فرعون نخو الثاني في الكتاب المقدس والسياق التاريخي
يشكّل فرعون نخو الثاني شخصية تاريخية مؤكدة، مدعومة بالأدلة الأثرية والتاريخية، ومذكورة أيضًا في العهد القديم. وقد لعب دورًا بارزًا في الأحداث السياسية والعسكرية لمنطقة الشرق الأدنى القديم، لا سيما خلال مواجهته مع مملكة يهوذا. ففي عام 609 ق.م.، خاض نخو الثاني معركة مجدّو ضد الملك يوشيا، وأسفرت هذه المعركة عن مقتل الملك يوشيا، مما كان له تأثير كبير على مسار تاريخ يهوذا والسياسة الإقليمية في شمال إسرائيل في تلك الحقبة.
يُعرف فرعون نخو الثاني، أو نخاو، ملك مصر، في الكتاب المقدس باسم نخو، وقد حكم الأسرة المصرية السادسة والعشرين في الفترة الممتدة تقريبًا بين 610 و595 قبل الميلاد. ويُشير معنى اسمه إلى "الذي ينفّذ رغبات القلب". يظهر فرعون نخو في النصوص الكتابية المرتبطة بملوك يهوذا: يوشيا، ويهوآحاز، ويهوياقيم، كما يذكره النبي إرميا في إحدى نبواته.
على الرغم من انشغاله بالحروب، فقد شرع نخو في تنفيذ مشاريع عمرانية مدنية، من بينها محاولة إنشاء أسطول بحري وشق قناة تربط نهر النيل بالبحر الأحمر، والتي تُعدّ النواة الأولى لفكرة قناة السويس التي اكتملت بعد آلاف السنين. وعلى الرغم من أن الكتاب المقدس لا يذكره كثيرًا، فقد كان لنخو نفوذ كبير في مفترق طرق ثلاث ممالك كبرى في تلك الحقبة: آشور، وبابل، ويهوذا.
لقد كانت آشور القوة المهيمنة على الشرق الأدنى لعدة سنوات، إذ أخضعت العديد من القبائل والممالك والثقافات وفرضت عليها الجزية والعبودية. وكانت بابل من بين الممالك الخاضعة لآشور، لكنها ثارت بقيادة القائد العسكري نبوبلاسر، بدعم الماديين والسكيثيين، وأسقطت مدينة نينوى الكبرى حوالي عام 612 قبل الميلاد.
ولم تستطع قوات آشور الصمود أمام البابليين دون دعم حلفائها. فتقدمت تعزيزات مصرية بقيادة فرعون نخو نحو العاصمة الآشورية الثانية، حران، وفي طريقها عبرت حدود يهوذا حيث اعترضها الملك يوشيا. وقد قُتل الملك يوشيا على يد فرعون نخو عند مجدو حين اعترضه، بحسب 2 ملوك 23: 29، كما يوضح سفر أخبار الأيام الثاني 35: 20–24 أن نخو حذّر الملك يوشيا من التدخل، لكنه لم يمتثل، ففقد حياته في ذلك الحين، حوالي عام 609 قبل الميلاد.
ولم تتمكن القوات المصرية من إنقاذ حران، فسقطت المدينة في يد البابليين أيضًا عام 609 قبل الميلاد. وأعاد فرعون نخو تنظيم قواته في كركميش على الضفة الغربية لنهر الفرات، حيث هُزمت في النهاية على يد جيوش نبوبلاسر عام 605 قبل الميلاد (راجع إرميا 46: 2).
وأثناء عودة فرعون نخو وجنوده إلى مصر، مروا مجددًا عبر يهوذا، حيث كان الملك يهوآحاز قد تولى العرش خلفًا ليوشيا، لكنه لم يستمر في الحكم سوى ثلاثة أشهر. فعزل نخو يهوآحاز ووضع شقيقه ألياقيم مكانه، وأعاد تسميته يهوياقيم، بينما أُخذ يهوآحاز إلى مصر حيث توفي هناك. وخلال حكمه، دفع يهوياقيم الجزية من الفضة والذهب إلى فرعون نخو (2 ملوك 23: 33–35؛ 2 أخبار الأيام 36: 3–4).
في وقت لاحق، أرسل نبوبلاسر ابنه نبوخذنصر لمحاصرة مصر. ولم يكن فرعون نخو قادرًا على الصمود، ومع عدم وصول تعزيزات، اضطر لدفع الجزية إلى بابل. وقد كتب النبي إرميا عن هزيمة مصر، مشيرًا إلى أن "الرَّبُّ يَطْرَحُهُمْ" (إرميا 46: 15). وقد دان الله مصر وفرعون نخو على خطاياهم وأعمالهم الدموية ضد شعبه، وسُلّم نخو إلى يد نبوخذنصر (إرميا 46: 25–26). وكان نبوخذنصر أيضًا أداة الله لتأديب يهوذا على عصيانها، ومع ذلك لم تُفنى يهوذا كما حصل مع نخو، إذ حفظ الله شعبه (إرميا 46: 27–28).
Grimal, Nicolas, A History of Ancient Egypt, Oxford University Press, 1992.
Kitchen, K.A., The Third Intermediate Period in Egypt (1100–650 BC), Aris & Phillips, 1986.
Redford, Donald B., Egypt, Canaan, and Israel in Ancient Times, Princeton University Press, 1992.
Lloyd, Alan B., The Late Period, Cambridge Ancient History, Vol. 3 Part 2, Cambridge University Press, 1991.
Bright, John, A History of Israel, 4th Edition, Westminster Press, 2000.
Thiele, Edwin R., The Mysterious Numbers of the Hebrew Kings, 3rd Edition, Kregel, 1983.
Merrill, E.H., Kingdom of Priests: A History of Old Testament Israel, Baker Academic, 2008.
ليكون للبركة