طريقة سرد النبوات في العهدين
قبل شرح هذه النقطة، لا بأس من أن نذكر وبإيجاز شديد، الشروط الواجب توافرها في النبوة… فهي يجب أن تكون: نبوة أصيلة، لا جدال في صحتها وسابقة للأحداث بفترة طويلة -نبوة واضحة، يمكن التعرف عليها بسهولة من خلال الأحداث – نبوة أكيدة، أي قد تمّت كما قيلت بالضبط – نبوة تشير إلى أحداث لا يمكن معرفتها بشكل طبيعي ويرتبط تحقيقها بأمور لا يمكن توقعها. أما عن طريقة سرد النبوات، فيمكن تقسيمها إلى قسمين هما:
1- طريقة العهد القديم:
في العهد القديم، كان النبي ينطق بكل ما يضعه الله على فمه، كما قال لإرميا النبي “ها قد جعلت كلامي في فمك” (إرميا 1: 9). وقد فهم شعب إسرائيل ذلك جيداً، لذا جاءت النبوات مطابقة تماماً لما سوف يكون، هذا من جهة… من جهة أخرى، عند تجميع هذه النبوات، تتكّون لنا صورة بديعة بالألوان لشخصية المسيا القادم وبأدق التفاصيل (سنستمتع سوياً بهذه الصورة الجميلة على صفحات هذا البحث).
فمن سفر التكوين حتى سفر ملاخي، نتقابل مع نبوات رائعة واضحة عن هذا المسيا… إذا تتبعها الشخص خطوة خطوة سيجد نفسه فجأة أما أحداث العهد الجديد، وبلا أي عناء.
يبدأ سفر التكوين بإعطاء الوعد، بنسل المرأة الذي يسحق رأس الحية ثم يبدأ النسل من إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب ثم يهوذا.. إلى أن نصل إلى داود النبي. ومنذ زمن داود النبي وما بعده، اتضح سِرّ المسيا أكثر منه في أي وقت آخر. فداود رآه من بعيد وتغنى به في مزاميره بروعة لا مثيل لها: لقد رآه جالساً عن يمين العظمة يرقب من أعلى السماء أعداءه تحت قدميه، ولقد دهش داود النبي لهذا المشهد الرهيب فنطق بروح النبوة ودعاه ربّه، قائلاً “قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مزمور 110: 1).
وفي حين أن مُلك هذا المسيا قد تم التنبؤ به في أسفار أخرى، إلا أنه بدا الصليب لداود النبي، كعرش حقيقي لهذا الملك الجديد… فقد رأى يديه ورجليه المثقوبتين، ورأى عظامه المعدودة غير مكسورة، رأى ثيابه وهم يقترعون عليها، رأى لسانه يذوق مرارة المرّ. ولكنه رأى في الوقت نفسه، المجد الذي تلا هذه الآلام والإهانات…. لأن شعوب الأرض كلها ستذكر الله الذي نسيته منذ قرون، وسيأتون ليعبدوه… ويؤسس كنيسته المكونة من يهود وأمم.
لم تكن رؤية بقية الأنبياء للمسيح، أقل وضوحاً من رؤية داود النبي: ففي حين يرى الواحد بيت لحم أصغر مدن يهوذا، وقد تمجدت بميلاده فيها، يرى الآخر العذراء البتول والدة الإله…. ويرى عمانوئيل، ابناً عجيباً وإلهاً قديراً… فهذا يراه داخلاً هيكله، وذاك يراه ممجداً في قبره حيث غلب الموت. ومقابل إعلان الأنبياء هذه الأمور الرائعة عن الرب يسوع، فإنهم لا يغفلون عن المواقف المهينة التي سيتكبدها: فلقد رأوه مباعاً وعرفوا ثمنه وفيما أُستخدم هذا الثمن…. ففي الوقت الذي رأوه فيه ممجداً، رأوه مرذولاً ومحتقراً من الناس…
رأوه متواضعاً، مهاناً كأرذل الناس، حاملاً خطايا البشر ومُذلاً، وفاعل خير… شوهت الجراح جماله. أما الذي اشترك فيه أغلب الأنبياء، فهو تقديم المسيا، كابن الله الذي سيصير أيضاً ابناً للبشر (ابن داود)… هذا الابن موعود بمُلك لا نهاية له.
