صفحة من مخطوطة “سيدور” (Siddur) اليهودية المزخرفة، المحفوظة في المكتبة الوطنية الروسية، وتعود إلى عام 1480م.

Patricia Michael

"سيدور" (Siddur - סִדּוּר): هو كتاب الصلوات اليومية في التراث اليهودي، وتعود تسميته إلى الجذر العبري (סדר) الذي يعني "الترتيب" أو "النظام". ويُعد هذا الكتاب المرجع الأساسي الذي يضم "ترتيب الصلوات" (Seder Ha-Tefillot - סדר התפילות)، بما في ذلك الصلوات والابتهالات التي تُتلى في الأيام الاعتيادية وأيام السبت. ولا يقتصر ال "سيدور" على كونه نصًا شعائريًا، بل يُمثل وثيقة فنية وتاريخية تتجلى فيها مهارة الخطاطين في تطويع الخط المربع (Square Script) وفنون التذهيب، مما يجعل بعض نسخه العائدة إلى القرن الخامس عشر تحفًا بصرية تعكس الهوية الثقافية والدينية لتلك الحقبة.

وتجسيدًا لهذا الثراء المعرفي والجمالي الذي يحمله ال"سيدور”، نجد نموذجًا فريدًا وحيًّا في مخطوطة سيدور التي تستقر اليوم في قلب مدينة سانت بطرسبرغ، وتحديدًا في المكتبة الوطنية الروسية؛ هذه المؤسسة العريقة، التي تأسست بمرسوم من الإمبراطورة كاترين الثانية عام 1795، تُعد أقدم مكتبة عامة في روسيا، وتتمتع بمكانة استثنائية بوصفها المستودع التاريخي لمجموعات المخطوطات الإمبراطورية والشرقية النادرة، ومن بينها هذه النسخة الفريدة التي تعود إلى عام 1480م.

تُعد مخطوطة ال"سيدور” (Siddur) واحدة من أثمن الكنوز المحفوظة في المكتبة الوطنية الروسية، إذ يعود تاريخها إلى عام 1480م، وقد كُتبت في ألمانيا على رقائق من الجلد (Parchment)، مما يمنحها متانة عالية وقيمة تاريخية استثنائية. وتبرز أهمية هذه النسخة تحديدًا في كونها مخطوطة يهودية مزخرفة (Illuminated Codex) أُدرجت ضمن مقتنيات المكتبة العامة الإمبراطورية، بعد أن نُقلت من مجموعة “الهيرميتاج” الخاصة بالقياصرة الروس بأمر من الإمبراطور ألكسندر الثاني عام 1861م.

وعند تأمل الجانب الفني لهذه المخطوطة، يظهر تمازج فريد بين الخط العبري المتقن والزخارف الفنية الغنية التي ميزت إنتاج المخطوطات في أوروبا الشمالية خلال تلك الفترة. وتزدان الصفحة بما يُعرف بـ “التيجان الملونة” والأطر المذهبة التي تُحيط بالكلمات الافتتاحية، إلى جانب الزخارف النباتية والحيوانية الدقيقة التي تمتد على هوامش الصفحات. وتعكس هذه العناصر الفنية مستوى عالٍ من الإتقان في فنون التذهيب والخط، كما تشير إلى المكانة الاجتماعية والتقدير الكبير الذي كان يحظى به إنتاج الكتب الدينية في ذلك العصر، إذ لم يكن الكتاب مجرد وسيلة للقراءة، بل عملًا فنيًا متكاملًا يجمع بين النص المقدس والجمال البصري.

أما من الناحية النصية، فتظهر صفحات المخطوطة صلوات مكتوبة باللغة العبرية بخط مربع واضح، مع وجود علامات التشكيل التي تضمن النطق الصحيح للنصوص المقدسة. ويُعد الحفاظ على بريق الذهب والألوان رغم مرور أكثر من خمسة قرون على كتابتها أمرًا لافتًا، إذ يقدم للباحثين والمؤرخين مادة غنية لدراسة تطور صناعة الكتب وتقنيات التذهيب في ألمانيا خلال القرن الخامس عشر. كما أن انتقال هذه المخطوطة من القصور الإمبراطورية إلى مقتنيات المكتبات العامة يجعل منها جسرًا يربط بين التاريخ الفني للدين اليهودي وبين السياق السياسي لروسيا القيصرية واهتمامها باقتناء التراث العالمي.

الهوية الأثرية والتوصيف المادي للمخطوط

-نوع المخطوطة: "سيدور" (Siddur)، وهو كتاب صلوات يهودي.-اللغة: العبرية.-تاريخ النسخ: عام 1480م.

-مكان المنشأ: ألمانيا.-

مادة الكتابة: الرق (Parchment / جلد غزال أو جلد حيوان مُعالج).

-الوصف المادي: تتكون من 198 ورقة (fols)، والصفحات المعروضة هي 63v–64.

-المصدر الأصلي: كانت ضمن مقتنيات مكتبة قصر "الهيرميتاج" (Hermitage) الخاصة بالقياصرة الروس.

-تاريخ الاستحواذ: انتقلت إلى المكتبة الوطنية عام 1861م بموجب أمر إمبراطوري.

-التصنيف الأرشيفي: تُحفظ تحت رقم (Evr. n. s. 1) في المكتبة الوطنية الروسية.

الخاتمة:

إن بقاء هذه المخطوطة بكامل رونقها وتفاصيلها المذهبة حتى يومنا هذا، ليس مجرد صدفة تاريخية، بل هو شهادة على تطور فنون المخطوطات والجهود المؤسسية في الحفاظ على التراث الإنساني. تظل 'سيدور 1480' شاهدةً على حقبة امتزج فيها الإيمان بالفن، لتقدم لنا اليوم نافذةً فريدة على ذاكرة الشرق والغرب المجتمعة في أروقة المكتبة الوطنية الروسية.

مرفق صورة من صفحة من مخطوطة “سيدور” (Siddur) تعود إلى عام 1480م.

ليكون للبركة

Patricia Michael