ســـرجــون الثاني (Sargon II): علم الآثار يؤكّد دقّة السرد الكتابي
لوقت طويل، لم يرد ذكر الملك الآشوري سرجون الثاني (Sargon II) في المصادر القديمة إلا في موضع واحد فقط في العهد القديم، وهو إشعياء 20 : 1
"فِي سَنَةِ مَجِيءِ تَرْتَانَ إِلَى أَشْدُودَ، حِينَ أَرْسَلَهُ سَرْجُونُ مَلِكُ أَشُّورَ فَحَارَبَ أَشْدُودَ وَأَخَذَهَا" (إش 20 : 1).
كانت أشدود (Ashdod) قد عصت على أشور فأرسل ملك أشور سرجون جيشه ليؤدبها وكانت أشدود مدخلًا لمصر. وبسقوط أشدود صار الطريق لمصر مفتوحًا.
استغلّ النقّاد هذا الواقع ليدّعوا أنّ غياب أي شاهد تاريخي مستقل في ذلك الحين يُضعف الثقة بدقّة السرد الكتابي. وحتى منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن اسم هذا الملك معروفًا إلا من خلال تلك الإشارة الكتابية، مما جعل وجوده مثار تشكيك لدى المشككين بتاريخية النص.
لكنّ الأمر تغيّر تغييرًا جذريًا سنة 1843، حين اكتشف عالم الآثار الفرنسي بول-إميل بوتا (Paul-Émile Botta)—القنصل الفرنسي في الموصل—أطلال قصر سرجون الثاني (Sargon II) في خورساباد (Khorsabad) شمال العراق.
كان بول-إميل بوتا (Paul-Émile Botta) يشغل منصب القنصل الفرنسي في الموصل، وهو موقع دبلوماسي رسمي مكّنه من الإقامة والعمل في شمال العراق. وبالرغم من مهامه الدبلوماسية، كان لدى بوتا (Botta) اهتمام علمي عميق بتاريخ الشرق القديم والآثار، مما دفعه إلى إجراء حفريات أثرية مدعومة من الحكومة الفرنسية. من خلال هذا الجمع بين الموقع الرسمي والدافع العلمي، أصبح بوتا (Botta) واحدًا من أوائل علماء الآثار الفرنسيين الذين اكتشفوا أطلال قصر سرجون الثاني (Sargon II) في خورساباد (Khorsabad)، وهو الاكتشاف الذي وضع حجر الأساس لدراسة الآشوريات بشكل منهجي.
وقد تبيّن أنّ خورساباد (Khorsabad) هي ذاتها المدينة الآشورية القديمة Dur-Sharrukin، أي “مدينة الملك الشرعي”. وكشفت النقوش المحفورة على جدران القصر عن تسجيل دقيق لحملات سرجون الثاني (Sargon II) العسكرية، بما في ذلك حملته على أشدود (Ashdod)، وهو الحدث ذاته المذكور في سفر إشعياء.
كما عُثر لاحقًا في أشدود (Ashdod) على أجزاء من مسلّة تذكارية تعود إلى سرجون الثاني (Sargon II)، مقدِّمة دليلًا أثريًا مستقلًا يؤكّد مرة أخرى توافق الرواية الكتابية مع الأحداث التاريخية.
تمييز دقيق بين Sargon of Akkad و Sargon II
يختلط الأمر أحيانًا على البعض بسبب تشابه الأسماء، ولذلك من المهم توضيح الاختلاف التاريخي والجيني بين الشخصيتين:
- سرجون الأكدي (Sargon of Akkad):ملك بارز من مؤسّسي الإمبراطورية الأكّدية (حوالي 2300 ق.م.)، عاش قبل سرجون الثاني بما يزيد عن 1500 عام. ولا تربطه أي صلة نسبية أو زمنية بملوك آشور المتأخرين.
- سرجون الثاني (Sargon II):ملك آشوري من القرن الثامن قبل الميلاد (722–705 ق.م.)، لا ينتمي إلى سلالة سرجون الأكدي. وقد اتّخذ الاسم Sargon إحياءً لذكرى الملك القديم، وهو تقليد شائع في الشرق الأدنى القديم لإضفاء الشرعية على الحكم. وينسجم ذلك مع معنى اسمه الأكدي Sharru-kin، أي “الملك الشرعي”.
خاتمة
تبرهن المكتشفات الأثرية في خورساباد (Khorsabad) وأشدود (Ashdod) على دقة الأحداث والشخصيات التاريخية المذكورة في الكتاب المقدّس. وما كان في السابق سببًا للتشكيك، أصبح اليوم مثالًا واضحًا على توافق السرد الكتابي مع الأدلة الأثرية، مؤكدًا مصداقية الكتاب المقدّس في تقديم تاريخ الشعوب والملوك.
إن الله جعل الحجارة تنطق ليخجل غير المؤمنين.
+++++++++++++
Botta, Paul-Émile. Monuments de Ninive. Paris: Imprimerie Nationale, 1849.
Loud, Gordon. Khorsabad, Part 1: Excavations in the Palace of Sargon. Oriental Institute Publications 38. Chicago: University of Chicago Press, 1936.
Fuchs, Andreas. Die Inschriften Sargons II. aus Khorsabad. Göttingen: Cuvillier Verlag, 1994.
Frame, Grant. The Royal Inscriptions of Sargon II, King of Assyria (721–705 BC). Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 2020.
Tadmor, Hayim; Cogan, Mordechai. The Inscriptions of Tiglath- Pileser III and Sargon II. Jerusalem: Israel Academy of Sciences and Humanities, 1994.
Frame, Grant. The Royal Inscriptions of Sargon II, King of Assyria (721–705 BC). 2020.
Tadmor, Hayim; Cogan, Mordechai. The Inscriptions of Tiglath-Pileser III and Sargon II. 1994.
ليكون للبركة