2- طريقة العهد الجديد:
يعلن العهد الجديد بوضوح، أن في بداية كرازة السيد المسيح، كان من الصعب على التلاميذ إدراك حديثه عن موته، إدراكاً كاملاً. فكل مرة يحدثهم السيد المسيح عن صلبه وموته، يصيبهم الارتباك والدهشة. والسبب الحقيقي هو أنهم – أي التلاميذ – كانوا يفتقرون في ذلك الوقت إلى المعرفة الكاملة التي تتعلق بالخطة الشاملة للمسيا، ويتوقعون كغيرهم من اليهود – أن المسيا يهزم أعداءهم ويؤسس مملكته على الأرض. كان إدراكهم في ذلك الوقت لحقيقة أن المسيا ينبغي أن يأتي مرتين: أولاً ليتألم – ثم يأتي في مجده، وأن هدف مجيئه الأول يختلف عن هدف مجيئه الثاني، ضعيفاً … ماذا فعل السيد المسيح ليُصحح أفكارهم.
لم يطلب منهم مجرد الإيمان به، بل أحالهم إلى ما كُتب عنه في الأسفار المقدسة التي لديهم (العهد القديم)، فعلى سبيل المثال: “إن ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب عنه” (متى 26: 24) – “وأما هذا كله فقد كان لكي تُكّمل كتب الأنبياء” (متى 26: 56) – “لأنه كان يُعلّم تلاميذه ويقول لهم إن ابن الإنسان يُسلّم إلى أيدي الناس فيقتلونه. وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث. وأما هم فلم يفهموا القول” (مرقس 9: 31)- “وأخذ الإثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان.
لأنه يُسلّم إلى الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً وكان هذا الأمر مُخفى عنهم ولم يعلموا ما قيل” (لوقا 18: 31-34).
أما بعد القيامة، فالطريقة اختلفت، ويظهر ذلك بوضوح في الأمثلة التالية:
أ – ظهور السيد المسيح لتلميذي عمواس “… فأجاب أحدهما الذي اسمه كليوباس وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه الأيام. فقال لهما وما هي. فقالا المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب. كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل… فقال لهما أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء.
أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى وجميع الأنبياء يُفسّر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب” (لوقا 24: 13-27). هنا نرى السيد المسيح يوبخ عدم معرفتهما ما قاله الأنبياء وما تحتويه بنبوات تخص آلامه وموته. لم يكن لديهم أية صعوبة ليؤمنوا بالنبوات التي تُقدم المسيا كملك يُعيد إسرائيل إلى مجده الأول، كانت الصعوبة لقبول النبوات التي تُقدم المسيا كمتألم مهان. لذا، من الآيات السابقة كان واضحاً ذهولهما من موقف المسيح الحاسم لصد هذا المفهوم الإيماني الخاطئ.
لقد بدأ الرب يسوع يشرح لهما كل ما يختص به، من ناموس موسى ثم الأنبياء والمزامير… أي توقف عند كل سفر من أسفار العهد القديم، ليشرح لهما ما يخص المسيا، خاصة آلامه وموته وقيامته. وبذلك يكون موت المسيح وقيامته مطابقاً تماماً لما هو بحسب الكتب المقدسة.
ب – تعلّم رسل المسيح هذا الدرس جيداً. فبعد صعود السيد المسيح، نرى تلاميذه يعيدون اثبات أن المسيح الذي يكرزون به، هو المسيا… وهو لليهود كما للأمم. متبعين نفس الطريقة التي استعملها السيد المسيح مع تلميذي عمواس. ففي سفر أعمال الرسل، نقرأ الآتي عن الخصي الحبشي “ثم إن ملاك الرب كلم فيلبس قائلاً قم واذهب نحو الجنوب على الطريق المنحدرة من أورشليم إلى غزّة التي هي برية. فقام وذهب. وإذا رجل حبشي خصيّ وزير لكنداكة ملكة الحبشة كان على جميع خزائنها. فهذا كان قد جاء إلى أورشليم ليسجد.
