الحفريات في كنيسة القيامة بين الدلالة التاريخية والنص الإنجيلي
Patricia Michael
وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ، وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. يوحنا 19 : 41
تشهد كنيسة القيامة في أورشليم في السنوات الأخيرة أعمالًا أثرية متواصلة تُعد من أبرز المشاريع البحثية في الأراضي المقدسة. وقد بدأت هذه الأعمال بوصفها مشروع ترميم شامل لأرضيات الكنيسة وبنيتها الإنشائية المتضررة، قبل أن تتطور إلى برنامج بحثي أثري متعدد التخصصات، كشف عن طبقات تاريخية متراكمة تمتد من العصور القديمة إلى الفترات الرومانية والبيزنطية وما بعدها. وأسهم ذلك في إعادة بناء تصور أكثر تفصيلًا لطبيعة الموقع في القرن الأول الميلادي، مع تقديم معطيات أثرية وبيئية تتقاطع بدرجة لافتة مع رواية الأناجيل، وبخاصة إنجيل يوحنا.
يشرف على هذه الأعمال فريق أثري دولي بقيادة البروفيسورة Francesca Romana Stasolla من جامعة سابينزا في روما (Sapienza University of Rome)، وبالتنسيق مع الطوائف المسيحية المشرفة على الموقع ، إضافة إلى سلطة الآثار المختصة.
البذور والمسح ثلاثي الأبعاد واللقى الأثريةأسفرت الحفريات الجارية أسفل كنيسة القيامة عن مجموعة من المؤشرات الأثرية التي تدعم فرضية وجود بستان في الموقع خلال القرن الأول الميلادي، إلى جانب تأكيد أن المنطقة كانت في الأصل محجرًا للحجارة قبل أن تتحول لاحقًا إلى استخدامات زراعية ثم إلى مواقع للدفن.
وأوضحت البروفيسورة Francesca Romana Stasolla أن الفريق عثر على حبوب لقاح وبذور زيتون وعنب تعود إلى نحو ألفي عام، وهو ما ينسجم مع ما يورده إنجيل يوحنا 19 : 41 حول وجود بستان قرب موضع الصلب والقبر.
وقالت ستاسولا، بحسب التقارير المنشورة:
«كان لا بد من التخلي تدريجيًا عن المحجر، وبعد انتهاء استخراج الحجارة استُخدمت المنطقة كمساحات زراعية ومواقع للقبور. وهكذا يُرجّح أن يكون شكل المكان في القرن الأول الميلادي.»
وفي الطبقات الواقعة أسفل أرضية الكنيسة، عُثر على فخار ومصابيح زيتية وعملات نقدية، إلى جانب مجموعة من اللقى الأثرية، وهي مكتشفات توثّق الامتداد الزمني لاستخدام الموقع، وتُسهم في ربط مرحلة المحجر بمراحل الاستيطان الروماني المبكر.
وتشير التقارير البحثية إلى أن هذه المعطيات تساعد على فهم التحول التدريجي للموقع من محجر إلى منطقة زراعية ثم إلى استخدامات جنائزية في العصر الروماني المبكر.
ولإعادة بناء تصور للأجزاء التي لا يمكن الكشف عنها بالكامل، استخدم الفريق تقنيات الرادار المخترق للأرض (Ground-Penetrating Radar) والمسح ثلاثي الأبعاد (3-D mapping).
وقالت البروفيسورة Francesca Romana Stasolla:
«رغم أننا لم نتمكن من رؤية الكنيسة بأكملها مكشوفة في لحظة واحدة، فإن التقنيات الحديثة تتيح لنا إعادة بناء الصورة الأشمل داخل مختبراتنا.»
ووصفت ستاسولا المشروع بأنه:
«حفريات استراتيجية بلا شك لفهم تطور المدينة وعملية تحولها إلى مركز مقدس مسيحي.»
كما أضافت أن العمل «ما يزال مستمرًا، وأن الدراسة قد تحمل العديد من المفاجآت»، مشيرةً إلى أن أعمال التنقيب ستُستأنف لعدة أشهر بعد انتهاء موسم زوار عيد القيامة.
