تجربة علمية رائدة: استخدام التصوير الميوني (Muon Imaging) للكشف عن "بئر إرميا"

ترجمة ودراسة : Patricia Michael

المقدمة

في أبريل 2025، استخدم فريق من العلماء تقنية التصوير بالميونات (Muon Imaging / Muon Tomography) لاستكشاف البنية تحت الأرض في بئر إرميا (Jeremiah’s Cistern) بمدينة داود بالقدس القديمة. توفر هذه التقنية غير التدميرية وسيلة جديدة لدراسة المواقع الأثرية، مما يساهم في فهم أعمق للتاريخ الكتابي.

يشكّل الاكتشاف العلمي الأخير في القدس القديمة نقلة نوعية في مجال الدراسات الأثرية وتأكيد المصداقية التاريخية للكتاب المقدس. فقد قدّم فريق من الباحثين تجربة علمية رائدة باستخدام تقنية تصوير الميونات (Muon Imaging) للكشف عن البنى تحت الأرض في موقع أثري بمدينة داود القديمة. وتُعد هذه الدراسة، التي نُشرت في مجلة Journal of Applied Physics, المجلد 138، العدد 084504 (2025)، أول تطبيق فعلي لهذه التقنية في موقع أثري داخل القدس، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام علم الآثار التوراتي والكتابي.

تعتمد هذه التقنية على تتبّع الجسيمات الكونية المعروفة بالميونات (Muons)، التي تتولد في الغلاف الجوي نتيجة اصطدام الأشعة الكونية بالجسيمات الهوائية. وبفضل قدرتها على اختراق الصخور والتربة لمسافات عميقة، فإنها تتيح للعلماء تكوين صورة دقيقة لما هو موجود تحت الأرض من تجاويف أو بنى أثرية، وذلك من خلال قياس ما يُعرف بـ العتامة المتكاملة (Integrated Opacity)، أي كمية المادة التي تعترض مسار الميونات.

وقد طُبّقت هذه المنهجية في موقع يُعرف تقليديًا ببئر النبي إرميا في مدينة داود، وهو موقع له أهمية تاريخية ولاهوتية بالغة. وأظهرت النتائج إمكانية استخدام هذا الأسلوب في الاستقصاء غير التدميري عن البنى الأثرية، أي دون الحاجة إلى عمليات تنقيب مدمّرة أو محفوفة بالمخاطر. ويعني ذلك أن علم الآثار التوراتي بات يمتلك أداة جديدة أكثر دقة وأمانًا، تُمكّنه من استكشاف المواقع الكتابية والتحقق من خلفياتها التاريخية.

إن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن فقط في إثبات فاعلية التقنية الجديدة، بل أيضًا في أنه يعكس تكاملًا بين العلوم الطبيعية (الفيزياء التطبيقية والفيزياء الكونية) والدراسات الكتابية واللاهوتية. ومن شأن هذا النوع من التعاون أن يعزز الحوار بين العلم والإيمان، ويقدّم للأبحاث الدفاعية المسيحية مادة علمية رصينة تدعم مصداقية النصوص المقدسة.

ويُعد هذا الكشف خطوة محورية لأنه يقدم أداة كمية علمية لتمييز التباينات بين الصخور الكثيفة والمناطق الأقل كثافة، وهو ما أتاح اشتقاق مقياس "عمق الزاوية الأرضية" (Angular Ground Depth)، الذي يمثل بعدًا جديدًا لفهم التوزيع المتكامل للكثافة الجوفية. وبذلك، فإن النتائج لا تقف عند حدود الإثبات التقني، بل تتجاوزها لتفتح المجال أمام إعادة قراءة البنية العمرانية والأنظمة المائية في القدس القديمة، لاسيما في الفترة المرتبطة بالهيكل الأول وسفر إرميا.

إن ما يضفي على هذه النتائج قيمة دفاعية هو أنها توفّر معطيات علمية معاصرة تدعم مصداقية السرد الكتابي، وذلك عبر تطابق الأدلة الفيزيائية المستخلصة من التقنية الحديثة مع الإشارات النصية القديمة. فالفراغات التي رُصدت، والأنفاق المحتملة المتصلة بها، تقدم دلائل ملموسة على أن البنية المائية والمعمارية في مدينة داود ليست مجرد فرضية تاريخية أو لاهوتية، بل حقيقة مادية يمكن التحقق منها باستخدام أدوات علمية متقدمة. ومن ثم، فإن هذا الإنجاز يجمع بين الدقة العلمية والإسهام الدفاعي، في تأكيد أن النصوص الكتابية تتقاطع مع الواقع الأثري على نحو يثبت جدارتها كمصادر تاريخية موثوقة.

الأساس العلمي لتقنية تصوير الميونات

تصوير الميونات هو تقنية تصوير غير تدميرية تعتمد على الميونات الناتجة عن الأشعة الكونية لاستقصاء توزيع الكثافة داخل المادة المدروسة. الميونات هي جسيمات أولية شديدة الاختراق، تنشأ نتيجة تفاعلات الأشعة الكونية مع ذرات الغلاف الجوي العلوي. عند مستوى سطح الأرض، يبلغ تدفقها حوالي ميون واحد لكل سم² في الدقيقة، أي ما يقارب 10,000 ميون لكل م² في الدقيقة، وتتنوع طاقاتها من عدة مئات من ميغا إلكترون فولت (MeV) إلى عدة تيرا إلكترون فولت (TeV).

