الرد على التناقض الظاهري بين جوهر الملكوت الروحي وتصويره في صورة عُرس ووليمة في مثل السيد المسيح وبين قول القديس بولس: «ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً»
الشبهة
"يُصوّر السيد المسيح ملكوت السماوات في تعاليمه بصورة ملموسة ومبهجة، حيث يشبّهه بـ**'عرس لابن ملك، ووليمة حافلة بالثيران والمسمنات المذبوحة'** (مت 22: 1 - 4) كدلالة على طبيعة هذا الملكوت.
"وَجَعَلَ يَسُوعُ يُكَلِّمُهُمْ أَيْضًا بِأَمْثَالٍ قَائِلًا: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لابْنِهِ، وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. فَأَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ قَائِلًا: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ!" (مت 22: 1-4).
ولكن، يرى البعض أن القديس بولس الرسول جاء ليتناقض مع هذا المفهوم ويجرده من أبعاده حين قال بنظرة مغايرة تماماً: 'لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا' (رو 14: 17)، "لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ." (رو 14: 17). مؤكداً أن أمور الآخرة تفوق بالكلية الإدراك البشري والوصف المادي (1 كو 2: 9).
"بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»." (1 كو 2: 9).
فهل يتناقض قول القديس بولس مع المفهوم الذي أسسه السيد المسيح؟
أولاً: عندما وصف القديس بولس ملكوت الله بأنه "لَيْسَ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو 14: 17)، وأنه يفوق الإدراك البشري (1 كو 2: 9)، فإن ذلك لا يتعارض مع استخدام السيد المسيح لتشبيه "عرس ابن الملك ووليمة التسمين" (مت 22: 1 - 4).
والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة "الأمثال" التي استخدمها المسيح في تعليمه؛ فالمَثَل هو قصة رمزية مبسطة تُقرب حقيقة روحية عميقة بلغة يفهمها الجميع (البسيط والمثقف). والمَثَل لا يطابق الحقيقة في كل تفاصيلها المادية، بل يهدف إلى إبراز "أوجه شبه" روحية محددة.
ثانياً: بولس والمسيح يتكلمان عن الملكوت من زاويتين مختلفتين
لا يوجد أي تعارض بين كلام السيد المسيح وكلام القديس بولس، لأن كلاً منهما يتناول الموضوع من منظور مختلف. فالسيد المسيح في مثل عرس ابن الملك (مت 22: 1-14) يستخدم لغة الأمثال والتشبيهات ليقرب حقائق الملكوت إلى أذهان السامعين من خلال صور مألوفة لديهم، بينما يشرح القديس بولس في (رو 14: 17) الجوهر الروحي للملكوت نفسه.
فالمسيح قال: «يشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عرساً لابنه»، ولم يقل إن الملكوت هو حرفياً طعام وشراب وذبائح. أما بولس فكان يوضح أن جوهر الحياة في ملكوت الله لا يقوم على أمور مادية خارجية، بل على «البر والسلام والفرح في الروح القدس». لذلك فالمسيح يقدم الصورة الرمزية، بينما يقدم بولس التفسير الروحي للحقيقة التي تشير إليها هذه الصورة.
ثالثاً: الوليمة رمز كتابي قديم للخلاص والبركة الإلهية
لم يكن تشبيه الملكوت بوليمة أو عرس أمراً جديداً في تعليم المسيح، بل هو امتداد لرموز راسخة في العهد القديم. فقد تنبأ النبي إشعياء عن زمن الخلاص قائلاً:
«وَيَصْنَعُ رَبُّ الْجُنُودِ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ فِي هَذَا الْجَبَلِ وَلِيمَةَ سَمَائِنَ» (إش 25: 6).
ولم يفهم اليهود هذه النبوة باعتبارها حديثاً عن الطعام المادي بقدر ما رأوا فيها صورة للفرح الكامل والشركة مع الله والتمتع ببركات الخلاص. ولهذا استخدم المسيح الرمز نفسه عندما تحدث عن الملكوت كعرس أو وليمة، لأن الوليمة في الفكر الكتابي تشير إلى الفرح والشبع الروحي والمصالحة مع الله والاشتراك في بركات العهد.
رابعاً: الثيران والمسمنات ترمز إلى اكتمال الفداء
عندما قال الملك في المثل: «ثيراني ومسمناتي قد ذبحت وكل شيء معد»، لم يكن الهدف الأساسي وصف قائمة الطعام في الملكوت، بل الإشارة إلى أن كل ما يلزم للخلاص قد أُعِدَّ وأُكمِل.
فالذبح في الفكر الكتابي يرتبط بالذبيحة والكفارة. ومن هذا المنطلق رأى العديد من الآباء والمفسرين أن الثيران والمسمنات تشير رمزياً إلى الذبيحة العظمى التي قدمها المسيح من أجل خلاص العالم. لذلك فإن عبارة «كل شيء معد» تحمل معنى لاهوتياً عميقاً، وهو اكتمال عمل الفداء وفتح باب المصالحة مع الله أمام جميع المدعوين إلى العرس.