ويُعد هذا المشروع، الذي حصل على ترخيص من سلطة الآثار الإسرائيلية وموافقة الكنائس المشرفة على الموقع، بما في ذلك الروم الأرثوذكس ، والأرمن الأرثوذكس ، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، أوسع حملة تنقيب أُجريت في الموقع منذ ما يقرب من مئتي عام.
أما كنيسة القيامة، التي تأسست سنة 326م بأمر من الإمبراطور قسطنطين ، فتستقطب اليوم ما يُقدَّر بنحو أربعة ملايين حاج وسائح سنويًا.
أعمال ترميم قادت إلى اكتشافات أثرية
يرجع المشروع الأثري الحالي إلى أعمال ترميم عاجلة بدأت سنة 2016، بعد أن رصد المهندسون مؤشرات مقلقة على تدهور البنية الإنشائية لكلٍّ من القبر المقدس والكنيسة عمومًا، بما في ذلك الأرضيات وشبكات المياه وأنظمة التهوية. وقد كانت الحاجة إلى التدخل عاجلة من الناحيتين الدينية والإنشائية.
وخلال تلك المرحلة المبكرة، شهد الموقع حدثًا تاريخيًا بارزًا تمثل في الكشف عن اللوح الأصلي للقبر للمرة الأولى منذ أكثر من خمسمئة عام، وهي لحظة وصفها كثيرون بأنها تمثل تلاقيًا نادرًا بين الإيمان والعلم. وقد أعاد هذا الحدث إحياء الاهتمام العالمي بالموقع، ومهّد الطريق أمام المشروع الأثري الأوسع الذي انطلق سنة 2022 بإشراف البروفيسورة Francesca Romana Stasolla من جامعة سابينزا في روما (Sapienza University of Rome)، وبالتعاون مع الطوائف المسيحية المشرفة على الكنيسة وسلطة الآثار الإسرائيلية.
وقد نُشرت خلال سنة 2025 عدة تقارير ودراسات صحفية تناولت النتائج الجديدة المتعلقة بالحفريات، خاصة ما يرتبط بالأدلة النباتية وتقنيات المسح الحديثة، في حين لا تزال الأعمال والدراسات العلمية مستمرة حتى اليوم.
ولضمان استمرار الصلوات والحج الديني دون انقطاع، جرى تقسيم أعمال الترميم والتنقيب إلى إحدى عشرة منطقة داخل الكنيسة. وتستمر الحفريات بنظام المناوبات على مدار الساعة، مع تعليق الأعمال خلال المناسبات الليتورجية الكبرى.
التحول البيئي للموقع: من محجر إلى بستان ثم إلى منطقة دفن
تُظهر نتائج الحفريات أن الموقع مرّ بتغيرات وظيفية وبيئية تدريجية؛ فقد كان في مرحلة مبكرة من تاريخه محجرًا للحجر الجيري، ثم تحول بعد توقف عمليات استخراج الحجر الجيري إلى منطقة ذات طابع زراعي.
التسلسل الطبقي الأثري أسفل أرضية كنيسة القيامة
وخلال جولات ميدانية رافقت زوارًا وصحفيين إلى أحد أعمق مواقع الحفر، على عمق يقارب ستة أمتار تحت سطح الكنيسة، أوضحت البروفيسورة Francesca Romana Stasolla أن هذه المنطقة «تقدم تسلسلًا تاريخيًا مكثفًا بصورة استثنائية».
وقد أظهرت الحفريات أن الموقع كان يُستخدم في الأصل كمحجر نشط للحجارة خلال العصر الحديدي، حيث استُخرج منه الحجر الجيري المستخدم في البناء. وبعد توقف أعمال الاستخراج، بدأت المنطقة تُردم تدريجيًا وتتحول إلى مساحة زراعية تضم أشجار زيتون وكروم عنب.
وقد دعمت الأدلة الأثرية النباتية هذا التحول، إذ عثر الباحثون على نوى زيتون قديمة، وبذور عنب، وحبوب لقاح، إضافة إلى بقايا عظام حيوانية، وهي مكتشفات تتوافق بصورة لافتة مع الوصف الوارد في إنجيل يوحنا:
«وكان في الموضع الذي صُلِب فيه بستان، وفي البستان قبر جديد» (يوحنا 19: 41).
