادس، كان بنو إسرائيل قد سقطوا في عبادة الأوثان على نطاق واسع، فسمح الرب لـ (مديان) أن يضطهدهم سبع سنوات.
وعندما هدم Gideon (جدعون)، بأمر الله، مذبح Baal (بعل) وقطع السارية ، طالب أهل البلدة بقتله. لكن والده (يوآش) ردّ بمنطق لاذع: إن كان البعل إلهًا حقًا فليدافع عن نفسه (القضاة 6 : 31). ومنذ تلك اللحظة دُعي Gideon (جدعون) باسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل)— فصار الاسم نفسه بيانًا يسخر من عجز الآلهة الكاذبة.
القضاة 6 : 28 - 32
28فَبَكَّرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي الْغَدِ وَإِذَا بِمَذْبَحِ الْبَعْلِ قَدْ هُدِمَ وَالسَّارِيَةُ الَّتِي عِنْدَهُ قَدْ قُطِعَتْ، وَالثَّوْرُ الثَّانِي قَدْ أُصْعِدَ عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي بُنِيَ. 29 فَقَالُوا الْوَاحِدُ لِصَاحِبِهِ: «مَنْ عَمِلَ هذَا الأَمْرَ؟» فَسَأَلُوا وَبَحَثُوا فَقَالُوا: «إِنَّ جِدْعُونَ بْنَ يُوآشَ قَدْ فَعَلَ هذَا الأَمْرَ». 30 فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِيُوآشَ: «أَخْرِجِ ابْنَكَ لِكَيْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ هَدَمَ مَذْبَحَ الْبَعْلِ وَقَطَعَ السَّارِيَةَ الَّتِي عِنْدَهُ». 31 فَقَالَ يُوآشُ لِجَمِيعِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهِ: «أَنْتُمْ تُقَاتِلُونَ لِلْبَعْلِ، أَمْ أَنْتُمْ تُخَلِّصُونَهُ؟ مَنْ يُقَاتِلْ لَهُ يُقْتَلْ فِي هذَا الصَّبَاحِ. إِنْ كَانَ إِلهًا فَلْيُقَاتِلْ لِنَفْسِهِ لأَنَّ مَذْبَحَهُ قَدْ هُدِمَ». 32 فَدَعَاهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ «يَرُبَّعْلَ» قَائِلًا: «لِيُقَاتِلْهُ الْبَعْلُ لأَنَّهُ قَدْ هَدَمَ مَذْبَحَهُ»
ومن المهم التوضيح أن هذه الشظية الفخارية لا تثبت أن جدعون المذكور في الكتاب المقدس هو نفسه صاحبها، فقد يكون Jerubbaal (يَرُبَّعْل) شخصًا آخر يحمل الاسم ذاته. غير أن هذه النقطة بالذات هي ما يراه بعض الباحثين معززًا للرواية الكتابية؛ فالاسم يتوافق مع الزمن والبيئة اللذين يصفهما سفر القضاة.
وقد جادل بعض المشككين بأن أجزاء من العهد القديم كُتبت بعد قرون وأسقطت عليها أفكارًا دينية لاحقة، إلا أن العثور على اسم ثيوفوري (Theophoric) يتضمن Baal (بعل) من فترة القضاة يُظهر أن مثل هذه الأسماء كانت مستخدمة فعلًا في ذلك الزمن. بل إن بعض الأسماء الإسرائيلية المبكرة كانت تتضمن «بعل» قبل أن يرتبط الاسم لاحقًا بعبادة منحرفة، مثل اسم Eshbaal (إِشْبَعَل) في (أخبار الأيام الأول) 8:33، وهو ما يتوافق مع التعقيد الثقافي والديني الذي يصوّره سفر Judges (القضاة).
والاسم الثيوفوري هو اسم شخص يتضمن اسم إله أو إشارة إلى إله ضمن تركيبه. وكانت الأسماء الثيوفورية شائعة في الشرق الأدنى القديم، إذ كان الناس يعبرون من خلالها عن إيمانهم أو عن الإله الذي يعبدونه أو يطلبون حمايته.
تفاصيل الاكتشاف في خربة الرَّاعي، إسرائيل
لأول مرة في التاريخ، كشف علماء آثار خلال حفريات في جنوب إسرائيل عن نقش يحمل اسم قاضٍ من الفترة الكتابية.
النقش المكتوب بالحبر على قطعة فخارية يبلغ عمرها نحو 3100 عام يحمل اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل)، وهو الاسم الأقل شهرة لـ Gideon (جدعون)، القاضي الإسرائيلي الذي هزم المديانيين بمئة وثلاثمئة رجل فقط (القضاة 7 : 1).
