كيف ابرز القديس كيرلس البعد اللاهوتي العميق لحدث القيامة ومنح الروح القدس ؟!
يشير القديس كيرلس إلى أن منح الروح القدس بعد القيامة يرتبط ارتباطًا جوهريًا بتجديد الطبيعة البشرية واستعادتها إلى حالتها الأولى التي أفسدتها الخطية. في تفسيره، يؤكد أن المسيح، بصفته "باكورة الطبيعة الجديدة"، أتمَّ في قيامته بداية تحول شامل للبشرية. وكما أن النبات لا يمكنه النمو دون جذره، فإن قيامة المسيح تمثل الجذر والأساس للحياة الجديدة غير الفاسدة التي يُدعى المؤمنون إليها. لذا، عندما نفخ في تلاميذه قائلاً: "وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ." (يو 20: 22). كان ذلك إعلانًا عن بدء عهد التجديد.
يدعم القديس كيرلس هذه الرؤية بربطها بعمل الله في الخلق الأول كما ورد في سفر التكوين: "وجبل الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة" (تكوين 2 : 7 ). يفسر القديس أن هذه "نسمة الحياة" ليست سوى روح المسيح نفسه، الذي أعلن عن ذاته قائلاً: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا،" (يو 11: 25).
هذه "نسمة الحياة"، بحسب تفسير القديس، هي الروح الإلهي الذي وهب الإنسان الحياة والشركة مع الله. ومع ذلك، فإن سقوط الإنسان في الخطية أدى إلى فقدان هذه الشركة، ما جعل تجديدها ضرورة. حيث اشار القديس إلى أن هذا الروح الإلهي، الذي يُمكِّن الإنسان من أن يحمل الصورة الإلهية، قد غادر الطبيعة البشرية بسبب السقوط. ولكن المسيح، بفعل الخلاص، يعيد هذا الروح مرة أخرى إلى الإنسان، مما يُمكِّن البشر من استعادة كرامتهم الأصلية والتجديد على صورة الله.
من هنا، يرى القديس كيرلس أن منح الروح القدس بعد القيامة هو استعادة للكرامة الأصلية للبشرية وإعادة تشكيلها على صورة الله. يستشهد برسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية: ""يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ." (غل 4: 19). ليؤكد أن الروح القدس يُشكل المؤمنين ليصبحوا مشابهين للمسيح، ويعيدهم إلى الكمال الإلهي.
بهذه الطريقة، يُبرز القديس كيرلس البعد اللاهوتي العميق لحدث القيامة ومنح الروح القدس باعتباره تحقيقًا للتجديد الشامل للطبيعة البشرية، بدءًا من المسيح البكر وانتهاءً بجميع المؤمنين به.
ليكون للبركة
Patricia Michael