على عكس الأشعة السينية، تمتلك الميونات قدرة على اختراق عشرات إلى مئات الأمتار من الصخور أو الخرسانة، مما يجعلها مثالية لدراسة الهياكل الكثيفة أو التي يصعب الوصول إليها. أثناء مرورها عبر المادة، تفقد الميونات جزءًا من طاقتها عن طريق التأين (Ionization) والعمليات الإشعاعية. التأين هو العملية التي تفقد أو تكتسب فيها الذرات أو الجزيئات إلكترونات، ما يؤدي إلى تكوّن أيونات مشحونة كهربائيًا. في حالة الميونات، تسبب التصادمات مع الإلكترونات في المادة فقدان الميونات جزءًا من طاقتها، وتتيح هذه الآلية قياس كثافة المادة التي تمر عبرها. كما تتغير مسارات الميونات بفعل التشتت والامتصاص، ويعتمد مقدار التوهين على الكثافة المتكاملة للمادة على طول مسارها. ومن خلال قياس معدل واتجاه مرور الميونات باستخدام عدة كواشف، يمكن إعادة بناء صورة مقطعية دقيقة للبنية الداخلية.

يكتشف "تلسكوب الميونات" التغيرات الزاويّة (angular variations) في تدفق الميونات لرسم خرائط للهياكل تحت الأرض. في نظام الدراسة، تُسجَّل الميونات مباشرة عبر التأين (ionization) الذي تُحدثه عند مرورها خلال قضبان السينتيليتور البلاستيكي (plastic scintillator bars)، والتي تصدر ضوءًا استجابةً للطاقة المودعة. تُجمع هذه الإشارات الضوئية بواسطة حساسات متقدمة لتحديد زاوية وسرعة مرور الجسيمات، ما يسمح ببناء صورة دقيقة لتدفق الميونات من اتجاهات متعددة. وتتراوح فترة جمع البيانات من عدة أيام إلى أسابيع، بحسب حجم الكاشف وسمك الطبقات الأرضية فوق الموقع، مع تأثير طفيف للظروف البيئية مثل ضغط الهواء ودرجة الحرارة

آلية عمل تصوير الميونات وتطبيقه الميداني

تركز الدراسة على عرض أول تجربة عملية لتطبيق تصوير الميونات (Muon Imaging) في موقع أثري بمدينة داود القديمة في القدس. تقوم هذه التقنية على استخدام جسيمات الميونات (Muons)، وهي جسيمات أولية عالية النفاذية تتولد طبيعيًا عند تفاعل الأشعة الكونية مع جزيئات الغلاف الجوي العلوي. وبسبب كتلتها العالية وسرعتها الكبيرة، فإن الميونات قادرة على اختراق الصخور والخرسانة لمسافات طويلة تصل إلى عشرات وربما مئات الأمتار، مما يجعلها مثالية لاكتشاف البنى المخفية تحت الأرض، بخلاف الأشعة السينية (X-rays) محدودة الاختراق.

اثناء مرور الميونات عبر المادة، فإنها تفقد جزءًا من طاقتها من خلال التأين (Ionization) والعمليات الإشعاعية (Radiative Processes)، كما تنحرف مساراتها بفعل التشتت والامتصاص (Scattering and Absorption). هذه التأثيرات تُقاس بدقة، بحيث يمكّن الباحثين من إعادة بناء صورة ثلاثية الأبعاد للبنية الداخلية للمكان المدروس. ولتوصيف كمية المادة التي تعترض مسار الجسيمات، يستخدم الباحثون مقياسًا يُعرف بـ العتامة المتكاملة (Integrated Opacity)، وهو مقياس يعبّر عن إجمالي مقاومة المادة لاختراق الميونات، والذي يُحسب بضرب كثافة المادة (Density) في طول المسار (Path Length). كلما زادت العتامة انخفضت كمية الميونات النافذة، والعكس صحيح، بحيث يشير أي تدفق أعلى من المتوقع للميونات إلى احتمال وجود فراغ أو منطقة منخفضة الكثافة.

في هذه الدراسة، جرى تركيب كاشف مخصص يتكون من قضبان بلاستيكية مشعّة ضوئيًا (Plastic Scintillator Bars)، والتي تصدر فوتونات ضوئية (Photons) عند مرور الميونات خلالها نتيجة عملية التأين (Ionization) . تُجمَع هذه الإشارات الضوئية بواسطة حساسات متقدمة (Advanced Detectors/Sensors) وتُسجل لتحديد زاوية وسرعة مرور الجسيمات، مما يسمح ببناء صورة دقيقة لمعدل تدفق الميونات من اتجاهات مختلفة. تتطلب عملية الرصد عادة فترة زمنية تتراوح من أيام إلى أسابيع، وذلك تبعًا لحجم الكاشف، وسمك الطبقات الصخرية فوق الموقع، والدقة المطلوبة.