وقد وقعت معركة Gideon (جدعون)، كما وردت في سفر Judges (القضاة) الإصحاحات 6–9، في وادي يزرعيل قرب عين حَرُود، على بعد نحو 120 كيلومترًا شمال (خربة الرَّاعي). وبناءً على ذلك، تكهّن الباحثان Prof. Yosef Garfinkel (البروفيسور يوسف غارفينكل) وSaar Ganor (سار جانور) بأن القطعة الفخارية قد تعود لشخص آخر يحمل نفس الاسم، مع الإشارة إلى أن احتمال أن تكون مُلكًا للقاضي جدعون نفسه لا يمكن استبعاده.
وقال الباحثان في بيان صحفي:
"بالنظر إلى المسافة الجغرافية بين سهل شيبولا ووادي يزرعيل، قد يشير هذا النقش إلى Jerubbaal (يَرُبَّعْل) آخر وليس إلى Gideon (جدعون) من التقليد الكتابي، لكن اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل) كان مستخدمًا على نطاق واسع في زمن القضاة.
تم اكتشاف النقش خلال موسم الحفريات لعام 2019 في Khirbat al-Ra’i (خربة الرَّاعي)، على بعد 4 كيلومترات غرب Tel Lachish (تل لاخيش). وقد وُجد في سياق أثري يعود إلى أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وهو ما يتوافق مع فترة (القضاة).
النقش كان على إناء صغير بسعة حوالي لتر واحد من السائل، وقد يفترض علماء الآثار أن الإناء كان يحتوي على مادة ثمينة مثل الزيت أو العطر أو دواء.
وحسب Prof. Christopher Rollston (البروفيسور كريستوفر رولستون)، خبير النقوش من جامعة جورج واشنطن، فإن النقش يتضمن الحروف: yod، resh، bet، ayin، lamed، وتشير بقايا الحروف الأخرى إلى أن النقش الأصلي كان أطول. هذه الحروف تكون الاسم القديم Jerubbaal (يَرُبَّعْل)، الذي أطلقه والد Gideon (جدعون) عليه.
الأهمية التاريخية لهذا الاكتشاف:
-يشير اكتشاف النقش إلى أن اسم Jerubbaal (يَرُبَّعْل) كان مستخدمًا بالفعل في زمن القضاة.
-يثبت وجود أسماء كتابية في سياق أثري، ما يدعم فكرة أن الذاكرة التاريخية قد نُقلت بدقة عبر الأجيال.
-يعكس الاكتشاف العلاقة بين التسمية والأحداث الدينية والاجتماعية، كما يظهر في تقليد إطلاق أسماء ثيوفورية، أي أسماء تتضمن اسم إله (Theophoric names)، مثل:
Jerubbaal (يَرُبَّعْل): يتضمن اسم Baal (بعل)
Eshbaal (إِشْبَعَل): يتضمن اسم Baal (بعل)
-الحفريات في - (خربة الرَّاعي) مستمرة تحت إشراف Prof. Yosef Garfinkel (البروفيسور يوسف غارفينكل)، Saar Ganor (سار جانور)، Dr. Kyle Keimer (د. كايل كيمر) وDr. Gil Davies (د. جيل ديفيز)، نيابة عن معهد الآثار في الجامعة العبرية بالقدس، وسلطة الآثار الإسرائيلية، وجامعة ماكواري، سيدني، أستراليا.
وقال الباحثان:"وجود أسماء مكتوبة في الكتاب المقدس ومطابقة لنقوش أثرية يظهر أن الذاكرة التاريخية كانت محفوظة ومنقولة عبر الأجيال."
الخاتمة:
إن علم الآثار لا يحلّ محل الكتاب المقدس، ولا يقوم الإيمان على شظايا الفخار، لكن اكتشافات كهذه تُعد، في نظر كثيرين، تأكيدًا خارجيًا على أن كتّاب الكتاب المقدس يعكسون بدقة الواقع التاريخي واللغوي لعصورهم. فنقش Jerubbaal (يَرُبَّعْل) يتوافق مع الإطار الزمني الكتابي، والجغرافيا الإقليمية قرب Lachish (لاخيش)، وأنماط التسمية في تلك الفترة. وبدلًا من أن يقوّض سفر(القضاة)، يرى البعض أنه يعزّز بهدوء فكرة أننا نتعامل مع أماكن حقيقية وصراعات ثقافية حقيقية وأسماء حقيقية متجذّرة في التاريخ.
ليكون للبركة