هل انتهك يسوع وصية حفظ السبت؟By Wayne Jackson
ترجمة ودراسة:
يأتي مقال واين جاكسون في إطار الرد على سؤال وُجِّه إليه من أحد الاشخاص حول ادعاءٍ تداولَه كاتب ومحاضر مسيحي مفاده أن يسوع قد "انتهك" شريعة السبت بحسب مفهومه بخصوص ما ورد في مرقس 2: 23-24 حيث جاء في سؤاله:يقول السائل : «هناك كاتب/محاضر مسيحي، يسافر كثيرًا ويلقي محاضرات حول موضوع "هل الله موجود؟"، قد كتب بأن الكتاب المقدس يشير إلى أن يسوع، في إحدى المناسبات، "انتهك" شريعة السبت في العهد القديم. وقد استشهد بإنجيل مرقس 2: 23-24. فهل يمكن أن تعلّق على هذا؟»
في معرض ردّه على هذا الافتراء يوضح جاكسون أن هذا الطرح ليس مجرّد اجتهاد عابر، بل يحمل في طيّاته إشكالية لاهوتية خطيرة، إذ يوحي بأن المسيح ارتكب خطية، الأمر الذي يتعارض كلياً مع الشهادة الكتابية الواضحة عن كماله وقداسته. ومن هنا، ينطلق الكاتب لتفنيد هذا الادعاء، مبينًا أن المشكلة ليست في النصوص المقدسة، بل في سوء الفهم الناتج عن التقاليد الفريسية والتفسيرات البشرية المغلوطة حيث يقول:
من المؤسف جدًا أن يقوم هذا الرجل المضلَّل بمثل هذا الادعاء المتهوّر الذي لا أساس له. فهذا التصريح ليس خاطئًا فحسب، بل يورّط كلًّا من الكتاب المقدس والرب يسوع في مأزق خطير. لاحظ هاتين النقطتين:
أولاً: إذا كان المسيح قد "انتهك" شريعة الله، فهذا يعني أنه أخطأ. والخطيئة هي تعدّي الشريعة (1 يوحنا 3: 4). فإذا كان الرب قد أخطأ، فإن التأكيدات الكتابية حول كماله تصبح باطلة (يوحنا 8: 29؛ عبرانيين 4: 15؛ 1 بطرس 2: 22). وبالتالي فإن هذا القول المتهوّر ينعكس سلبًا على مصداقية الكتاب المقدس.
ثانيًا: إذا كسر يسوع شريعة الله، لما استطاع أن يكون الذبيحة الطاهرة عن خطايانا (2 كورنثوس 5: 21؛ 1 بطرس 1: 18-19). وبذلك لبقينا بلا فداء، وكنا سنكون أتعس جميع الناس.
إذن،فإن الزعم بأن ابن الله "انتهك" شريعة السبت هو ادعاء ذو عواقب وخيمة. والحقيقة أن مثل هذا القول يكشف عن سوء فهم عميق للظروف المرتبطة برواية مرقس 2: 23 وما بعدها.
فلنراجع تفاصيل الحادثة كما وردت في الأناجيل.
في أحد أيام السبت، كان المسيح وتلاميذه يجتازون بين الحقول. ولما جاع التلاميذ (متى 12: 1)، بدأوا يقطفون سنابل ويُفركونها بأيديهم (لوقا 6: 1)"وَفِي السَّبْتِ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ اجْتَازَ بَيْنَ الزُّرُوعِ. وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ وَهُمْ يَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ." (لو 6: 1).
وعندما رأى الفريسيون ذلك، وجّهوا سؤالهم الى يسوع : لماذا يفعل تلاميذه ما هو "غير مشروع" في السبت. هذه هي وقائع القصة والآن فلنحللها بدقّة.
أولاً: لم يكن يسوع نفسه هو المتهم المباشر بكسر الشريعة في هذه الحادثة، بل تلاميذه فقط. لكن الفريسيين أرادوا تحميل يسوع المسؤولية عن أفعال تلاميذه. والسؤال هنا : كم من المعلّمين اليوم قد يقبلون منطقًا كهذا وعلى هذا الاساس ؟
ثانيًا: في الحقيقة، لم يخالف التلاميذ حتى شريعة السبت كما أُعطيت في الناموس الموسوي. فالشريعة العبرية أتاحت للجائع أن يقطف من السنابل عند مروره بالحقول ليأكل (تثنية 23: 25؛ راعوث 2: 2-3). ومن ثم، لم يكن موضوع "السرقة" مطروحًا أصلًا في هذه القصة. جوهر اعتراض الفريسيين كان مبنيًا على ما أضافته التقاليد الربانية على مدى السنين: قائمة طويلة تضم نحو تسعة وثلاثين عملًا اعتُبرت خرقًا لحظر العمل يوم السبت.
