يسوع المسيح وهيكل أورشليم
وقالَ لِباعَةِ الحَمام: "اِرفَعوا هذا مِن ههُنا، ولا تَجعَلوا مِن بَيتِ أَبي بَيتَ تِجارَةيوحنا 2 : 16
ورد هذا المشهد في الاناجيل الأربعة، وجد السيد سوقًا في إحدى مباني الهيكل يدعى دار الأمم. كانوا يبيعون فيه الثيران والغنم والحمام لتقديم ذبائح. وكان هذا الموضع بجوار بركة بيت حسدا (يو 5: 2). استخدمها رؤساء الكهنة ومن معهم من أجل الربح المادي، حيث تقدم شهادات بأن الذبيحة بلا عيب مقابل دفع رسم معين. وهكذا أفسدت محبة المال نقاوة العبادة (1 تي 6: 5، 10). كما وجدت المصارف لبيع شواقل الذهب الخاصة بالهيكل لتقديمها.
بلا شك رأى السيد المسيح هذا المنظر قبلًا حين كان يأتي إلى الهيكل، خاصة حين حاور المعلمين وهو في الثانية عشر من عمره، لكنه لم يقم بتطهير الهيكل إلا بعد أن بدأ خدمته العلنية. كما لم يشكوا الأمر إلى رؤساء الكهنة إذ يعلم أن ما يحدث هو بسماحٍ منهم أو بتشجيعهم.
باعة الغنم هم الذين يحوّلون خلاص المسيح، حمل اللَّه، إلى تجارة، فيقتنون أمرًا زمنيًا عوض الخلاص الأبدي، ويطلبون ما هو أرضي عوض السماوي.
ويرى كثير من الدارسين أن السيد المسيح قام بتطهير الهيكل مرتين: المرة الأولى في الفصح الأول من بدء خدمته كما ورد هنا في إنجيل يوحنا. والمرة الثانية في الفصح الأخير أو الرابع الذي فيه صلب السيد المسيح (مت ١٢:١٢؛ مر ١١: ١٥؛ لو ١٩: ٤٥). وكأن تطهير بيت الرب هو عمل المسيح الأول والأخير، لذلك بدأ خدمته في الهيكل وأنهاها به. وقد سبق أن تنبأ ملاخي النبي عن هذا العمل (ملا ٣: ٢- ٣).
يعلّق القديس كيرلس الكبير على قول السيد المسيح " لا تجعلوا بيت ابي" قال: "لا تجعلوا بيت أبي"، ولم يقل "بيت أبينا"، لأنه حسب هذا القول أكثر مناسبة... حيث أن الكلمة يعرف أنه من جوهر اللَّه الآب وليس في عداد أولئك الذين هم أبناء بالنعمة. لذلك فهو يفصل نفسه عن الباقين، ويدعو اللَّه أباه.
ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
* لم يقل المسيح لا تجعلوا البيت المقدس لكنه قال:" لا تجعلوا بيت أبي"، فها هو يدعو الله أباه. لم يغتاظوا منه لأنهم ظنوه يقول هذا القول على بسيط ذات القول، لكنه لما تكلم بهذا القول فيما بعد أفصح أنه تكلم مريدًا أن يبين معادلته لأبيه، حينئذ اغتاظوا منه.
أمَّا عبارة "بَيتَ تِجارَة" فتشير الى انتقاد يسوع لَما يحدث في حرم الهيكل من عمليات بيع وشراء بما فيها من كسب وربح وكذب وسرقة وطمع وجشع من قبل الصيارفة والباعة. وكان ينبغي الا يمارسوا اعمالهم وتجارتهم في الهيكل ذاته بحيث أن وجودهم كان سبب سخرية بالهيكل الذي هو مكان عبادة الله.
ويُعلق العلامة أوريجانوس "كان يجب عليه أن يطرد من هذا الهيكل، الّذي هو جسد الرّب يسوع المسيح، كلّ من يرفض العدل ويهتمّ بالتجارة، حتّى لا يبقى هذا الهيكل بعد الآن بيت التجّار". وقد سمّى يسوع الهيكل "بيت تجارة" لكي يُظهر أن تجارتهم كان فيها عدم تقوى وفساد.
نستنتج من كل ذلك أنَّ مغزى عمله يشير الى وظيفة المسيح كما ورد في نبوءة ملاخي "يَأتي فَجأَةً إِلى هَيكَلِه السَّيِّدُ الَّذي تَلتَمِسونَه، ومَلاكُ العَهدِ الَّذي تَرتَضونَ بِه. ها إِنَّه آتٍ، قالَ رَبُّ القُوَّات" (ملاخي 3: 1)، يحلّ الرب بغتة في هيكله وبدأت الدينونة في بيت الله. وهنا يسوع يعيد الى الهيكل غايته الحقيقية وهي العبادة لله والصلاة محققا نبوءة أشعيا "لِأَنَّ بَيتي بَيتَ صَلاةٍ يُدْعى لِجَميعِ الشُّعوب" (أشعيا 56: 7)
أعاد يسوع الى الهيكل غايته الحقيقية، بيت الآب، "بيت صلاة" (أشعيا 56: 7)، لا "بيت تجارة" او "مغارة لصوص". يدل عمل يسوع على توقير مكان الصلاة والعبادة للأمم حيث كان غضبه عضب الابن لشرف ابيه، ولشرف بيت ابيه. ولم يكن من السهل ان يُعرض يسوع نفسه لعداء السلطات الدينية وغيظ التجار ووحشية الباعة الذين شعروا بتهديد لمصالحهم المالية، لولا اختياره التألم من أجل كرامة بيت الله.
ليكون للبركة
Patricia Michael