هل يمكن أن نبرئ يهوذا لأن خيانته كانت السبب في خلاص العالم؟
قال البعض أن يهوذا كان السبب في صلب المسيح فلماذا يُحَاسَب كشرير؟ ومعنى كلامهم فلنبرئ يهوذا لأن خيانته كانت السبب في خلاص العالم؟
والرد بسيط:-
هذه رؤية غير دقيقة وغير سليمة وخطيرة في نفس الوقت.هل ربنا يقدر يخرج الخير من الشر؟ أكيد، وهذا جزء من إيمانا الراسخ. لكن هل هذا مدعاة لتبرير شر يهوذا؟ ابداً .هناك فرق كبير بين "ربنا سمح" و"بين ان نبرر أو نمجّد" ما فعله يهوذا وافعاله الشريرة ونعتبره سببا في خلاص البشرية.
بنفس المنطق فهل نبرئ رؤساء الكهنة الذين دبروا المؤامرة لصلب المسيح، وبحثوا عن شهود زور ضد المسيح، ونبرئ مَنْ إستجاب لهم وظلوا يصرخون أمام بيلاطس قائلين "إصلبه إصلبه ، دمه علينا وعلى أولادنا". وهل نبرئ الرومان أيضا الذين صلبوا المسيح، بل وهل نبرئ الشيطان الذي حرك هؤلاء.
إخوة يهوذا بخيانتهم ليوسف كانوا السبب في خير عظيم لكل المنطقة. فهل هم لم يصنعوا خطأ مع يوسف يحاسبوا عليه لأن فعلتهم كانت لخلاص العالم!!
كان رؤساء الكهنة قادرين بغير يهوذا وبقليل من المراقبة والتجسس أن يعرفوا مكان المسيح ويقبضوا عليه. إذاً رؤساء الكهنة ما كانوا في إحتياج ليهوذا. نجد هنا أن يهوذا هو الذي ذهب إليهم وعرض نفسه حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ. هم كانوا يدبرون الخطة ويبحثون عن جاسوس يتتبع خطوات المسيح، فوجدوا يهوذا يعرض نفسه عليهم، فلم يبحثوا عن جاسوس - وقالوا له تعال. هنا تلاقت رغبة يهوذا مع رغبة رؤساء الكهنة.
نية يهوذا ما كانت خلاص العالم.عمومًا المسيح لا يحتاج ليهوذا. ولا خطة الخلاص كانت تحتاج ليهوذا. وبنفس المنطق بل المسيح حاول أن يمنع يهوذا من فعلته ولكنه أصر.
كان يهوذا محبًا للمال وطامعًا في مركز كبير حين يصير المسيح ملكًا. ولكن حديث المسيح عن صليبه خَيَّبَ أماله، وربما فهم أن ملكوت المسيح سيكون روحيًا وهذا لن يفيد أطماعه بشيء، بل هو سمع أن تلاميذه عليهم أن يحتملوا الإهانات وهذا لا يتفق مع أماله في العظمة والغنى. فباع المسيح بارادته .
دخل الشيطان في يهوذا ليس إكراهًا بل لأنه وجد الباب مفتوحًا لديه، وجد فيه الطمع ومحبة المال بابًا للخيانة. ثم بعد اللقمة دخله الشيطان (يو27:13). كان يهوذا قد سلّم نفسه للشيطان، صار إناءً له، ومع كل فرصة ينفتح الباب بالأكثر للتجاوب مع إبليس كسيد له يملك قلبه ويوجه فكره ويدير كل تصرفاته. أي أن يهوذا كان كل يوم ينمو في تجاوبه مع الشيطان فيملك عليه بالأكثر. لذلك علينا أن لا نفتح للشيطان أي باب يدخل منه، حتى لا يسود علينا. لذلك قال السيد المسيح "رئيس هذا العالم آتٍ وليس لهُ فيَّ شيء" إذ لم يقبل منه شيء خاطئ (راجع التجربة على الجبل) والعكس فمن يتجاوَب مع الروح القدس يملأه (رؤ10:1؛ 2:4)(1). فروح الله يشتاق أن يحل في قلوب أولاده بلا توقف ليملأهم من عمله الإلهي. وأيضًا إبليس يحاول أن يملأ ويسود على من يتجاوب معهُ ويُصَيِّرَهُ أداة خاضعة له. وكل إنسان حر أن يختار ممن يمتلئ. يهوذا بدأ سارقًا وانتهى خائنًا للمسيح.
قد وصف الرب يسوع يهوذا الإسخريوطي بالوصف البالغ الأسى «ابن الهلاك» ( يو 17: 12 ). وقال عنه أيضًا: «كان خيرًا لهذا الرجل لو لم يولد» ( مت 26: 24 يو 13: 30 ). وكيف لا، وقد خرج من حضرة الرب يسوع المسيح ليواجه ليله الأبدي «فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت. وكان ليلاً» (يو13: 30). لم يكن ليله مجرد ليل الطبيعة الذي أرخى سدوله في كل مكان، بل كان الليل الأعمق في داخله الذي حلَّ فيه الشيطان وملأه ظلامًا. وهذا المخلوق التَعِس، الذي رفض، وبإصرار محبة الرب يسوع، والذي باع نفسه بجملته تحت سلطان قوات الظلمة، أصبح الآن مهيئًا ليرتكب أبشع جريمة في التاريخ.
القمص أنطونيوس فكري