ماذا يمكن أن يعلّمنا المسيحيون الأوائل عن كيفية العيش في ثقافة معادية؟

Dr. Michael Kruger

ترجمة : Patricia Michael

يتناول الدكتور مايكل كروجر في خلال مقابلة معه قضيةً بالغة الأهمية حول كيفية تعامل المسيحيين في العصر الحديث مع عالمٍ يزداد عداءً للإيمان المسيحي، مستلهمًا الدروس من خبرة الكنيسة الأولى في القرن الثاني الميلادي.ومن خلال هذه المقارنة التاريخية، يسعى كروجر إلى إبراز أن الاضطهاد لم يكن يومًا سببًا لضمور الكنيسة، بل كان حافزًا لنموّها وتقويتها، وأن المسيحيين الأوائل — في مواجهتهم للرفض والسخرية والمقاومة من المجتمع الوثني — قدّموا نموذجًا للإيمان الراسخ والقدرة على الشهادة الفاعلة وسط العداء.

ويرى كروجر أن المبادئ ذاتها تنطبق على واقعنا المعاصر، إذ إن كل مقاومة ثقافية تتيح فرصة لتجديد الفكر المسيحي وتوضيح الإيمان بعمق أكبر، الأمر الذي يجعل الكنيسة أكثر نضجًا وثباتًا في شهادتها أمام العالم.

وفيما يلي نصّ الترجمة الكاملة كما وردت في الفيديو الأصلي للدكتور مايكل كروجر:

ماذا يمكن أن يعلّمنا المسيحيون الأوائل عن العيش في ثقافة معادية؟

أعتقد أن أي شخص يعيش في القرن الحادي والعشرين يُدرك سريعًا، ولا سيّما في العالم الغربي، أن الثقافة أصبحت أكثر عداءً بكثير للايمان المسيحي مما كانت عليه في السابق. وبصفتي أعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، من الواضح أن جذورنا التاريخية في التقليد اليهودي–المسيحي اخذت تتراجع تدريجيًا، حتى أصبحنا نشعر أننا أشبه بـ “أقلية” داخل ثقافتنا وعالمنا المعاصر.

ولا يقتصر الأمر على كوننا مجرّد أقلية فحسب،، بل يُنظر إلينا أحيانًا على أننا غريبون أو مختلفون، وتُواجَه معتقداتنا بكثير من الرفض والعداء. ومع مرور كل عام، يبدو أن هذه المعتقدات تُنتقد بشكل متزايد ، وكثيرون يسألونني: ماذا ينبغي أن نفعل في مثل هذا الواقع؟ وكيف يمكننا أن نفكر ونحن نعيش وسط ثقافة كهذه؟

إحدى الوسائل التي أجدها نافعة هي أن نضع أنفسنا داخل سياق تاريخي أوسع.

السياق التاريخي الأوسع

في بعض الأحيان، نميل إلى الاعتقاد أننا نمرّ بتجربة لم يسبق أن مرّ بها أحد في تاريخ الكنيسة، وكأن ما نعيشه الآن أمر جديد تمامًا. لكني أودّ أن أعود بِنَا إلى القرن الثاني الميلادي. لماذا القرن الثاني تحديدًا؟ لأنه كان المرة الأولى التي واجه فيها المسيحيون عالمًا يونانيًا–رومانيًا معاديًا بدون مساعدة الرسل فقد رحل جميع الرسل عن العالم، وكان يسوع المسيح قد قام من الأموات وصعد إلى السماء. وها هي الكنيسة تواجه وحدها عالمًا وثنيًا قاسيًا وعدائيًا للغاية.

اذا كنت تعتقد ان العالم الغربي اليوم معادٍ للمسيحية — وهو كذلك في نواحٍ كثيرة — فإن ذلك لا يُقارن بما واجهه المسيحيون في العالم اليوناني–الروماني القديم. فقد تعرّض المسيحيون آنذاك لاضطهاد سياسي عنيف وتعرض بعضهم للاستشهاد. علاوة على ذلك واجهوا اضطهادًا اقتصاديًا ، إذ حُرموا من المشاركة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية العامة. وأكثر من ذلك فقد تعرّضوا للسخرية والاستهزاء على المستوى الفكري، أي ما يمكن أن نسمّيه اليوم اضطهادًا فكريًا أو فلسفيًا ، لقد تعرضوا للهجوم من كل جانب.

