«وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 22 : 3 )

Patricia Michael

مرة أخرى يتلاقى العهدان: فاللعنة التي دخلت إلى الأرض بسبب الخطية، في بداءة سِفْر التكوين حيث لُعنت الحية التي بواسطتها دخلت الخطية والموت إلى الأنسان (تكوين 3: 17)، إذ قَالَ الرَّبُّ الإلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.» (تكوين 3: 14) وقَالَ الرب لآدَمَ: «مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ». ولُعنت الأرض مرة ثانية لأنها قبلت دم هابيل من أخيه (تكوين 4: 11).

وخرجت هذه اللعنة في الإصحاح الأخير من سِفْر الرؤيا آخر أسفار العهد الجديد: حيث قال: «وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 22 : 3).

وهكذا، كما دخلت اللعنة إلى الخليقة مع سقوط الإنسان في بداية الكتاب المقدّس، يُعلن زوالها الكامل في نهايته، إذ يقول الوحي:«وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 22 : 3).وبهذا يتجلّى قصد الله النهائي في محو آثار الخطية والموت إلى الأبد.

يتجلّى انسجام الإعلان الإلهي بوضوح عندما نتابع صفحات الكتاب المقدّس من البدء إلى الختام. فاللعنة لم تكن حادثة عابرة، بل نتيجة مباشرة لانفصال الإنسان عن الله بسبب الخطية. في فجر التاريخ، ومع سقوط الإنسان، دخلت اللعنة إلى الخليقة: لُعنت الحيّة التي كانت أداة السقوط، ولُعنت الأرض بسبب عصيان آدم، ثم تأكّدت اللعنة مرة أخرى حين فتحت الأرض فاها لتقبل دم هابيل البريء من يد أخيه. هكذا تشوّهت الخليقة، لا بإرادة الله، بل بفعل تمرد الإنسان.

لكن الكتاب المقدّس لا يتركنا عند هذا المشهد القاتم. فما بدأ في سفر التكوين لا يُترك بلا رجاء، بل يسير عبر تاريخ الخلاص نحو غايته المعلنة. إن اللعنة التي وُلدت مع السقوط ترافق الإنسان عبر العصور، شاهدة على خطورة الخطية وعدل الله ورحمته، لكنها في الوقت نفسه تهيّئ المسرح لإعلان رحمته.

وعندما نصل إلى الصفحات الأخيرة من الوحي، في سفر الرؤيا، نسمع الإعلان الحاسم الذي يضع حدًا نهائيًا لكل ما أفسدته الخطية:«وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ» (رؤيا 22:3).هنا لا نرى إلهًا متناقضًا بين عهدين، بل إلهًا أمينًا لقصده منذ البدء: إله يسمح باللعنة كأثر للخطية، لكنه يعمل عبر التاريخ ليبيدها لا ليُخلّدها.

وهكذا يلتقي العهدان لا في صراع، بل في تكامل؛ فالتكوين يعلن مأساة السقوط، والرؤيا تعلن مجد الاسترداد. وما بين البداية والنهاية، يسير الله مع الإنسان حتى تتحرر الخليقة أخيرًا من كل أثر للخطية والموت، ويُستعلن قصد الله الكامل: خليقة بلا لعنة، وحضور إلهي دائم.

ليكون للبركة

Patricia Michael

تفاسيــر الكتــاب المقــدّس