خامساً: الأمثال لا تُفسَّر تفسيراً حرفياً في جميع تفاصيلها
من المبادئ الأساسية في تفسير أمثال المسيح أن عناصر المثل ليست كلها مقصودة حرفياً، بل تُستخدم لتقريب حقائق روحية إلى الذهن البشري.
فالمسيح قال أيضاً:
«أنا هو خبز الحياة» (يو 6: 35).«أنا هو الباب» (يو 10: 9).«أنا هو الكرمة الحقيقية» (يو 15: 1).
ولا يفهم أحد هذه العبارات على معناها الحرفي المادي. كذلك فإن العرس والوليمة في متى 22 لا يقصد بهما وصفاً مادياً دقيقاً للحياة الأبدية، بل تصوير الفرح والشركة والمحبة والاتحاد بالله بلغة بشرية يفهمها السامعون.
سادساً: بولس نفسه يستخدم صورة العرس في حديثه عن الخلاص
القديس بولس الذي قال إن ملكوت الله «ليس أكلاً وشرباً» هو نفسه استخدم صورة العرس والزواج للتعبير عن العلاقة بين المسيح والكنيسة.
فقد كتب للمؤمنين:
«خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ» (2 كو 11: 2).
وهذا يبين أن بولس لم يرفض لغة العرس أو الوليمة، بل كان يؤكد أن ملكوت الله لا يُختزل في المظاهر المادية أو الطقوس الخارجية وحدها. فالرموز التي استخدمها المسيح تبقى صالحة للتعبير عن حقائق روحية عميقة، شرط ألا تُفهم بمعزل عن معناها الرمزي.
سابعاً: سياق رومية 14 لا يتحدث أصلاً عن طبيعة السماء
لفهم كلام بولس بصورة صحيحة يجب الانتباه إلى السياق الذي ورد فيه. ففي رومية 14 لم يكن الرسول يناقش شكل الحياة الأبدية أو طبيعة الملكوت السماوي، بل كان يعالج خلافاً داخل الكنيسة حول الأطعمة والمشروبات والأيام الدينية.
فقد كان بعض المؤمنين يربطون التقوى والبر بنوعية الطعام الذي يأكلونه أو يمتنعون عنه. لذلك أكد بولس أن ملكوت الله لا يقوم على هذه الأمور الخارجية، قائلاً:
«لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رو 14: 17).
إذن كلامه لا ينفي الرموز التي استخدمها المسيح في الأمثال، بل يرفض جعل الطعام والشراب معياراً للحياة مع الله.
ثامناً: محدودية اللغة البشرية تفرض استخدام الرموز الحسية
يؤكد بولس أن أمجاد الملكوت تتجاوز قدرة الإنسان على التصور بقوله:
«مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ» (1 كو 2: 9).
ولهذا استخدم الوحي الإلهي صوراً حسية مألوفة مثل العرس والوليمة والتاج والميراث والمدينة والنور، لا لأنها تمثل حقيقة الملكوت بكل تفاصيلها، بل لأنها تساعد الإنسان على الاقتراب ذهنياً من واقع سماوي يفوق الوصف والإدراك.
السياق التاريخي والروحي للمَثَل
اولا: يأتي مَثَل عرس ابن الملك (متى 22: 1-4) في سياق المواجهة الأخيرة بين السيد المسيح والقادة الدينيين في أورشليم خلال الأسبوع الأخير قبل الصلب. فبعد دخوله الانتصاري إلى المدينة وتطهيره الهيكل، بدأ رؤساء الكهنة والفريسيون يشككون في سلطانه، فواجههم المسيح بسلسلة من الأمثال التي كشفت موقفهم الحقيقي من الله ومن رسالته.
جاء مَثَل "عرس ابن الملك" كحلقة ثالثة وأخيرة في سلسلة أمثال وجهها السيد المسيح لرؤساء الكهنة واليهود بعد تطهير الهيكل (بعد مَثَل "الابنين"، ومَثَل "الكرامين الأردياء").
من خلال هذه الأمثال الثلاثة، كشف المسيح عن هويته تدريجياً: في مَثَل الابنين: أظهر أنه رب الكرم.في مَثَل الكرامين: أظهر أنه الوارث الحقيقي.في مَثَل العُرس: أعلن بوضوح أنه ابن الله (الملك).