انظر:
( Emil Schurer’s, A History of the Jewish People in the Time of Jesus Christ (New York: Chas. Scribner’s Sons, 1891, II, pp. 96-105.)
بعد أن عرضنا سياق اعتراض الفريسيين على تصرف التلاميذ، يوضح الكاتب أن المشكلة لم تكن في ناموس موسى نفسه، بل في التفسيرات المتشدّدة التي أضافها الفريسيون. فقد وضعوا قيودًا بشرية فوق الناموس، وجعلوا منها معيارًا لإدانة الآخرين.
ومن بين هذه الأعمال الممنوعة كان "الطحن". ووفقا لمبالغات وتهويل الفريسيين في تفسير الناموس اعتبروا حركة التلاميذ بمثابة " الطحن" . غير أن ما فعله التلاميذ لم يكن بأي حال "طحنًا" بالمعنى التجاري او الفعلي كما قصدت الشريعة.
ثالثًا: علّق يسوع على تصرف تلاميذه قائلاً إنهم "بلا ذنب" (متى 12: 7). والكلمة اليونانية هنا تعني: "غير مذنب في جريمة" انظر: (see W.E. Vine, Expository Dictionary, Iowa Falls: World, 1991, p. 367). إذن التلاميذ لم يكسروا الشريعة.
لم يسمح المسيح لهؤلاء الفريسيين المتغطرسين، واضعي الشرائع البشرية، أن يحلّوا محل الله بفرض أثقال لم يأذن بها. بل بمنطق قوي دحض اتهاماتهم.
وبالتالي لكي يوضح ذلك بشكل قاطع، استخدم المسيح منطقًا متينًا لدحض ادعاءات الفريسيين، موضحاً الحقائق عبر أربع خطوات رئيسية:
1- حُجّة "الاحتجاج بالقياس" (Ad hominem argument):
استشهد يسوع بقصة داود عندما دخل بيت الله وأكل من خبز التقدمة الذي لم يكن جائزًا إلا للكهنة (متى 12: 4؛ 1 صموئيل 21: 6). ورغم أن ما فعله داود كان في أصله "غير مشروع"، لم يُدن من قِبل الفريسيين أو التقليد اليهودي. فإذا كان هؤلاء قد تغاضوا عن داود في خرقه الواضح للشريعة، فكيف يُدينون تلاميذ يسوع الذين لم يتجاوزوا سوى حدود التقاليد البشرية المضافة إلى الناموس؟ بهذا المنطق، فضح المسيح تناقضهم وكشف رياءهم.
2- شهادة الخدمة الكهنوتية في العهد القديم :
بيّن يسوع أن ليس كل عمل يوم السبت خطية. فالكهنة كانوا يخدمون يوم السبت ولم يكونوا مذنبين (متى 12: 5؛ عدد 28: 10). قال المسيح: "هنا أعظم من الهيكل" (متى 12: 6). أي أنه بصفته أعظم من الهيكل (إعلان ضمني عن ألوهيته)، فإن عمل تلاميذه معه كان بلا لوم تمامًا كما كان عمل الكهنة.
3- سلطان المسيح على السبت فهو رب السبت:
وصف المسيح نفسه بأنه "رب السبت". وبما أنه هو الكلمة الازلي، الابن المتجسد "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ." (يوحنا 1: 3؛ كولوسي 1: 16؛ عبرانيين 1: 2)، فهو صاحب السلطان على السبت. فكلمة "رب" (كيريوس) تعني "صاحب السيادة الكاملة"انظر: (F.W. Danker, Greek-English Lexicon, Chicago: University of Chicago, 2000, 577). أي أن يسوع يملك الحق المطلق وسلطة تحديد ما يليق بالسبت.
4- الغاية الإلهية الحقيقية من شريعة السبت:
وأخيرًا، أوضح الرب الغاية الحقيقية من شريعة السبت: أنه هبة رحمة من الله لخير الإنسان، ليرتاح جسده ويُنعش روحه. لم يكن السبت غاية في ذاته، بل وسيلة للراحة والعبادة. لو أدرك الفريسيون هذا المبدأ لما أدانوا "الأبرياء" (متى 12: 7).
النتيجة:
تبيّن هذه الحجج الأربع أن يسوع لم "ينتهك" السبت، ولم يسمح لتلاميذه بخرقه. بل على العكس، كشف عن رياء الفريسيين وأكد أن السبت هو عطية إلهية للإنسان، لا أداة لإدانته. ومن هنا، يتضح أن أي ادعاء معاكس يمثل قراءة سطحية ومتسرعة، تفتقر إلى الفهم اللاهوتي العميق. وبناءً عليه، فإن من يتصدى للتعليم العام ينبغي أن يدرس الأمور بعمق قبل إطلاق مثل هذه التصريحات والأحكام العشوائية، التي تكشف ضحالة الفكر لدى مروّجيها.
ليكون للبركة
Did Jesus Violate the Sabbath?