وكان راجعاً وجالساً على مركبته وهو يقرأ النبي إشعياء. فقال الروح لفيلبس تقدّم ورافق هذه المركبة. فبادر إليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي إشعياء. فقال ألعلك تفهم ما أنت تقرأ. فقال كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد. وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه. وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه فكان هذا. مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروفٍ صامتٍ أمام الذي يجزّه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه اُنتزع قضاؤه وجيله من يُخبر به لأن حياته تنتزع عم الأرض. فأجاب الخصي فيلبس وقال أطلب إليك. عن مَنْ يقول النبي هذا. عن نفسه أم عن واحدٍ آخر.
ففتح فيليس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع” (أعمال الرسل 8: 26-35). هذا الخصي الحبشي كان يقرأ في نبوة إشعياء 53. ونقرأ أن فيلبس ابتدأ من هذا الكتاب، أي ابتدأ من سفر إشعياء، ليُبشره بالرب يسوع، ليثبت له أن الرب يسوع الذي جاء وتألم وقام هو المسيا الذي يتحدث عنه إشعياء النبي. بالطبع، تأثر الخصي الحبشي بالطريقة التي يتألم ويموت بها المسيح، التي جاءت مطابقة تماماً لما جاء مع وصف إشعياء… فآمن في الحال.
ج – أيضاً بولس الرسول استعمل نفس الطريقة في محاوراته مع اليهود، يخبرنا سفر أعمال الرسل عن هذا قائلاً ” فاجتازا في أمفيبوليس وأبولونية، وأتيا إلى تسالونيكي، حيث كان مجمع اليهود. فدخل بولس إليهم حسب عادته، وكان يحاجهم ثلاثة سبوت من الكتب، موضحا ومبينا أنه كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات، وأن: هذا هو المسيح يسوع الذي أنا أنادي لكم به.” (أعمال الرسل 17: 1-3).
هنا نرى بولس الرسول يستخدم كتبهم المقدسة التي حفظوها عن ظهر قلب لتدعيم كرازته… فهو يسرد لهم النبوات التي تحدث بصراحة ووضوح عن شخصية المسيا بكافة تفاصيلها. وأن هذه المواصفات تنطبق تماماً على السيد المسيح.
د – أيضاً في محاورات بولس الرسول مع اليهود في روما، نقرأ في سفر أعمال الرسل، الآتي: “فعينوا له يوماً فجاء إليه كثيرون إلى المنزل فطفق يشرح لهم شاهداً بملكوت الله ومقنعاً إياهم من ناموس موسى والأنبياء بأمر يسوع من الصباح إلى المساء” (أعمال الرسل 28: 23). في هذه المّرة يستشهد بولس الرسول بناموس موسى والأنبياء، وقد أغفل الكتب الأخرى.
وقد اندهشت في بادئ الأمر من ذلك، لكن بعد البحث في كتب تعاليم الرابيين الكبار، وجدت أن بعض الفئات اليهودية – ومنهم يهود روما- يؤمنون أن كل الأسفار المقدسة موحى بها من الله ولكن ثلاثة مستويات للوحي: الناموس، وقد أُعطي السلطان الأعظم ككلمات الله المباشرة المحددة التي أُمليت على موسى مباشرة – كتب الأنبياء ولها سلطان أقل، كونها رسائل من الله تكلّم بها فم البشر – الكتب الأخرى، وتعتبر أقلهم سلطاناً، نظراً لأنها تعتبر كلمات من فكر الإنسان بإرشاد أو بوحي من الله…
أي أن بعض الفئات تعطى أهمية عليا للناموس والأنبياء، ولكن لا تعطي نفس الأهمية للكتب الأخرى، رغم أنها وحي من الله. من أجل هذا اضطر بولس الرسول أن يحصر نفسه في الاستشهاد بالناموس والأنبياء فقط، كي لا يكون لهم حُجة.