كما يربط هذا المثل بين العهدين القديم والجديد، موضحاً كيف تحولت الدعوة من اليهود (الذين رفضوا) إلى الأمم (الذين قبلوا)
وقد جاءت هذه السلسلة في تدرج لاهوتي واضح، فبدأت بمثل الابنين الذي أظهر رفض القادة الدينيين لمشيئة الله رغم ادعائهم الطاعة، ثم تلاه مثل الكرامين الأردياء الذي أعلن فيه المسيح أنه الابن والوارث الشرعي الذي أرسله صاحب الكرم، بينما رفضه الكرامون وسعوا إلى قتله. وأخيراً جاء مثل عرس ابن الملك ليعلن بصورة أوضح هوية المسيح باعتباره الابن الذي أعد له الملك عرساً عظيماً، وليكشف في الوقت نفسه مصير الذين رفضوا دعوة الله.
ثانيا: كما يربط هذا المثل بين تاريخ الخلاص في العهد القديم والعهد الجديد. فالدعوة الأولى وُجِّهت إلى الشعب الذي اختاره الله وأعده عبر الأنبياء والوعود الإلهية،واستمرت حتى بلغت ذروتها في خدمة يوحنا المعمدان، آخر أنبياء العهد القديم وسابق المسيح الذي جاء قبل المسيح ليُمهِّد الطريق أمامه ويُعلن مجيئه . لكن كثيرين منهم رفضوا الاستجابة. ثم تجددت الدعوة مع مجيء المسيح وإعلان اقتراب ملكوت السماوات، فاستمر الرفض من جانب عدد كبير من القادة والشعب. لذلك يوضح المثل انتقال الدعوة إلى جميع الأمم والشعوب، إذ لم تعد مقتصرة على فئة معينة، بل أصبحت مفتوحة لكل من يقبل الاستجابة لنعمة الله.
ثالثا: ويكشف المثل أيضاً الطبيعة الحقيقية للملكوت الذي جاء المسيح ليعلنه. فالملكوت لا يُقدَّم في صورة محكمة أو ساحة دينونة فحسب، بل في صورة عرس مملوء بالفرح والبهجة. فالعرس في الفكر الكتابي يرمز إلى الشركة الكاملة بين الله وشعبه وإلى الفرح الناتج عن المصالحة والخلاص. ولهذا يؤكد المثل أن الله لا يدعو الإنسان إلى حياة من الكآبة أو الحرمان، بل إلى شركة وفرح وسلام. كما أن عبارة «كل شيء معد» تشير إلى اكتمال عمل الله الخلاصي واستعداده لمنح بركاته لكل من يقبل الدعوة.
رابعا: ومن العناصر المهمة في المثل ذكر الثيران والمسمنات التي أُعدت للوليمة. وهذه الصورة لا يُقصد بها وصف طعام مادي في الملكوت، بل التعبير عن وفرة عطايا الله وكمال الخلاص الذي أعده للبشر. وقد رأى كثير من المفسرين في هذه الذبائح إشارة رمزية إلى الذبيحة الكاملة التي بها تم الفداء والمصالحة مع الله، ومنها ينال المؤمنون الشبع الروحي والفرح والسلام.
خامسا: وفي المقابل، لا يغفل المثل جانب العدالة الإلهية. فالذين استهانوا بالدعوة ورفضوا المرسلين وأساؤوا إليهم واجهوا نتائج رفضهم. وقد رأى العديد من المفسرين المسيحيين في إشارة الملك إلى إرسال جنوده وحرق مدينتهم تلميحاً نبوياً إلى خراب أورشليم سنة 70م على يد الرومان، بوصفه نتيجة تاريخية لرفض رسالة الله المتكررة. وهكذا يجمع المثل بين إعلان نعمة الله الواسعة ودعوته الشاملة للجميع، وبين التحذير من خطورة رفض هذه الدعوة والاستهانة بها.
الخاتمة:
إن تشبيه السيد المسيح للملكوت بعرسٍ ووليمة لا يهدف إلى وصف مادي للحياة الأبدية، بل إلى تقريب حقائق روحية سامية بلغة بشرية مفهومة. فالعرس يرمز إلى الاتحاد بين المسيح وكنيسته، والوليمة ترمز إلى فيض الخلاص والشبع الروحي والفرح الكامل في حضرة الله. أما قول القديس بولس: «ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً بل هو بر وسلام وفرح في الروح القدس» (رو 14: 17)، فلا ينفي هذه الرموز، بل يوضح أن جوهر الملكوت لا يقوم على الأمور المادية بل على الشركة الروحية مع الله. وهكذا يتكامل تعليم المسيح مع تعليم بولس، حيث يقدّم الأول الصورة الرمزية، بينما يشرح الثاني معناها الروحي العميق، دون وجود أي تناقض بين النصين.
للمزيد من الدراسات يمكنكم الرجوع الى المراجع التالية
Craig L. Blomberg, Preaching the Parables: From Marketplace to Pulpit (Grand Rapids: Baker Academic, 2004), 84-87.
R. T. France, The Gospel of Matthew, New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2007), 821-825.
Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans Publishing, 2009), 518.
F. F. Bruce, The Epistle of Paul to the Romans: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries (Downers Grove: InterVarsity Press, 1985), 238.
ليكون للبركة