وأكدت ستاسولا أن الدراسة العلمية للموقع لا تقتصر على البقايا الحجرية فقط، قائلة:
«إن التحليل لا يقتصر على البقايا الحجرية، بل يشمل أيضًا دراسة الرواسب وحبوب اللقاح والطبقات النباتية، بهدف إعادة بناء النشاط البيئي والبشري الذي كان قائمًا في هذا الجزء من أورشليم.»
الأدلة البيئية والتقنيات الحديثة
اعتمد الفريق على تقنيات علمية غير تدميرية، أبرزها الرادار المخترق للأرض والمسح ثلاثي الأبعاد، لإعادة بناء المشهد الأثري دون الحاجة إلى كشف كامل الطبقات.
وقد أسهم ذلك في إنتاج نماذج رقمية تُظهر تطور الموقع عبر الزمن، بما في ذلك العلاقة بين المحجر القديم والمناطق الزراعية ومواقع الدفن. كما ساعد تحليل عينات التربة في إعادة تصور البيئة الطبيعية لأورشليم في القرن الأول الميلادي.
كما وثّقت الحفريات لقى إضافية تشمل الفخار والمصابيح الزيتية والعملات النقدية، مما يشير إلى استمرارية الاستخدام البشري للموقع عبر فترات زمنية متعاقبة.
الجلجثة واستمرارية الذاكرة الدينية
كشفت الحفريات عن بقايا صخرية مرتبطة تقليديًا بمنطقة الجلجثة . وتشير الدراسات إلى أن هذا التكوين الصخري ظل حاضرًا في الذاكرة المسيحية رغم التغييرات العمرانية في القرن الثاني الميلادي خلال عهد الإمبراطور هادريان .ويشير الأب Amadeo Ricco، الباحث في المعهد الكتابي الفرنسيسكاني ، إلى ان هذا التكوين الصخري في منطقة الجلجثة لا يزال ظاهرًا حتى اليوم، ويبلغ ارتفاعه نحو خمسة أمتار،مؤكدًا أنه يمثل عنصرًا أساسيًا في الذاكرة المسيحية المرتبطة بموضع الصلب. كما يوضح أن هذا المعلم الصخري ظل محفوظًا حتى بعد أن أقام الإمبراطور هادريان معبدًا وثنيًا فوق الموقع في محاولة لطمس الطابع المسيحي للمكان.
ويؤكد الأب ريكو هذا البعد بقوله:
«تؤكد المصادر اليونانية واللاتينية القديمة أن المسيحيين الأوائل استمروا في تقدير مكانة هذا الموقع حتى خلال فترات الاضطهاد.»
ويضيف قائلا:
«لقد استمرت الذاكرة والإيمان.»
القبور المنحوتة ونقوش الحجاج
وفي سياق الامتداد الأثري للموقع خارج أسوار أورشليم، تظهر قبور منحوتة في الصخر تتوافق مع أنماط الدفن اليهودية في القرن الأول الميلادي.كما سُجِّلت نقوش تركها حجاج بلغات متعددة، من بينها اليونانية واللاتينية والأرمنية، وهو ما يعكس استمرار الموقع كمركز للحج عبر فترات تاريخية متعاقبة.
التحولات التاريخية والمعمارية لكنيسة القيامة من هادريان إلى قسطنطين
بعد محاولة الإمبراطور هادريان طمس الذاكرة المسيحية من خلال تغطية الموقع بمنشآت ومعابد وثنية، أعاد الإمبراطور قسطنطين إحياء الطابع المقدس للمكان في القرن الرابع الميلادي. وبناءً على تشجيع والدته القديسة هيلانة ، أمر الإمبراطور الروماني بإزالة المنشآت التي أقيمت فوق الموقع، وبدأ نحو سنة 326م ببناء كنيسة ضخمة فوق القبر المنسوب للمسيح، مستخدمًا مواد معاد توظيفها من أبنية رومانية سابقة. واستغرقت أعمال البناء ما يقارب عقدًا كاملًا.
