أدلة أثرية على حجر الشهادة الوارد في سفر يشوع وهيكل بعل بريث

Patricia Michael

مقدمة

تُعدّ مدينة شكيم (Shechem – شكيم) من أهم المواقع التي ارتبطت بتاريخ العهد بين الله وشعبه في العهد القديم، إذ شهدت تجديد العهد في زمن يشوع، كما يروي سفر يشوع (الأصحاح 24). وهناك نُصِب حجر كشاهد على أمانة الشعب لله.

( سفر يشوع 24 )

25 وَقَطَعَ يَشُوعُ عَهْدًا لِلشَّعْبِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فَرِيضَةً وَحُكْمًا فِي شَكِيمَ.26 وَكَتَبَ يَشُوعُ هذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ. وَأَخَذَ حَجَرًا كَبِيرًا وَنَصَبَهُ هُنَاكَ تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ الَّتِي عِنْدَ مَقْدِسِ الرَّبِّ.27 ثُمَّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «إِنَّ هذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَنَا بِهِ، فَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِلهَكُمْ».

غير أن هذا الموضع نفسه تحوّل لاحقًا إلى مركز لعبادة الأوثان، ما جعله رمزًا لانحدار إسرائيل الروحي. وتأتي الاكتشافات الأثرية الحديثة في موقع تل بلاطة (Tell Balatah)، الذي يُعرف بأنه موقع شكيم القديمة، لتؤكد بصورة مذهلة الدقة التاريخية للنص الكتابي في سفر يشوع وسفر القضاة.

بعد الخروج من أرض مصر، وفي لحظة محورية من تاريخ إسرائيل، يذكر سفر يشوع أن يشوع جمع جميع أسباط إسرائيل في شكيم ليجددوا العهد مع الله. وهناك حضّهم على أن "يعبدوا الرب إلههم وحده". وتخبرنا الآيات (يشوع 24: 25–27) أن يشوع "قطع عهدًا مع الشعب في ذلك اليوم"، وكتب ذلك في "سفر شريعة الله"، ثم أقام حجرًا كبيرًا تحت شجرة بلوط كانت بجوار "مقدس الرب". وقال:

ثُمَّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «إِنَّ هذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَنَا بِهِ، فَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِلهَكُمْ».(يشوع 24 : 27)

صار هذا الحجر إذًا شاهدًا منظورًا ودائمًا على أمانة إسرائيل لعهدهم مع الله.

لكن سفر القضاة يسجل أن إسرائيل سرعان ما ارتدّ عن العهد بعد موت جدعون. إذ بدأ شعب شكيم يعبدون بعل بريث (Baal-berith)، أي "سيد العهد" أو "رب العهد". في مفارقة مأساوية، أصبح الموضع الذي تعهّد فيه الشعب بالولاء لله مركزًا لعبادة الأصنام، وشُيّد فيه هيكل لبعل بريث، مما شوّه دلالة الحجر الشاهد الذي أقامه يشوع.

يشير هذا الاسم إلى اساءة خطيرة لمفهوم العهد نفسه؛ فالكلمة العبرية "بعل" تعني "السيد" أو "الرب"، و**"بريث"** تعني "العهد". وبذلك فإن "بعل بريث" تعني حرفيًا "رب العهد" أو "إله العهد". لكن بينما كان الرب الإله هو صاحب العهد الحقيقي مع إسرائيل، نُسب اللقب ذاته إلى إله كنعاني محلي، في محاولة لتزييف العلاقة العهدية الأصلية. وهكذا احتفظ الشعب بلفظ "العهد" لكنهم استبدلوا موضوع العبادة، فصار الاسم ذاته شاهدًا على انحرافهم من عبادة الإله الحق إلى عبادة صنم حمل اسمًا يوهم بالولاء القديم.