وأعتقد أن هناك بعض الدروس التي يمكن استخلاصها من ذلك. وإليكم أحد الدروس التي يمكن أن نأخذها من هذه الفترة : حتى في خضم كل ذلك العداء، شهدت الكنيسة نموًا هائلًا وبخطوات واسعة. نحن نميل إلى الاعتقاد أنه عندما نواجه الرفض الثقافي، فإن الكنيسة ستصبح راكدة. ولكن، التاريخ يخبرنا بشيء مختلف تمامًا. فعندما تُواجَه الكنيسة بالمقاومة فإنها في الواقع يمكن أن تبقى، وغالبًا ما تكون، صحية جدًا، ويمكنها أن تحقق تقدمًا كبيرًا في القدرة على التغيير بطرق قد لا تكون ممكنة عندما تكون الكنيسة في موقع السلطة او النفوذ.

في تاريخ المسيحية، عندما أصبحت الكنيسة في موقع السلطة، يمكن للمرء أن يجادل بأن الأمور لم تَصِر أفضل حالًا بالضرورة مما كانت عليه من قبل. أما في الأجيال الأولى، فقد حققت الكنيسة نمواً هائلًا وانتشارًا واسعًا رغم الاضطهاد. وهذا الأمر ينبغي أن يكون مشجعًا لنا كمؤمنين اليوم، لأننا لا نحتاج إلى دعم العالم لكي نُتمّم وصية المسيح العظمى، ولا نحتاج إلى تأييد المجتمع لكي يبارك الله جهودنا ، والكنيسة الأولى تشهد على ذلك بوضوح.

التعلُّم عن كيفية التفاعل مع العالم

وهناك درس آخر يمكننا أن نستفيده من الكنيسة الأولى وهو انّ الاضطهاد جعلهم أكثر قوة. فقد اضطرّ المسيحيون الأوائل إلى التعبير عن إيمانهم بوضوحٍ أكبر، وباسلوب أكثر إقناعًا.فعندما كانوا يقولون: «يسوع هو الله»، كان عليهم أن يوضّحوا ما الذي يقصدونه بذلك، وما الذي لا يقصدونه. وكيف يمكن التوفيق بين هذا الإعلان وبين حقيقة أنهم كانوا يؤمنون أصلًا بإله العهد القديم؟المسيحيون اضطرّوا للعمل بجدّ لكي يعبّروا عن إيمانهم باسلوب واضح ومفهوم، ثم يقدّموه لعالم معادٍ بطريقة مقنعة. وهذا، في اعتقادي، درس لنا اليوم أيضًا.

فوسط كل الصراعات الفكرية والثقافية التي يشهدها عالمنا المعاصر، هناك أحد الجوانب الإيجابية، وهو أنّها يمكن ان تجعلنا مسيحيين اكثر نضجا وقوة إذا تعلّمنا كيف نتفاعل مع عالمنا بالنعمة والجاذبية والإقناع.

لقد أصبحنا اليوم مضطرين إلى الانخراط في الميدان الفكري العام، اذ لم يعد بوسع المسيحيين أن يكتفوا بالجلوس مكتوفي الايدي وفي ارتياح تام كما كان ممكناً قبل مئة عام.لم نعد نستطيع أن نأخذ الأمور كأمرٍ مُسلَّم به في ثقافتنا كما كنا نفعل قبل خمسين عامًا . لا يمكننا أن نفترض أنّ الناس يفهمون أساسيات الإيمان كما كان بالإمكان افتراضه قبل خمسٍ وعشرين عاماً.

علينا الآن أن نبدأ من الصفر في شرح الإيمان المسيحي، وهذا في النهاية سيكون بركة للكنيسة اذ سيجعلنا ذلك أكثر وضوحًا في التفكير، وأقوى في الشهادة، وأقدر على مخاطبة عالمٍ معادٍ للمسيح.

يمكنكم مشاهدة الفيديو على الرابط التالي :

https://www.youtube.com/watch?v=cFlzVpcL8q0&t=271s

What can early Christians teach us about living in a hostile culture?

ليكون للبركة

Patricia Michael