التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي في صناعة الشبهات
المبحث الثالث من آليات صناعة الشبهات
قراءة نقدية في التضليل وصناعة الوهم الفكري في الخطاب المعادي للمسيحية
بحث ودراسة:Patricia Michael
في إطار دراسة آليات صناعة الشبهات في الخطاب الجدلي المعادي للمسيحية، نواصل أبحاثنا بالتطرق إلى واحدة من أهم الآليات النفسية والمعرفية المؤثرة في تشكيل هذا الخطاب، وهي ما يُعرف بـ”التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي” في صناعة الشبهات
ما معنى التحيز التأكيدي؟
التحيّز التأكيدي (Confirmation Bias) هو ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تؤيد أفكاره أو قناعاته المسبقة، والتركيز عليها، مع تجاهل أو التقليل من أهمية المعلومات التي قد تعارض هذه القناعات.
وبمعنى آخر، عندما يتبنّى شخص فكرة معينة مسبقًا، فإنه يبدأ في انتقاء الأدلة والمعلومات التي تدعم موقفه، بينما يتجاوز أي أدلة قد تُضعفه أو تنقضه. وهكذا لا تصبح عملية البحث محاولة محايدة للوصول إلى الحقيقة، بل تتحول إلى عملية انتقائية هدفها تأكيد ما يراه الشخص صحيحاً مسبقاً، بما قد يؤدي إلى تشويه إدراك الحقائق أو تقديمها بصورة غير مكتملة.
ويُعدّ هذا التحيز من أشهر الظواهر التي يدرسها علم النفس المعرفي، لأنه يؤثر بصورة مباشرة على طريقة قراءة الأحداث والنصوص والمعلومات، ويجعل الإنسان أكثر قابلية لتصديق ما يوافق قناعته المسبقة، حتى لو كانت الأدلة المقابلة أقوى أو أكثر توازنًا.
ما معنى الانتقاء المعرفي؟
الانتقاء المعرفي (Cognitive Selection)هو العملية السلوكية أو التطبيق العملي الناتج عن التحيّز التأكيدي، حيث يقوم الفرد باختيار المعلومات والأدلة التي تتوافق مع قناعاته المسبقة، وإبرازها والتركيز عليها، في مقابل إهمال أو تجاهل أو تهميش المعلومات التي قد تتعارض مع تلك القناعات.
وبذلك لا يكون الانتقاء المعرفي مجرد خطأ عشوائي في عرض المعلومات، بل هو نمط في التعامل مع المعرفة يقوم على “اختيار جزئي” للمعطيات بما يخدم نتيجة محددة مسبقًا، سواء عن قصد أو دون وعي.
التمييز بين التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي
من المهم التمييز بين “التحيّز التأكيدي” بوصفه ميلًا نفسيًا داخليًا، يدفع الفرد إلى تفضيل المعلومات التي تتوافق مع قناعاته المسبقة، وبين “الانتقاء المعرفي” الذي يُمثّل الممارسة التطبيقية لهذا الميل، حيث يتم اختيار الأدلة والمعلومات بصورة انتقائية، مع إبراز ما يدعم الفكرة وتهميش ما يخالفها.
وبهذا يكون التحيّز التأكيدي هو البنية الإدراكية والدافع المعرفي الكامن، بينما يمثّل الانتقاء المعرفي النتيجة السلوكية الظاهرة لهذا التحيّز في عملية عرض أو تحليل المعلومات.
كيف يتم توظيف "التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي" في صناعة الشبهات
يُعدّ التحيّز التأكيدي أحد أكثر العوامل تأثيرًا في تشكيل الخطاب الجدلي المعادي للمسيحية. فالمشكلة هنا لا تكمن فقط في وجود أخطاء معلوماتية، بل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع المعلومات منذ البداية.
إذ ينطلق بعض صُنّاع الشبهات من نتيجة مُسبقة تم تبنّيها سلفًا، ثم تبدأ بعد ذلك عملية البحث الانتقائي عن كل ما يمكن أن يبدو داعمًا لهذه النتيجة، بغضّ النظر عن مدى توازنه أو اكتماله أو حتى صحته العلمية.
وفي هذا السياق، لا تُقرأ النصوص أو الأحداث التاريخية قراءة شاملة ومحايدة، بل تُفكَّك بصورة انتقائية؛ فتُبرز الجزئيات التي تخدم الطرح، بينما يتم تجاهل نصوص موازية أو شواهد تاريخية أو تفسيرات علمية قد تُضعف البناء الجدلي المطروح. وهكذا تتحول عملية البحث من محاولة للوصول إلى الحقيقة إلى محاولة تزييف الحقيقة لتأكيد قناعة مسبقة تخدم تصورًا مشوَّهًا.
وينتج عن ذلك خلق انطباع زائف لدى المتلقي بوجود “أدلة ساحقة” أو “صورة محسومة”، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا وتوازنًا. فالمتلقي لا يرى غالبًا إلا جانبًا واحدًا من القضية، لأن بقية المعطيات يتم استبعادها عمدًا من العرض.
ولذلك يصبح “الانتقاء المعرفي” أداة مركزية في صناعة الشبهة، حيث لا يتم بالضرورة تزوير المعلومات بشكل مباشر، بل يكفي عرض جزء محدود من الحقيقة وإخفاء السياق الأوسع الذي يمنحها معناها الحقيقي، مما يؤدي إلى تكوين انطباع مضلل لدى المتلقي.