وقد تجسّد هذا الانحراف عمليًا في الأحداث التي تلت. فمن هذا الهيكل نفسه أُخذت الفضة التي استخدمها أبيمالك (Abimelech )، ابن جدعون من سريّة شكيمية، لتمويل مذبحة إخوته السبعين (قضاة 9). ثم تُوّج أبيمالك ملكًا عند عمود البلوطة ذاته في شكيم، في الموضع الذي كان فيه حجر يشوع قائمًا سابقًا، في مشهد يعبّر عن السقوط الروحي العميق لإسرائيل. ولم يتأخر القضاء الإلهي، إذ تحققت لعنة يوثام، حين دمّر أبيمالك شكيم، وذرّى أنقاضها بالملح، وأحرق هيكل بعل بريث، فقتل نحو ألف شخص احتموا بداخله (قضاة 9: 45–49).

"وَحَارَبَ أَبِيمَالِكُ الْمَدِينَةَ كُلَّ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ وَقَتَلَ الشَّعْبَ الَّذِي بِهَا، وَهَدَمَ الْمَدِينَةَ وَزَرَعَهَا مِلْحًا." (قض 9: 45).

وفي عام 1903م، اكتشف العالمان الألمانيان هيرمان تيرش (Hermann Thiersch ) وجي. هولشر (G. Holscher ) الموقع الأثري لمدينة شكيم القديمة، والمعروف اليوم باسم تل بلاطة في إسرائيل الحديثة. وقد كشفت الحفريات عن اكتشافات مدهشة تتوافق بدقة مع ما ورد في الكتاب المقدس.

من بين أبرز تلك الاكتشافات حجر قائم ضخم مكسور يبلغ ارتفاعه نحو ستة أقدام (حوالي 1.8 متر)، يعود إلى نحو عام 1200 ق.م — أي إلى فترة يشوع تقريبًا. ويرى عدد من علماء الآثار أن هذا هو "حجر الشهادة" الذي أقامه يشوع في شكيم (يشوع 24: 27).

وبالقرب منه، تم العثور على بقايا هيكل ضخم تبلغ أبعاده نحو 70 × 86 قدمًا (21.2 × 26.3 مترًا)، يُعتقد أنه هيكل بعل بريث المذكور في سفر القضاة. وأظهرت أعمال التنقيب اللاحقة التي قادها عالم الآثار الأمريكي جي. إرنست رايت (G. Ernest Wright) أدلة واضحة على احتراق شديد في الحجرات الداخلية للهيكل — في انسجام لافت مع الرواية الكتابية عن قيام أبيمالك بإحراق الهيكل على من احتموا فيه (قضاة 9: 49). كما تبيّن أن الموقع هُجر بعد تدميره في منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، بما يتوافق تمامًا مع الإطار الزمني لسقوط شكيم كما يورده النص الكتابي.

خاتمة

تُبرز هذه الاكتشافات الأثرية العلاقة الوثيقة بين السجل الكتابي والتاريخ الواقعي. فـ حجر العهد ليشوع وأنقاض هيكل بعل بريث يشكّلان شاهدين ماديين على مرحلتين متناقضتين من تاريخ إسرائيل: أمانة العهد أولًا، ثم الارتداد عنه لاحقًا. وهي شواهد تثبت أن رواية الكتاب المقدس ليست خرافة أسطورية، بل تأريخ أمين لأحداث واقعية محفوظة عبر العصور، تؤكد مصداقية الكتاب المقدس في بُعده التاريخي واللاهوتي على السواء.

(Evidence of Joshua’s Covenant Stone and Baal-Berith Temple Found)

للمزيد من الاطّلاع يمكنكم الرجوع الى المراجع العلمية والأثرية التالية:

W. F. Albright, “The Excavation of Tell Balâṭah (Shechem),”Bulletin of the American Schools of Oriental Research (BASOR), 1926–1927.

G. Ernest Wright, Shechem: The Biography of a Biblical City,New York: McGraw-Hill, 1965.

Lawrence E. Stager and Joseph A. Greene, “The Archaeology of the City of Shechem,”Biblical Archaeology Review 10, no. 6 (1984).

Amihai Mazar, Archaeology of the Land of the Bible: 10,000–586 B.C.E.,New York: Doubleday, 1990.

ليكون للبركة

Patricia Michael