مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ .. "توافق الجغرافيا البحرية مع النصّ الكتابي في سفر أعمال الرسل
وَلَمَّا تَجَاوَزْنَاهَا بِالْجَهْدِ جِئْنَا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ «الْمَوَانِي الْحَسَنَةُ» الَّتِي بِقُرْبِهَا مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ. اعمال الرسل 27 : 8
 
يقدّم سفر أعمال الرسل إشارة جغرافية دقيقة إلى مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ (Lasea – Λασαία) الواقعة في جزيرة كريت (Crete – Κρήτη)، وذلك في سياق وصف الرحلة البحرية التي قام بها الرسول بولس في طريقه إلى روما.
 
يذكر النص أن السفينة التي كان الرسول بولس على متنها سارت بصعوبة بمحاذاة الساحل حتى وصلت إلى موضع يُدعى الموانئ الحسنة (Fair Havens – Καλοὶ Λιμένες)، بالقرب من مدينة تُدعى لَسَائِيَةَ" (أعمال الرسل 27: 8 ). وقد أثبتت الأبحاث الأثرية الحديثة أن هذه المدينة لم تكن خيالية، بل كانت قائمة فعلًا على الساحل الجنوبي الشرقي من كريت، على مسافة ميلين تقريبًا إلى الشرق من الموانئ الحسنة، المعروفة اليوم باسم "كالوي ليمينس" (Kaloi Limenes).
 
فيقول النص: وَلَمَّا تَجَاوَزْنَاهَا بِالْجَهْدِ جِئْنَا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ «الْمَوَانِي الْحَسَنَةُ» الَّتِي بِقُرْبِهَا مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ. (أعمال الرسل 27: 8 ). وهذه الإشارة الموجزة في ظاهرها تحمل دقة لافتة في وصف الجغرافيا البحرية للجنوب الكريتي، إذ تتوافق تمامًا مع ما كشفت عنه الدراسات الأثرية الحديثة من وجود بقايا لمدينة أثرية تُدعى "لَسَائِيَةَ" على الساحل الجنوبي الشرقي من الجزيرة، على بُعد نحو ميلين فقط شرق موقع "الموانئ الحسنة" المعروف اليوم باسم "كالوي ليمينس" (Kaloi Limenes).
 
تُظهر البقايا الأثرية في تلك المنطقة أن لَسَائِيَة كانت في الأصل مستوطنة مينوية صغيرة، تعود جذورها إلى الحضارة المينوية Minoan era التي ازدهرت في الألفية الثانية قبل الميلاد. ومع مرور الزمن، أصبحت في العصر الهلنستي الميناء الرئيس لمدينة غورتين (Gortyn – Γόρτυνα) القريبة، واستمرت في أداء هذا الدور الحيوي خلال الحقبة الرومانية، ما يفسر أهميتها في زمن رحلة بولس الرسول إلى روما.
 
وعند زيارة الموقع اليوم، يمكن مشاهدة بقايا الأسوار البحرية الرومانية الممتدة على الشاطئ، وهي شاهد أثري على ازدهار المدينة في تلك الفترة. كما يمكن تمييز بقايا الرصيف الحجري الممتد بين الشاطئ والجزيرة الصغيرة المسماة "ترافوس" (Trafos)، والذي يرجع في تاريخه إلى العصر المينوي Minoan era. وعلى التل الواقع غرب الشاطئ تظهر بوضوح معالم مدافن قديمة يُعتقد أنها جزء من نِقْرُبُولِس (necropolis) المدينة، وقد عُثر في محيطها على بقايا صهاريج مياه، وقنوات مائية (aqueduct)، وبنى معمارية أخرى تدل على وجود أكروبوليس صغير (acropolis) كان يشرف على الميناء والمنطقة الساحلية.
 
ومن اللافت أن هذا الموقع لم يُكتشف نتيجة بحث أثري منهجي، بل جاء اكتشافه عرضًا، إذ وُجدت دلائل على بعض التنقيبات المحدودة في منطقة المقابر، بينما لا تزال الأسوار البحرية تتآكل بفعل أمواج البحر دون حماية أو ترميم. ورغم ذلك، يبقى المشهد الآثاري ساحرًا في ضوء النهار، حيث تمتزج روعة الطبيعة بجلال التاريخ القديم، مما يدفع الباحثين إلى الأمل في عودة الاستكشافات الأثرية لاستكمال الكشف عن بقية معالم الموقع.
ومن الناحية الدفاعية التاريخية، فإن وجود بقايا مدينة لَسَائِيَةَ يُسهم إسهامًا جوهريًا في تأكيد دقة سرد لوقا البشير في سفر الأعمال. فذكرها إلى جوار "الموانئ الحسنة" يتوافق بدقة مع الجغرافيا الفعلية للساحل الجنوبي من كريت، مما يعزز موثوقية النص الكتابي كوثيقة تاريخية دقيقة التفاصيل.
 
أما ما ورد في النص من رفض قائد السفينة أن يقضي الشتاء في هذا الميناء،
"وَلأَنَّ الْمِينَا لَمْ يَكُنْ مَوْقِعُهَا صَالِحًا لِلْمَشْتَى، اسْتَقَرَّ رَأْيُ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يُقْلِعُوا مِنْ هُنَاكَ أَيْضًا، عَسَى أَنْ يُمْكِنَهُمُ الإِقْبَالُ إِلَى فِينِكْسَ لِيَشْتُوا فِيهَا. وَهِيَ مِينَا فِي كِرِيتَ تَنْظُرُ نَحْوَ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ الْغَرْبِيَّيْنِ " (اعمال الرسل 27 : 12)
 
فيجد تفسيره المنطقي في طبيعة الميناء ذاته؛ إذ كان صغيرًا نسبيًا، محدود الموارد، يفتقر إلى المستودعات الكافية لتخزين الغلال، وكان معرضًا للعواصف البحرية خلال فصل الشتاء، ما جعله غير صالح كمرفأ طويل الأمد للسفن التجارية. وهكذا، تتضح صحة تقييم الرسول بولس للأوضاع البحرية حينها، إذ انتهت محاولة الإبحار إلى أن تحطمت السفينة في جزيرة مالطا، كما يروي سفر الأعمال لاحقًا.
 
إن هذا التلاقي بين الأدلة الأثرية والبيانات الجغرافية والنص الكتابي يُقدّم مثالًا بارزًا على دقة التفاصيل التاريخية في سجل سفر الأعمال، ويُظهر أن الرواية الكتابية ليست مجرد نصوص وعظية، بل تحمل سمات التوثيق الميداني الذي يُعزّز الثقة في مصداقية شهادات شهود العيان أمثال لوقا البشير.
 
ليكون للبركة
Patricia Michael