وفي المحصلة، لا تُقرأ النصوص أو الأحداث التاريخية قراءة شاملة ومحايدة، بل تُفكَّك بصورة انتقائية تُبرز العناصر التي تخدم الطرح، بينما تُهمَل أو تُهمَّش معطيات موازية أو تفسيرات علمية بديلة قد تُضعف البناء الجدلي المطروح. وهكذا تتحول عملية البحث من مسارٍ معرفيٍّ يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، إلى مسارٍ تأكيديٍّ يسعى إلى تثبيت قناعة خاطئة ومشوهة مسبقة قائمة سلفًا.
ومن أخطر نتائج هذا التحيّز أنه يُنتج لدى المتلقي انطباعًا زائفًا بوجود “إجماع” أو “أدلة ساحقة”، بينما تكون الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا وتوازنًا. فالمتلقي لا يطّلع في الغالب إلا على جانب واحد من القضية، لأن بقية المعطيات يتم استبعادها عمدًا من العرض. ولذلك يصبح “الانتقاء المعرفي” أداةً مركزية في صناعة الشبهة، حيث لا يتم بالضرورة تزوير المعلومات بشكل مباشر، بل يكفي أحيانًا عرض جزء من الحقيقة وإخفاء سياقها الأوسع للوصول إلى انطباعٍ مضلل.
أمثلة على التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي
هناك أمثلة كثيرة يظهر فيها “التحيز التأكيدي” بوضوح في الخطاب المعادي للمسيحية، حيث يتم انتقاء معلومات معيّنة وعزلها عن سياقها وتجاهل الصورة الكاملة بما يؤدي إلى تكوين نتائج مُسبقة وتصوّرات مشوّهة لا تعكس حقيقة القضية المطروحة. ومن أبرز هذه الأمثلة:
• التركيز على وجود اختلافات بين روايات الأناجيل في بعض التفاصيل الثانوية، ثم تصوير ذلك وكأنه “دليل قاطع” على فساد النص، مع تجاهل أن وجود اختلافات في الزوايا السردية أمر معروف في الشهادات التاريخية القديمة، بل ويُستخدم أحيانًا كدليل على استقلالية الروايات وعدم وجود تواطؤ حرفي بينها، ، وأن كل بشير في البشائر الإنجيلية كتب من زاوية لاهوتية وسردية خاصة تعكس منظورًا معيّنًا للحدث.
• اقتباس نصوص من أقوال بعض آباء الكنيسة أو الباحثين بصورة مجتزأة توحي بأنهم ينكرون عقائد مسيحية أساسية، بينما يتم إهمال بقية كلامهم الذي يوضح المعنى الكامل أو يقيّد الفكرة المطروحة.
• تضخيم بعض الفرضيات النقدية الحديثة وكأنها حقائق محسومة، مثل الادعاء بأن عقيدة معينة “اختُلقت لاحقًا”، مع تجاهل وجود شواهد تاريخية ونصوص مبكرة تناقض هذا الطرح أو تُظهر أن القضية أكثر تعقيدًا مما يتم تصويره.
• الاستناد إلى المخطوطات التي تحتوي على فروقات نصية لإعطاء انطباع بأن “الكتاب المقدس محرّف بالكامل”، مع تجاهل أن علم النقد النصي نفسه هو الذي كشف هذه الفروقات بشفافية، وأن الغالبية العظمى منها لا تمس العقائد الأساسية ولا المعنى العام للنص.وغالبًا ما يُوظَّف هذا النوع من الطرح من قِبل بعض المشككين دون امتلاك معرفة كافية بمبادئ النقد النصي أو أدواته العلمية، مما يؤدي إلى استنتاجات تتجاوز ما تسمح به المعطيات الفعلية.
• عرض بعض النصوص الصعبة أو التي تحتاج إلى خلفية تاريخية أو لغوية بصورة منفصلة عن سياقها، ثم بناء استنتاجات واسعة عليها، مع تجاهل التفاسير والسياقات المرتبطة بها.ورغم أن هذه النصوص قد خضعت عبر التاريخ لشروح وتفسيرات دقيقة وممنهجة من قِبل علماء اللاهوت والباحثين، فإن بعض الطروحات النقدية تتجاهل هذا التراث التفسيري بصورة كاملة، وتستبدله بتأويلات ذاتية انتقائية تُفرض على النصوص بما يتوافق مع قناعات مسبقة، خارج أي التزام بالمنهج العلمي أو السياقي في التفسير.
وتُعدّ هذه الأمثلة بعضًا من أبرز النماذج التي تُظهر كيفية توظيف “التحيّز التأكيدي” وآلية “الانتقاء المعرفي” في تشكيل بعض أنماط الخطاب النقدي المعادي للمسيحية، حيث لا تكمن الإشكالية دائمًا في وجود معلومات خاطئة بالكامل، بل في طريقة استخدامها بصورة انتقائية تخدم نتيجة مُسبقة، بما يُنتج استنتاجات لا تعكس الصورة الكاملة للمعطيات المتاحة، وهو ما يُشكّل جوهر “التحيّز التأكيدي والانتقاء المعرفي”.
ليكون للبركة
Patricia Michael