نقش دلفي (Delphi Inscription) – أو نقش غاليون (Gallio Inscription)

دليل على تاريخية ولاية غاليون على أخائية كما ورد في سفر أعمال الرسل 18

Patricia Michael

في عام 1905، اكتشف علماء الآثار نقشًا مدهشًا في دلفي (Delphi) باليونان، وهو معروض اليوم في متحف دلفي (Delphi Museum). عُرف هذا الاكتشاف باسم نقش غاليون (Gallio Inscription)، ويُعدّ واحدًا من أهم الأدلة التي تربط العهد الجديد بالتاريخ الروماني.

يسجل سفر أعمال الرسل أن الرسول بولس (Paul) أثناء خدمته في كورنثوس (Corinth) قد اقتيد إلى غاليون (Gallio)، الوالي الروماني (proconsul) على إقليم أخائية (Achaia).

"وَلَمَّا كَانَ غَالِيُونُ يَتَوَلَّى أَخَائِيَةَ، قَامَ الْيَهُودُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى بُولُسَ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ قَائِلِينَ: «إِنَّ هذَا يَسْتَمِيلُ النَّاسَ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ بِخِلاَفِ النَّامُوسِ». وَإِذْ كَانَ بُولُسُ مُزْمِعًا أَنْ يَفْتَحَ فَاهُ قَالَ غَالِيُونُ لِلْيَهُودِ: «لَوْ كَانَ ظُلْمًا أَوْ خُبْثًا رَدِيًّا أَيُّهَا الْيَهُودُ، لَكُنْتُ بِالْحَقِّ قَدِ احْتَمَلْتُكُمْ. وَلكِنْ إِذَا كَانَ مَسْأَلَةً عَنْ كَلِمَةٍ، وَأَسْمَاءٍ، وَنَامُوسِكُمْ، فَتُبْصِرُونَ أَنْتُمْ. لأَنِّي لَسْتُ أَشَاءُ أَنْ أَكُونَ قَاضِيًا لِهذِهِ الأُمُورِ». فَطَرَدَهُمْ مِنَ الْكُرْسِيِّ. فَأَخَذَ جَمِيعُ الْيُونَانِيِّينَ سُوسْتَانِيسَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، وَضَرَبُوهُ قُدَّامَ الْكُرْسِيِّ، وَلَمْ يَهُمَّ غَالِيُونَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ." (أع 18: 12-17).

ففي أعمال الرسل (18: 12–17) نقرأ أن القادة اليهود اتهموا بولس بأنه يعلّم الناس أن يعبدوا الله بطرق غير مشروعة. غير أن غاليون رفض التدخل، معتبرًا أن القضية نزاع ديني داخلي لا علاقة له بالنظام المدني الروماني. كان لهذا القرار أهمية كبيرة، إذ أظهر أن المسؤولين الرومان في ذلك الوقت كانوا يعتبرون المسيحية فرعًا من اليهودية، وليست ديانة خطرة أو غير قانونية. وبفضل هذا الحكم، تمكّن بولس من مواصلة الكرازة دون تدخل روماني.

تشير الإشارة في النقش إلى غاليون (Gallio) بصفته والياً رومانيًا (proconsul)، وهذا يُشكّل علامة زمنية بالغة الأهمية في تطوير التسلسل الزمني لحياة الرسول بولس (Paul the Apostle). فقد كان غاليون هو الذي ترأس محاكمة بولس في أخائية (Achaea)، كما ورد في سفر أعمال الرسل (18: 12–17).

أما نقش غاليون فهو في الأصل جزء من رسالة إمبراطورية كتبها الإمبراطور كلوديوس (Claudius) حوالي سنة 51–52 م وفيها يذكر بالاسم لوسيوس يونيوس غاليون آنايانوس (Lucius Junius Gallio Annaeanus) ، مؤكدًا ولايته على أخائية. ونظرًا لأن ألقاب الإمبراطور الواردة في النقش يمكن ربطها بأحداث تاريخية محددة بدقة، فإن العلماء استطاعوا تحديد فترة حكم غاليون على نحو قاطع. وبذلك أصبح لدينا مرجع زمني حاسم للعهد الجديد. فبحسب أعمال الرسل (18: 11)، مكث بولس ثمانية عشر شهرًا في كورنثوس، وبما أن فترة ولاية غاليون مؤرخة ما بين 51–52 م، يمكن تأريخ خدمة بولس في كورنثوس بدقة إلى حوالي 50–52 م.

النص المُعاد بناؤه من نقش دلفي

"تيبريوس كلوديوس قيصر أوغسطس جرمانيكوس، الحائز سلطة التريبون tribunician power (السلطة الرسمية التي تمنح الإمبراطور الحق في الحكم المدني والقانوني وحماية الشعب) للمرة الثانية عشرة، والمُعلن إمبراطورًا للمرة السادسة والعشرين، وأب الوطن. منذ زمن طويل، كنت ليس فقط أظهر نية طيبة ورغبة في الخير تجاه المدينة، بل أيضًا حريصًا على ازدهارها، وقد كنت دائمًا أحافظ على عبادة أبوللو البيثي Pythian Apollo . ولكن الآن، بما أنه يُقال إن المدينة خالية من المواطنين، وكما أبلغني مؤخرًا صديقي والوالي الروماني غاليون (Gallio)، ورغبةً مني في أن تبقى دلفي محتفظة بمقامها السابق، آمُركم أن تدعوا أيضًا أشخاصًا من ذوي الأصل النبيل من مدن أخرى ليقيموا فيها كسكان جدد".

يثبت النقش أن غاليون كان واليًا على أخائية كما ورد في سفر الأعمال، مما يدعم دقة السرد الكتابي. كما يساعد على تثبيت زمن إقامة بولس في كورنثوس، الأمر الذي يمكّن الباحثين من إعادة بناء الجدول الزمني لرحلاته التبشيرية ورسائله. ويعكس رفض غاليون النظر في الدعوى ضد بولس الموقف الروماني العام في تلك المرحلة، حيث كانت المسيحية تُعتبر آنذاك جزءًا من اليهودية، وبالتالي يسري عليها قانون التسامح المعمول به في ظل القانون الروماني.

يبقى نقش غاليون شاهدًا دامغًا على أن الأحداث الموثَّقة في الكتاب المقدس ليست مجرد أساطير أو خرافات، بل وقائع تاريخية مؤكدة. فهو، من خلال تأكيد ولاية غاليون أثناء إقامة بولس في كورنثوس، يوفر صلة تاريخية مباشرة وموثوقة بين العهد الجديد والعالم الروماني، ويعزز اليقين في مصداقية سفر أعمال الرسل، مؤكّدًا أن الرواية الكتابية قائمة على أحداث حقيقية يمكن إثباتها بالأدلة الأثرية والتاريخية.

The Gallio Inscription: Evidence for the Historicity of Gallio’s Proconsulship Found in Acts 18

ليكون للبركة

Patricia Michael