أقدم صيغة إيمانية وتقليد رسولي مبكّر عن قيامة السيد المسيح (1 كورنثوس 15: 3–7)
3 فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ،4 وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ،5 وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ.6 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.7 وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.(1 كورنثوس 15: 3–7)
إن أقدم إعلان مدوَّن عن قيامة يسوع لا يَرِد في الأناجيل، بل في أقدم صيغة إيمانية وتقليد رسولي مبكر سجّله الرسول بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس (15: 3–7). في هذا النص، يوضح بولس أنه يسلّم ما كان هو نفسه قد "تسلّمه"، وهي عبارة منهجية متخصصة تعبّر عن عملية نقل دقيقة وموثوقة للتقليد في الكنيسة الأولى. وتتضمن هذه الصيغة إعلانًا محوريًا: أن المسيح مات من أجل خطايانا بحسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث بحسب الكتب، وأنه ظهر لكيفا (بطرس)، ثم للاثني عشر، ثم لأكثر من خمسمئة أخ، ثم ليعقوب، وأخيرًا لجميع الرسل .
ومن الجدير بالذكر أن كتابات بولس نفسها تُعتبر أقدم أسفار العهد الجديد زمنًا، إذ سبقت الأناجيل في تدوينها التاريخي، الأمر الذي يضفي على شهادة بولس في ( 1 كورنثوس 15: 3 - 7 )وزنًا خاصًا؛ فهي لا تمثل مجرد تقليد رسولي مبكر فحسب، بل أيضًا أقدم وثيقة مكتوبة تعلن قيامة المسيح.
ويتفق معظم الباحثين، مسيحيين وغير مسيحيين، على أن هذه الصيغة الإيمانية تعود إلى سنوات قليلة فقط بعد حادثة الصلب، أي في الفترة ما بين 30–35م. ويرجَّح أن بولس قد تسلّم هذا التقليد إمّا عند اهتدائه أو في لقاءاته المبكرة مع الرسل في أورشليم، مما يؤكد أن مضمون هذا الإعلان لم يكن نتاجًا لاحقًا، بل كان حاضرًا وراسخًا منذ البدايات الأولى للكنيسة.
وتكمن الأهمية التاريخية لهذا التوقيت المبكر في أن الاختراعات او الأساطير أو الروايات المتأخرة عادة ما تحتاج إلى أجيال كي تتطور ، بينما نجد هنا أن القيامة أُعلنت مباشرة بعد موت يسوع. بل إن بولس، بذكره أسماء شهود محدّدين، يضع أمام قرّائه إمكانية التحقق المباشر من صدق هذه الشهادة، إذ إن عددًا كبيرًا من هؤلاء الشهود كانوا لا يزالون أحياء وقت كتابة الرسالة.. ومن ثم، يصبح من المستحيل اعتبار هذه الأقوال أساطير أو اختراعات لاحقة؛ فالزمن القصير بين الصلب والإعلان يجعل التزييف أو تحريف الوقائع أمرًا غير ممكن عمليًا.
ولهذا السبب، يرى العديد من الدارسين أن هذه الصيغة الإيمانية والتقليد الرسولي المبكر في( 1 كورنثوس 15: 3 - 7 )يمثلان أقوى الأدلة التاريخية على أن القيامة لم تكن اختراعًا لاحقًا، بل كانت الإعلان الأصلي للمسيحية ذاتها، وقد أُعلن عنها في حين كان شهود العيان أنفسهم حاضرين ليؤكدوا أو ينكروا هذه الحقيقة.
باختصار، يشير النص إلى أن القيامة كانت محور الإيمان المسيحي منذ البداية، وأن نقلها عبر التقليد الرسولي تمّ بطريقة موثوقة ودقيقة، مما يجعل شهادة بولس واحدة من أقوى الشهادات المكتوبة للقيامة، وقد سُجّلت في وقت مبكر جدًا بعد وقوع الحدث.
ليكون للبركة