موقع الدراسة وأهدافها

وقد تم تطبيق هذه المنهجية لأول مرة في ما يُعرف تقليديًا بـ بئر إرميا (Jeremiah’s Cistern)، وهو خزان مائي صخري محفور بعمق يقارب 6 أمتار، ذو مدخل ضيق وغرفة سفلية على شكل جرس، ويقع بجوار الحفريات الجارية في مدينة داود. يُعتقد أن هذا الموقع ارتبط بالمنشآت الكبرى للعصر الملكي في أورشليم، خاصة مع وجوده بجوار "البناء الحجري الكبير" و"الخندق المنحوت في الصخر"، وكلاهما يُعتبران من البنى المرتبطة بفترة الهيكل الأول (1000–586 ق.م).

اختيار هذا الموقع بالذات يحمل بعدًا لاهوتيًا ودفاعيًا، إذ إن بئر إرميا مذكور في الكتاب المقدس (إرميا 38: 6)، حيث يروي النص أن النبي أُلقي في الجبّ وترك هناك. واليوم، من خلال هذه التقنية الفيزيائية الدقيقة، يُعاد فحص المكان نفسه بوسيلة علمية حديثة تكشف تفاصيله البنيوية. وهكذا، فإن العلم المعاصر لا يقف بمعزل عن النص المقدس، بل يقدم أدوات جديدة للتحقق من مصداقيته التاريخية.

جاءت أهداف الدراسة متعددة المستويات، فهي من جهة علمية تقنية أرادت أن تختبر لأول مرة مدى قدرة التصوير الميوني (Muon Tomography) على تقديم بيانات دقيقة داخل موقع أثري حساس مثل مدينة داود. ومن جهة أخرى، كان الهدف الأثري المباشر هو استكشاف الفراغات المحتملة (Hidden Voids) والبنى غير المكتشفة مسبقًا أسفل بئر إرميا، مع رسم خرائط مفصلة لتوزيع الكثافة في الصخور والتربة المحيطة بالمكان. هذه الخرائط تساعد على تحديد المناطق الصلبة من جهة والمناطق المجوفة أو منخفضة الكثافة من جهة أخرى، بما يُمكّن الباحثين من التعرف على الأنفاق أو الحجرات القديمة دون اللجوء إلى الحفر التدميري.

إلى جانب ذلك، ركزت الدراسة على قياس معدلات الميونات الزاوية (Muon Angular Rates) من اتجاهات مختلفة واستخدامها لاستخراج ما يُعرف بـ العتامة المتكاملة (Integrated Opacity)، أي كمية المادة الكثيفة التي تمر عبرها الميونات على طول مسارها. هذا المقياس ضروري لفهم مدى “عتمة” الصخور بالنسبة لاختراق الجسيمات، ومن ثم استنتاج البنية الداخلية دون أي تدخل مادي في الموقع الأثري.

النتائج والتوصيات

أما على مستوى النتائج، فقد أظهرت التجربة الأولية دلائل على وجود تجاويف وفراغات غير مكتشفة مسبقًا تحت بئر إرميا، مما يفتح الباب أمام احتمالات جديدة لفهم استخدام الموقع عبر التاريخ. كما وفرت البيانات المجمعة مؤشرات مهمة حول العمق المستنتج من زاوية الميونات (Muon Angular Depth)، وهو مقياس يساعد على تحديد التوزيع الطبقي للصخور بدقة. ويُعتبر هذا الإنجاز خطوة تأسيسية لمرحلة ثانية من المشروع، حيث يخطط الفريق لوضع الكاشف بالقرب من عين جيحون (Gihon Spring) لمواصلة الفحص في نطاق أوسع من مدينة داود.

تكمن أهمية هذه النتائج في بعدها الدفاعي واللاهوتي؛ فهي تؤكد أن المواقع الكتابية لا تزال تحتفظ بأسرارها، وأن أدوات العلم الحديث قادرة على إلقاء الضوء على تفاصيل وردت في النصوص المقدسة. فبينما يلجأ المشككون عادة إلى إنكار الروايات التاريخية للكتاب المقدس، تأتي مثل هذه الاكتشافات لتثبت أن الوقائع الموصوفة ليست مجرد قصص رمزية، بل ترتبط ببنى حقيقية يمكن اليوم التحقق منها بدقة علمية.

المراجع العلمية (Scientific References)

عنوان المقال الأصلي:

First Demonstration of Underground Muon Imaging at an Archaeological Site in Ancient Jerusalem

العرض الأول لتصوير تحت الأرض باستخدام الميونات في موقع أثري بمدينة داود القديمة بالقدس

للقراءة التفصيلية للبحث الهام حول استخدام تصوير الميونات (Muon Imaging) للكشف عن بئر إرميا (Jeremiah’s Cistern) في مدينة داود بالقدس، يمكن الرجوع إلى المصدر التالي:

First Demonstration of Underground Muon Imaging at an Archaeological Site in Ancient Jerusalem (2025). Journal of Applied Physics, 138, 084504. https://doi.org/10.1063/5.0273376

ليكون للبركة

Patricia Michael