ورغم تعرض أجزاء من الكنيسة للتدمير خلال الغزو الفارسي سنة 614م، ثم مرة أخرى في عهد الفاطميين سنة 1009م، أعاد الصليبيون بناء المجمع الكنسي في القرن الثاني عشر الميلادي. وتعود كثير من العناصر المعمارية الحالية في كنيسة القيامة، مثل القبة المستديرة (Rotunda) ، وكنيسة الجلجثة، وحجر الطيب (Stone of Anointing)، إلى تلك المرحلة التاريخية.
كما كشفت الحفريات الحديثة عن معطيات تقنية تتعلق بأساليب البناء في عهد قسطنطين، خاصة في الجناح الشمالي للكنيسة. فقد أعاد علماء الآثار دراسة الخنادق التي سبق أن حفرها الأب Virgilio Corbo في ستينيات القرن العشرين، الأمر الذي ساعد على تأكيد نتائج الدراسات السابقة وإضافة بيانات جديدة.
وأظهرت الدراسات والتحليلات أن المحجر الصخري الأصلي كان يحتوي على أسطح غير منتظمة وعميقة القطع، مما اضطر البنّاؤون الأوائل إلى تسوية الأرض باستخدام طبقات من التربة ومواد تحتوي على شظايا فخارية، وهي تقنية انشائية بسيطة لكنها فعّالة في ذلك العصر. كما تمت دراسة أساليب تأسيس الجدار الشمالي العائد إلى العصر القسطنطيني، والذي لا تزال أجزاء منه قائمة حتى اليوم.
بين الأثر والنص
لا تُقدَّم هذه النتائج بوصفها إثباتًا عقائديًا مباشراً، بل إطارًا تاريخيًا يساعد على فهم سياق النصوص القديمة. ومع ذلك، فإن وجود مؤشرات أثرية على بستان قرب موقع الصلب، إضافة إلى قبور خارج المدينة، يعزز إمكانية قراءة السرد الإنجيلي في سياقه التاريخي.
علم الآثار في حضرة الصلاة
على الرغم من تعقيد الأعمال الأثرية الجارية داخل كنيسة القيامة، فإن الصلوات والطقوس الليتورجية لم تتوقف. إذ كان يتم تعليق العمل في الحفريات خلال الأعياد والمناسبات الدينية الكبرى، ثم تُستأنف بعد ذلك بما ينسجم مع الإيقاع الروحي والديني للموقع.
ويقول الأب Amadeo Ricco:
«لقد أضاء علم الآثار جوانب لم نكن نعرفها، لكنه — أكثر من ذلك — عمّق الاحترام والتبجيل اللذين كانا قائمين بالفعل.»
الخاتمة: أورشليم الحيّة
إن ما تكشفه الحفريات الجارية في كنيسة القيامة يتجاوز مجرد العثور على بقايا أثرية قديمة. فهذه الحجارة تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا من الذاكرة الدينية، والتحولات العمرانية، والإيمان الذي استمر رغم الاضطرابات ومحاولات الطمس عبر القرون.
لقد مرّ الموقع في مراحل مختلفة وتحوّلات وظيفية متعاقبة ؛ إذ كان في الأصل محجرًا للحجارة، ثم تحول إلى بستان، ثم إلى موضع للدفن، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أهم المراكز الدينية المسيحية في العالم. وتُظهر الدراسات الأثرية والبيئية أن تاريخ المكان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ أورشليم نفسها، وبالتطور الديني والعمراني الذي شهدته المدينة عبر العصور.
وهكذا تواصل الحجارة والرواسب والطبقات الأثرية تقديم شهادة مادية على تاريخ هذا الموقع، في حين يلتقي فيه البحث العلمي مع الاستمرارية الدينية والذاكرة التاريخية التي حافظت على قدسيته حتى اليوم.
The Times of Israel“Echoing Gospel Account, Traces of Ancient Garden Found under Church of the Holy Sepulchre.” The Times of Israel, April 2025.
The Jerusalem Post“Seeds, 3-D Scans and Iron-Age Artefacts Deepen Case for Holy Sepulchre’s Biblical Garden.” The Jerusalem Post, April 2025.
The Jerusalem Post“Archaeological Finds Strengthen Garden Tradition at Holy Sepulchre.” The Jerusalem Post, 2025.
All Israel News“The Stones Speak: Excavations Reshaping the History of the Holy Sepulchre.” All Israel News, July 11, 2025.
ليكون للبركة
Patricia Michael