هل اليهود وحدهم كانوا يعيشوا انتظار المسيا ام ان شعوبا كثيرة ايضا كانت تعيش هذا الانتظار؟
لم يكن اليهود وحدهم، يعيشوا انتظار المسيا، بل إن شعوباً كثيرة أخرى كانت تعيش هذا المجيء الموعود به. ولدينا شهادات لا جدل فيها ودقيقة جداً حول انتظار الجميع “أحداً ما” يجب أن يأتي من اليهودية. وتأتي هذه الشهادات من اثنين من أكبر المؤرخين الرومان، هما: تاقيتس وسويطونيوس. فقد كتب تاقيتس في كتابه “The History” هذه السطور:
[إن أكثر الشعوب كانت مقتنعة بأنه مكتوب في كتب الكهنة القديمة، أنه في تلك الفترة سيعظم الشرق بالقوة، وأنه من اليهودية سيأتي الذي يسود العالم].
أما سويطونيوس، في كتابه “The Life of Wespaspanis”
[كانت في الشرق فكرة قديمة وثابتة تسيطر على الأذهان، مفادها أنه سيأتي من اليهودية – في تلك الأيام- ذاك الذي يسود العالم].
وهناك مزيد من الشهادات يقدمها لنا علم الآثار. فنحن نعلم اليوم، بأن أكبر المدارس الفلكية القديمة، كانت مدرسة بابل، وأن هذه المدرسة لم تكن تعيش فقط في انتظار مجيء المسيا، الذي يجب أن يظهر في فلسطين، بل إنها حددت مسبقاً زمن هذا المجيء بدقة أكبر مما فعله الأسنيون في قُمران. فقد كان علماء الفلك البابليون، ينتظرون ولادة “سيد العالم”، انطلاقاً من العام الرابع قبل الميلاد. وهذا التاريخ يعتبره الاختصاصيون أكثر التواريخ دقة لولادة السيد المسيح.
ففي هذا العالم وبحسب الجداول الفلكية في سيبار (مدينة على الفرات)، وهي مركز هام لإحدى المدارس الفلكية البابلية. تحتوي هذه الجداول معطيات دقيقة عن حركة الأجرام السماوية في العام الرابع قبل ميلاد المسيح. طبعاً، قد يسأل البعض لماذا هذا العام بالذات؟ السبب يعود إلى أن علماء الفلك البابليين، كانوا يعتقدون بأن في العام الرابع قبل الميلاد، سوف يتم لقاء المشتري وزحل في منطقة برج الحوت. والذي يجب أن يظهر ثلاث مرات على الأقل وذلك في 29 مايو، 1 أكتوبر، 5 ديسمبر.
وهذا اللقاء لا يمكن ملاحظته قبل 794 سنة ولمرة واحدة. أما في العام الرابع قبل الميلاد، فقد ظهر بوضوح ثلاث مرات. وقد أثبت علماء الفلك المعاصرون صحة ما قاله علماء الفلك في سيبار ودقته.
وفي هذا العام نفسه، وبحسب اللوح الفلكي المحفوظ في برلين، وهو عبارة عن بردية مصرية يظهر فيها أيضاً لقاء زحل مع المشتري، الذي كان واضحاً في منطقة الشرق الأوسط. مما حدا بعض الشراح بأن يفسروا النجم الذي سطع فوق بيت لحم في زمن ميلاد السيد المسيح، ظاهرة نجمية تتعلق بما سبق وشرحناه. ولما حلّ علماء الآثار المعاصرون رموز علماء الفلك البابليين، علمنا بأن المشتري كان يُعتبر كوكب “حكام الأرض”، وزحل كوكب “حماة إسرائيل”.
أما برج الحوت فكان يُعتبر علامة “نهاية الأزمنة”، وبمفهوم علماء الدين اليهود يُعتبر “بداية العصر المسياني”. وهكذا نجد أن ما ورد في إنجيل القديس متى، فيما يتعلق بوصول مجوس من المشرق يسألون عن المولود ملك اليهود (متى 2: 1-2)، هو حقيقة يثبتها التاريخ والفلك. وقد بات واضحاً منذ ذلك الحين، أن الناس بين دجلة والفرات لم يكونوا فقط ينتظرون مسيحاً آتياً من إسرائيل، بل حددوا أيضاً وبدقة مدهشة زمن ولادته.
فاهتمام العالم، الذي يبدو صعباً على الفهم ظاهرياً، كان مركزاً في القرن الأول على مكان واحد، هي تلك المقاطعة الرومانية -اليهودية- البعيدة، حيث كانت النبوات والتفاسير قد دفعت الشعب إلى الثورة والتمرد على روما.
انتهت إذن الأزمنة بالنسبة إلى إسرائيل، فلقد تحددت الكتب المقدسة، وظهر المسيح الذي بشّر به الأنبياء، ودُمر الهيكل في أورشليم وتوقف الكهنوت وتوقت الذبائح نهائياً، واتخذ الشتات شكلاً جماعياً. ولم تعد اليهودية هي المدافعة الأولى عن الإيمان في العالم، بل أصبحت شاهداً بين الشعوب على الإيمان الذي كان لها منذ القديم. فبعد مجيء السيد المسيح، انطوت اليهودية على نفسها تحت ضربات التاريخ، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة المسيحية، أي مرحلة العهد الجديد بكل عظمتها.
لم يقدر أحد أن يقول أو يثبت أن النبوات عن المسيح، قد لفقها دعاة المسيح ومؤمنوه. فالعهد القديم له في قدمه برهان على شرعيته، فهو كتاب مُلهم، أي أن الله هو مؤلفه الرئيسي والأول. والصدق هو من صفات الله، فكلامه منزّه عن الكذب والخطأ. وهدفه هو أن يعلمنا الحقيقة التي أراد الله أن تُدرج فيه لخلاصنا بقوة وأمانة.
إنه لحدث فريد حقاً، أن نرى إيماناً -الإيمان المسيحي- كل كنوزه موضوعة في نصوص حافظ عليها إيمان آخر – الإيمان اليهودي- ومن دون عبث. وهذا ما قد نبهّت إليه في مقدمة البحث، أنها لا يحق لنا أن نذم اليهود، لأنهم حافظوا على العهد القديم بدقة متناهية. وبذلك يكون كل كنوز العهد الجديد كانت مخبأة في العهد القديم، إذ كان مخبأ فيه سرّ المسيح.
وبالتالي نقول، أن السيد المسيح هو المفتاح لحلّ كل نبوات العهد القديم، لأنه هو محورها وهدفها… ولا أحد يشك في أن اليهود كانوا ينتظرونه أيضاً لكي يحقق عملاً يشمل العالم كله، ولكن هذا الانتظار، كان يرافقه قناعة أخرى، وهي أن المسيا الآتي سيكون ملكاً بكل معنى الكلمة، وسيجعل إسرائيل سيدّ هذا العالم.
وكنتيجة لهذا التصور الخاطئ، فقد خرج كثير من المسحاء الكذبة من صفوف الشعب اليهودي، وحاول كل منهم أن يتزعّم حركة دينية سياسية، ولكن في كل مرة كان الأمر ينتهي بمأساة. وهذا يُفسّر مدى الإخفاق الذي شعر به اليهود، عندما رأوا السيد المسيح شديد التسامح والتواضع، يُطالب بمحبة الأعداء…. إنه ملك فقير متواضع بلا خطية… إنه ملك القلوب والعقول